ثورة روج آفا مكّنت المرأة من الاحتفال بيومها

لم يكن يوم الثامن من آذار (اليوم العالمي للمرأة) معروفاً في سياقه الحقيقي في سوريا كيوم للمطالبة بحرية المرأة، بل كان يتزامن كل عام مع يوم صعود حزب البعث إلى السلطة في سوريا، الذي منع جميع أشكال الاحتفال به، ولكن مع دخول القائد عبد الله أوجلان إلى سوريا وروج آفا 1979، غيّر هذا النمط، لتبدأ المرأة مرحلة مهمة في مسيرة نضالها.

ثورة روج آفا مكّنت المرأة من الاحتفال بيومها
الجمعة 4 آذار, 2022   04:04
مركز الأخبار- ميديا حنان  

أدت المرأة دوراً كبيراً في تحقيق الظاهرة الاجتماعية لدى الإنسان، وتحويله إلى كائن اجتماعي، حيث كانت المرأة الديناميكية الأساسية في سباق تطور الحياة انطلاقاً من خصوبتها الأنثوية وعطائها وصداقتها مع الطبيعة، وبقيت المعلمة الأساسية على الدوام في نظام العلاقات الحياتية.

لم يرضِ هذا النظام الذكوري المتسلط، فأبعد المرأة عن مكانتها الأساسية، وسُحقت تحت وطأة مصالح المجتمع الطبقي على مدى خمسة آلاف عام، لتنقطع المرأة جسدياً وروحياً وفكرياً عن جميع أرضيات التقدم على الصعيد المادي والمعنوي والفكري، ورأى القائد عبد الله أوجلان هذا الواقع بشفافية وعمق تحليلاته التاريخية والاجتماعية وعالجها واعتمد على إعادة تشكيل نمط المرأة والرجل، وبالتالي المجتمع أساساً في فلسفته الحرة، إذ يقول القائد في تحليلاته المعنونة باسم "المرأة والعائلة" "أنا لست متردداً بشأن علاقات المرأة بالرجل ولكني ضد الانحطاط في هذه العلاقات".

في عام 1997، طرح القائد عبد الله أوجلان "نظرية الانقطاع" من أجل تطوير مستوى الوعي الذي وصلت إليه المرأة، وذلك من خلال انقطاع المرأة عن نظام "الرجل المتسلط والمرأة العبدة"، حيث كانت "نظرية الانقطاع" تعني أن على المرأة أن تنقطع ذهنياً وروحياً وثقافياً عن النظام المتسلط للرجل، كانت هذه النظرية بمثابة إشارة للمرأة وتعريفها بالنظام الذكوري المتسلط وضرورة النضال في مواجهة هذا النظام، حيث اكتسبت الجرأة والشجاعة وانضمت بهويتها وإرادتها إلى جميع نواحي الحياة التي كانت مستبعدة عنها، ونجحت في اختبار تنظيم صفوفها بنفسها، كما أنها ساهمت من خلال "نظرية الانقطاع" في مساعدة الرجل للسير نحو الحرية من خلال تطوير "مشروع تغيير الرجل".

الثامن من آذار وانتفاضة المرأة

أول حدث تاريخي لتأسيس هذا اليوم يعود إلى عام 1857، حين قامت مجموعة من النساء العاملات أمثال كلارا زتكين وروزا لوكسمبورغ في معمل للنسيج في الولايات المتحدة الأميركية بالتظاهر احتجاجاً على سوء أحوالهن المعيشية. على الرغم من قمع الشرطة لهن، إلا أنّ هذه التظاهرات تمكنت بعد مرور عامين من تحقيق النجاح في تشكيل أول نقابة نسائية لعاملات معمل النسيج. وفي 8 آذار عام 1908 انضمت أكثر من 15 ألف عاملة لمسيرة نُظمت في مدينة نيويورك مطالبات بزيادة الأجور وتحسين ظروف العمل والاعتراض على إنجاب الأطفال وحق المرأة في الاقتراع والديمقراطية.

بعد عام من هذا التاريخ، أي في 1909، شاركت ما يقارب 20 - 30 ألف عاملة في إضراب عام دام 13 أسبوعاً، واعتُبرَ هذا الإضراب النسائي في تلك الفترة أكبر إضراب تحقق، وكان مطلبهن هو تحسين ظروف العمل وزيادة الأجور بالإضافة إلى المطالب الأخرى التي قدمنها في العام الذي سبقه. وهكذا تُعتبر مناسبة الـ 8 من آذار مناسبة ثورية واقعية. خاصة أنه كان إضراباً عمالياً كبيراً للنساء لينبهنّ العالم إلى حقوق المرأة في العمل والمساواة والعدالة في الأجور.

فيوم الـ 8 من آذار، هو اليوم الذي شهد على معاناة النساء، وهو الذي وحّد قلوب جميع النساء في العالم معاً وأحيا روح مقاومة النساء العاملات في بناء طموحاتهنّ وآمالهن.

المرأة في سوريا

عرفت في سوريا شخصيات نسائية ثورية على مدى التاريخ، وشاركن في معارك أمثال ملكة تدمر السورية "زنوبيا" التي ازدهرت مملكتها بانتشار العدل والديمقراطية وكثافة المعرفة والترجمة وإطلاق الحريات العامة حتى وصلت إلى درجة من الرقي الإنساني ضاهت به حضارة روما والحضارات الشرقية على حد سواء، والتي أحبها شعبها وأحبته وضحت بحياتها من أجله، وفضلت الموت على أن يُذل شعبها وانتهت بعد أن أُسرت إلى روما.

وبهذا السرد يمكن الإيجاز أن المرأة السورية عاشت هذه التغيرات والأحداث وجهاً لوجه، فمع بدء الاحتلال العثماني في سوريا، بدأ المجتمع بالتراجع وعاش الانحطاط والتخلف، ولاقى الاحتلال مقاومات عظيمة على الرغم من الظروف الاجتماعية القاسية، إلا أنها لم تمنع المرأة من المشاركة في النضال ضد العثمانيين، وحينها عبرت المرأة السورية عن رغباتها في التحرر. فقامت بمظاهرة ضد الوالي العثماني عام 1872، وهي أول مظاهرة نسائية، على الرغم من عفوية هذه المظاهرة وافتقارها للوعي.

بالإضافة إلى مسيرة حياة "نازك العابد" 1887-1959 المرأة الدمشقية الشجاعة، التي ترأست جمعية الفيحاء عام 1916   وأسست النادي الشامي فيما بعد، ومُنِحَت رتبة "نقيب" في الجيش، وكانت بصحبة وزير الدفاع السوري يوسف العظمة حينما دارت رحى معركة ميسلون مسطّرَة ملاحم البطولة، ونفيت إلى اسطنبول، ومن بعدها إلى الأردن وبعد عودتها إلى وطنها كانت من ثوار الثورة السورية الكبرى عام 1925، فعند البحث في التاريخ، تمر أسماء العديد من النساء السوريات الثوريات اللواتي وضعن بصماتهن في صفحات التاريخ، إلا أنهن همّشن واحتكر نضالهن.

الثامن من آذار في سوريا

لم يكن يوم الثامن من آذار معروفاً في سياقه الحقيقي كيوم للمطالبة بالحرية حتى أعوام الثمانينات من القرن الماضي، بل كان هذا اليوم يتزامن كل عام مع يوم صعود حزب البعث إلى السلطة في سوريا، الذي منع جميع الاحتفالات الأخرى.

أما بالنسبة للاحتفالات الخاصة باليوم العالمي للمرأة، فكانت محدودة جداً، وبعيدة عن السياق الحقيقي لهذه المناسبة، الأحزاب اليسارية كانت تحتفل بهذا اليوم بشكل سري وفي صمت، وكانت على شكل احتفالات مغلقة للطعام والشراب فقط.

تأسس الاتحاد العام النسائي في سوريا عام 1967، ويعرّف نفسه بأنه منظمة شعبية للنساء في سوريا، وهو ذو شخصية اعتبارية، لكنه ارتبط بشكل وثيق بحزب البعث، وعمل على فرض الذهنية الذكورية والإعلان لها.

وفي روج آفا، بدأ التاريخ الفعلي لنضال المرأة مع دخول القائد عبد الله أوجلان إلى سوريا وروج آفا عام 1979، وهنا بدأت مرحلة مهمة من نضال المرأة في المنطقة، ومثلها مثل باقي أجزاء كردستان، فإن نضال المرأة في روج آفا بدأ اعتباراً من عام 1980، واستند إلى مبدأ "لا حياة بدون المرأة" و"المرأة الحرة تعني مجتمعاً حراً" وبعد أن تأسس أول تنظيم للمرأة في أوروبا عام 1987، باسم اتحاد النساء الوطنيات في كردستان (YJWK) انضمت نساء روج آفا أيضاً وبفعالية إلى هذا الاتحاد، ونظمت العديد من الفعاليات في روج آفا، وحقق تطورات مهمة على صعيد "حب الوطن، وحب المرأة لنفسها وللتنظيم".

إذ قالت الناطقة باسم مؤتمر ستار، رمزية محمد، إن "عمل المرأة في سوريا كان محدوداً على الصعيدين السياسي والاجتماعي، ولم تكن صاحبة القرار، وصحيح أن الاتحاد النسائي كان تنظيماً خاصاً بالمرأة، إلا أنه كان يدار من قبل الرجل، لذلك كان الاعتراف بحقوق المرأة في سوريا، ومشاركتها في العمل السياسي وحق التعليم بأنها نصف المجتمع شفهياً فقط، أما عملياً فقد كان نادراً جداً".

وعن معرفة النساء بيومهن العالمي في شمال وشرق سوريا، أضافت رمزية محمد أن الاحتفالات بيوم الثامن من آذار كانت تنظم في نوادي مغلقة، وبشكل سري؛ نتيجة قمع وسياسات حكومة دمشق، ولكن في السنوات الأخيرة ازدادت مطالب النساء وبحثهن عن حريتهن، ومعرفة حقوقهن. وعلى هذا الأساس انتفضت النساء في روج آفا، وبدأن بالنضال لتحقيق ذلك، وعلى الرغم من الضغوطات، إلا أن الاحتفالات كانت تتم، وتعرضت العديد من الاحتفالات لبطش حكومة دمشق، واعتقلت العديد من النساء، من بينهن الناشطة "نازلية كجل" التي لا يزال مصيرها مجهولاً حتى الآن.

واعتبرت النساء في روج آفا، اليوم العالمي للمرأة منبعاً ومنطلقاً للنضال، وعليه فقد باشرن الاحتفال بهذه المناسبة. وقد نظمت النساء أول احتفال عام 1987 في أحد منازل مدينة قامشلو، وبشكل سري، واستمر الوضع على هذا المنوال حتى عام 2000، واقتصرت الاحتفالات في المنازل فقط.

وحتى عام 1995، واصلت النساء نضالهن بشكل حذر وسري، وخلال هذا النضال كانت النساء المناضلات يتجولن في القرى والأزقة وأحياء المدن والنواحي، ويزرن المنازل لنشر مبادئ ومفاهيم "أن المرأة الحرة تعني مجتمعاً حراً بين النساء".

وخلال ذلك، تعرضن للإساءة والإهانة، بالتزامن مع الاعتداء والاعتقال على يد قوات حكومة دمشق، كما مورس بحقهن شتى أنواع التعذيب الجسدي والنفسي في السجون؛ بهدف النيل من إرادة هؤلاء المناضلات، في حين لا يزال مصير عدد منهن مجهولاً أمثال "نازليه كجل" التي اعتقلت عام 2004 على خلفية انتفاضة 12 آذار في قامشلو، ومن المناضلات الطليعيات أيضاً؛ المناضلة ميساء باقي (شيلان كوباني) عضوة اللجنة المركزية في حزب الاتحاد الديمقراطي PYD، التي اغتيلت مع 4 من رفاقها في 29 تشرين الثاني عام 2004 في مدينة الموصل أثناء أدائها لمهامها الدبلوماسية.

وعلى الرغم من السياسات القمعية التي كانت تفرضها حكومة دمشق على المرأة وعلى الكرد بشكل عام، لم تتخلَّ النساء في روج آفا عن فكرة تنظيم أنفسهن، وقمن بعقد أول كونفرانس لهن في الـ 15 كانون الثاني 2005، والذي كان بمثابة أول تنظيم للنساء في روج آفا باسم "اتحاد ستار" وقرر الكونفرانس توسيع رقعة النضال والتنظيم النسائي إلى سائر أرجاء روج آفا والمدن السورية، بالإضافة إلى لبنان.

ونتيجة الإقبال الكثيف من قبل نساء المنطقة، تقرر تغيير اسم الاتحاد إلى مؤتمر ستار عام 2016، لتكون بذلك مظلة لجميع الحركات والمنظمات النسائية، البالغ عددها 20 منظمة وحركة وجمعية، ومن جميع المكونات.

ثورة روج آفا وتألق المرأة فيه

ومع انطلاقة ثورة روج آفا عام 2012، التي أدت المرأة فيها دورها الريادي، اختلقت أرضية خصبة لإحياء أيديولوجية المرأة الحرة ضمن المجتمع والسلطة الذكورية لكافة النساء في شمال وشرق سوريا والعالم، وما ميزّ ثورة روج آفا عن الثورات السابقة هو تنظيم المرأة في كافة المجالات، والاستمرارية في تطوير هذا التنظيم والمحافظة على طابعها النسائي خلال الثورة، وهذا ما جعل منها ثورة المرأة.

حيث أثبتت المرأة وجودها في كافة المجالات، ونظمت نفسها في الساحات السياسية والدبلوماسية والعسكرية والمدنية وغيرها، فهناك أكثر من 20 جهة نسائية خاصة تعمل في شمال وشرق سوريا منها "اتحاد ستار الذي تأسس عام 2005، ومجلس المرأة في شمال وشرق سوريا تشكل عام 2019، ومجلس المرأة السورية تأسس عام 2017، ومنظمة سارا لمناهضة العنف ضد المرأة تأسست عام 2013، ودار المرأة للتدريب والتوعية عام 2013، وهيئة المرأة في شمال وشرق سوريا عام 2014، ووحدات حماية المرأة تشكلت في آذار 2013، وأسايش المرأة، وعلم المرأة (جنولوجي) وافتتحت أول أكاديمية لها في مقاطعة عفرين في تموز 2017، واتحاد المرأة الشابة، واتحاد إعلام المرأة" بالإضافة إلى كومينات المرأة، وفي كل مؤسسة وهيئة وإدارة لجنة خاصة بشؤون المرأة.

ناهيك عن الدور الذي أدته المرأة في المجال السياسي والدبلوماسي، ومشاركتها في المنتديات والمحاضرات العالمية فيما يخص الأزمة السورية، ومناقشة قضايا الشرق الأوسط.

نظام الإدارة الذاتية اختلق توازناً في المجتمع

بعد عام 2016، تبنت الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا نظام الرئاسة المشتركة بشكل رسمي وأصبح نظاماً معمولاً به، بدءاً من الكومينات وصولاً إلى الرئاسة العامة لكافة المؤسسات المرتبطة بالإدارة الذاتية العسكرية منها والمدنية.

حيث يعتمد النظام الإداري في الإدارة الذاتية بشكل رئيس على نظام الرئاسة المشتركة، وهو نظام يفترض تمثيلاً متساوياً لكل من المرأة والرجل في أعلى منصب من كل مؤسسة.

الرئيسة المشتركة لمجلس مقاطعة قامشلو، بروين يوسف، من النساء اللواتي أدين دورهن منذ تأسيس الإدارة الذاتية، وفي تشكيل العقد الاجتماعي، قالت: "إن تأسيس الإدارة الذاتية سمح للمرأة بأداء دورها في الإدارة، وتكون صاحبة القرار، وإدارة المجتمع، ومثالاً تقتدي به جميع النساء حول العالم، وبشكل خاص في العقد الاجتماعي المشكل منذ عام 2014، وحظيت بهذه الفرصة".

مضيفة: "بعد نضال المرأة، تغير نظام الإدارة الذاتية من الرئيس، إلى نظام الرئاسة المشتركة، واستطاعت النساء الكرديات والعربيات والسريانيات تنظيم أنفسهن، حيث مثلن دورهن في نظام الرئاسة المشتركة للإدارة الذاتية".

إن نظام الرئاسة المشتركة كان خطوة مهمة لاختلاق التوازن بين المجتمع، وبشكل خاص في ثورة روج آفا التي عرفت بثورة المرأة، والتي استطاعت فيها أداء دورها، وقد واجهت المرأة العديد من المعوقات في بداية الثورة عام 2012، ولكن عندما انضمت المرأة إلى مؤسسات الإدارة الذاتية وبشكل خاص بعد الانتصارات التي حققتها وحدات حماية المرأة، فتح المجال أمام المرأة بشكل أوسع لتوسع نضالها في كافة ميادين الحياة، وتكسر الصورة النمطية التي فرضت عليها من قبل المجتمع.

وأشارت بروين يوسف إلى أن المرأة من خلال نظام الرئاسة المشتركة استطاعت حل قضايا المجتمع، وبشكل خاص القضايا التي تتعلق بالمرأة، ومع اقتراب اليوم العالمي للمرأة "نبارك هذا اليوم على كافة النساء اللواتي تركن بصماتهن في سبيل نيل حرية المرأة وكرامتها، وجميع الانتصارات التي حققتها"، معتبرة جميع الأيام هو يوماً عالمياً للمرأة،

ودعت كافة النساء إلى تصعيد النضال "لأننا أصبحنا قدوة لجميع النساء الباحثات عن الحرية".

(ك)

ANHA