"التسويات".. تهرّب من المسؤولية لإعادة البلاد الى ما قبل 2011

ترى شرائح مجتمعية في شمال وشرق سوريا فيما تسمى "التسويات والمصالحات" محاولة من حكومة دمشق للعودة بالبلاد إلى ما قبل عام 2011، وأكدوا أن الأزمة السورية لن تُحل إلا بصياغة دستور يكفل حقوق جميع المكونات في ظل نظام حكم لا مركزي .

"التسويات".. تهرّب من المسؤولية لإعادة البلاد الى ما قبل 2011
الجمعة 4 آذار, 2022   02:25
الحسكة

بين فترة وأخرى، تعود عمليات التسوية التي تجريها حكومة دمشق لأهالي مدن وبلدات وقرى على امتداد الجغرافية السورية إلى الواجهة، في مسعى إلى إعادة هيمنتها وسيطرتها على المناطق التي خرجت عن سيطرتها منذ عام 2011، واستغلالها على صعد مختلفة، سياسية وأمنية وديمغرافية وغيرها، آخرها تداول عودة التسويات للرقة ودير الزور.

ويتساءل أحد شيوخ قبيلة الشيخ عيسى العربية بسوريا في تصريح لوكالتنا، عن الجرم الذي ارتكبه الشعب للذهاب إلى التسويات، قائلاً "ما الجرم الذي ارتكبه أبناء هذا الشعب لدفعهم للتسويات".

ويضيف الشيخ ماجد العراك مؤكداً أن موضوع "التسويات" موضوع شائك جداً، ولا يتسم بالإيجابية، ويدفع بالناس والمجتمع إلى الاعتقاد بأنهم أناس ومجتمعات مخطئة وغير سوية.

وقال عنها "هي محاولة لنسف كل مطالب الشعب المحقة بالحصول على الحرية والديمقراطية والمساواة وإظهاره بمظهر العميل والخائن، وإظهار الحكومة بمظهر الوطن ذي الصدر الرحب الذي يعفو عن أبنائه"، جازماً أن كل من يذهب إلى هكذا تسويات يدين نفسه.

ويؤكد عضو الهيئة الإدارية في اتحاد المثقفين في إقليم الجزيرة والكاتب، محمد بشير، أن "التسويات" الفردية التي تجريها حكومة دمشق لبعض المواطنين تندرج تحت شقين اثنين، الأول هو "التمسك بذهنية الحزب الواحد والعودة بسوريا إلى ما قبل عام 2011، وإحاطتها بقبضة أمنية ومصادرة رأي الشعب عموماً وتطبيق سياسة القطيع عليه، ليأكل ويشرب فقط، دون أي تفاعل بالحياة السياسية والاقتصادية للبلاد".

والثاني هو "محاولة إضفاء الشرعية على الحكومة السورية والهروب من كل ما قامت به خلال أكثر من 10 سنوات من الحرب والتهجير والقتل وإظهارها بمظهر المتسامح، والشعب بمظهر المجرم".

ويرى الكاتب محمد بشير أن هدف حكومة دمشق من التسويات هو إظهار الشعب بمظهر العاصي، والتهرب من الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع الشعب والوصول إلى حل شامل يكون عبر عقد مؤتمر دولي حول سوريا، تشارك فيه جميع الأطراف السورية دون استثناء، بعيداً عن سياسة الإلغاء والتهميش، وبإشراف أممي.

وقال "ويأتي ذلك للتهرّب من التزاماتها في إيجاد حلّ ديمقراطي شامل عبر عقد مؤتمرات جماهيرية شعبية بإشراف أممي تفضي إلى صياغة دستور مدني يكفل حقوق جميع مكونات الشعب السوري، ويصل بسوريا إلى دولة مدنية ذات سيادة يحكمها القانون بعيداً عن سياسة الإقصاء والتهميش وإلغاء الآخر".

واتفق الشيخ العراك معه في الأهداف التي ترمي إليها حكومة دمشق، والذي قال "التسويات تمثّل تهرّباً من الحكومة السورية من التزاماتها السياسية والمجتمعية والأخلاقية في جمع الشعب السوري إلى طاولة واحدة".

مضيفاً "ومحاولة التهرب من كل ما يؤدي بسوريا إلى مجتمع مدني؛ لأن التسوية الشاملة وصياغة دستور مدني يفضي إلى تعايش الشعوب بديمقراطية، التي تعرف حقوقها وواجباتها، وهذا ما ترفضه وتخشاه الحكومة في دمشق".

وأثارت عودة بعض الأفرع الأمنية التابعة لحكومة دمشق إلى البدء "بـالتسويات" لأهالي دير الزور والرقة الواقعة في مناطق الإدارة الذاتية مطلع عام 2022، حفيظة أهالي المنطقة، لا سيما عشائرها، واتضح ذلك من خلال بيانات أُصدرت، ومظاهرات عمّت "الرقة ودير الزور".

وفي السياق، يرى الشيخ ماجد العراك أنه يجب أن تكون هناك تسوية شاملة وقرار عام لإيجاد سياسة بديلة للسياسة المتبعة حالياً من قبل حكومة دمشق، قائلاً "لهذه السياسة القائمة على مبدأ التسلط والعودة إلى العهد القديم، عهد ما قبل 2011، عهد الأفرع الأمنية التي تعدّ على المواطن أنفاسه وتحصي عليه حركاته وسكناته".

وأكد العراك على ضرورة إيجاد الدول الراعية حلّ شامل للأزمة السورية، بعيداً عما تسعى إليه حكومة دمشق عبر "التسويات الفردية"، التي لن تفيد في حل الأزمة، وقال: "يجب جمع شمل كل الفرقاء السياسيين وكل أطياف المجتمع المدني إلى طاولة الحوار".

مضيفاً "وإعادة صياغة دستور مدني يكفل حقوق الجميع بعيداً عن سياسة الإقصاء والغاء الآخر، ويأخذ بسوريا إلى دولة مدنية ذات دستور بعيد عن العسكرة والمصالح الفردية الضيقة، لتعيش المكونات بسلام وطمأنينة".

ومن جانبه، نوّه الكاتب محمد بشير إلى أنه بدون تقديم جميع الأطراف التنازلات، وفي مقدمتها حكومة دمشق، لن يتم التوصل إلى حلّ يرضي الشعب السوري، وينهي أزمة البلاد، وقال: "نحن مكونات سورية شعبية وسياسية يجب أن نتنازل لبعضنا البعض ونترك مبدأ التمسك بالرأي والتعنت إذا أردنا الوصول إلى حلّ شامل يرضي الجميع".

وأكد بشير على الحوار السوري عبر مؤتمرات وطنية على الجغرافية السورية، للوصول إلى السلام والعيش بحرية وكرامة، بعيداً عن التدخل الخارجي وأجنداته التي تزيد من تعميق الأزمة السورية، قائلاً: "علينا الابتعاد عن المؤتمرات الخارجية كجنيف وأستانا التي لم تفضِ إلا إلى مزيد من الاحتلالات والانتهاكات".

ولفت بشير إلى أن الوصول عبر مؤتمرات وطنية إلى دستور مدني يكفل حقوق جميع المكونات، ويفضي إلى دولة مدنية يحكمها القانون، سيسهم في حلّ الأزمة دون الاعتماد على أطراف ذات أجندات وأطماع في البلاد.

ونوّه الكاتب محمد بشير إلى أن "التسويات" ستؤدي إلى انفجار أزمات لاحقة لن يستطيع أحد أن يتكهن بنتائجها، وستعيد البلاد إلى ما قبل عام 2011، واصفاً إياها بـ "الخطرة".

(أم)

ANHA