"ملف المرتزقة الأجانب".. أداة جديدة تستخدمها "تحرير الشام" لتبييض صورتها

يسعى مرتزقة تحرير الشام إلى تغيير نظرة الرأي العام حيالها، من خلال اللعب بملف المرتزقة الأجانب القاطنين في مناطق نفوذها، في خطوة يعزوها الباحث المختص في شؤون الحركات المتطرفة والإرهاب الدولي، منير أديب، إلى نية المرتزقة تحسين صورتها وإظهار نفسها كمعارضة معتدلة ووجود خريطة جديدة ترسمها الدول الداعمة لها من بينها تركيا، مؤكداً أنه لا اختلاف بين "تحرير الشام" و"القاعدة".

"ملف المرتزقة الأجانب".. أداة جديدة تستخدمها "تحرير الشام" لتبييض صورتها
السبت 26 شباط, 2022   23:41
مركز الأخبار - ليلاف ديواني

ركز مرتزقة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً والمصنفة على لائحة الإرهاب الدولي) منذ بداية عام 2022 على ملف المرتزقة الأجانب المنتشرين في مناطق سيطرتها في إدلب ومحيطها شمال غرب سوريا، إذ يبدو أنهم عازمون على حصر أعدادهم وترحيلهم إلى مناطق أخرى من المناطق التي تحتلها تركيا في سوريا، في خطوة أثارت التساؤل حول هدف ودوافع هذا المخطط الجديد.  

ففي 19 شباط الجاري، أبلغ مرتزقة تحرير الشام المرتزقة الأجانب القاطنين في مدينة إدلب بإخلاء منازلهم والخروج منها، إذ وجهوا إنذاراً لأكثر من 30 أسرة للمرتزقة من مختلف الجنسيات الأجنبية بضرورة إخلاء منازلهم المستأجرة أو تلك التي حصلوا عليها كـ "غنائم حرب" في مدة أقصاها 10 أيام، دون توضيح الأسباب.

وأتى هذا القرار بعد يومين من إدراج استراليا لمرتزقة "تحرير الشام" و "حراس الدين" الناشطين في إدلب حيث سيطرة الاحتلال التركي، ضمن لائحة التنظيمات الإرهابية المحظورة.

ويرى مراقبون أن هذه الخطوة أتت بدافع تحسين صورة مرتزقة تحرير الشام، أمام الرأي العام العالمي بعد تصنيفها من قبل العديد من الدول على لائحة الإرهاب، ولإظهار نفسها بأنها معارضة معتدلة، فيما يعتبرها آخرون بمثابة ضغط على المرتزقة الأجانب المنضوين في تشكيلات خارج سرب مرتزقة "تحرير الشام"، للانضمام إلى صفوفها أو مغادرة المنطقة التي تسيطر عليها أو لإرغامهم على تنفيذ مخططات جديدة تخدم داعميها وأبرزهم تركيا.

وفي إطار تضييق الخناق على المجموعات المتشددة المنافسة لهم في إدلب، اعتقل مرتزقة تحرير الشام مؤخراً عدة مرتزقة ومتزعمين من جنسيات أجنبية مختلفة.

إذ أطلقوا في منتصف تشرين الأول/ أكتوبر عام 2021، حملة عسكرية وأمنية واسعة ضد مرتزقة "جنود الشام" بقيادة مسلم الشيشاني، و"جند الله" بقيادة أبو فاطمة في مناطق غرب إدلب، وأعقبها حينها اشتباكات عنيفة بين الطرفين، انتهت بسيطرة مرتزقة تحرير الشام، على مناطق جسر الشغور ومحيطها وقرى زيتونة واليمضية وجبل التركمان شرق اللاذقية.

ويأتي الخلاف بين الجانبين في وقت تريد روسيا تحييد المرتزقة التي تصنفها بأنها "إرهابية" في المنطقة، وتطبيق تركيا لاتفاق موسكو الذي أُقر في الخامس من آذار/ مارس 2020، وينص على وقف إطلاق النار، وتشكيل حزام آمن على جانبي الطريق الدولي حلب – اللاذقية (M4).

من هم المرتزقة الأجانب الموجودون في سوريا؟

تدفقت موجات من المرتزقة الأجانب حول العالم من أفغانستان إلى الفلبين مروراً بالصحراء الكبرى في القارة الأفريقية إلى الأراضي السورية لينضموا إلى صفوف المرتزقة التابعين للاحتلال التركي الموجودين في إدلب ومحيطها شمال غرب سوريا، وذلك مع تحول الأزمة السورية إلى صراع مسلح بفعل التدخلات الإقليمية والدولية، وخصوصاً من قبل تركيا وقطر أكبر داعمتين للمجموعات المرتزقة.

ويصنف المرتزقة الأجانب إلى صنفين، الأول: المرتزقة الذين فككهم مرتزقة تحرير الشام خلال العامين الماضيين، بينهم "حراس الدين" التابع للقاعدة، وينقسم هؤلاء إلى قسمين القسم الأول يضم المتشددين، ويشكل هؤلاء نسبة قليلة من المجموع الكلي لأعداد المرتزقة، ويسعى مرتزقة تحرير الشام إلى التخلص منهم ودفعهم لمغادرة إدلب، على الرغم من اعتقالهم أعداد كبيرة منهم. أما القسم الثاني فهم المرتزقة الأجانب المستقلون، وهؤلاء يعمل معظمهم فيما يسمى بـ "حقل الدعوة"، وبينهم منشقون سابقون عن مرتزقة تحرير الشام، وتكرر اعتقال بعضهم وأطلق سراحهم في فترات متقاربة خلال العامين الماضيين، ويشكلون العدد الأكبر من شاغلي منازل المستولى عليها والذين طلب منهم إخلاؤها مؤخراً.

ويرجح محللون أن هذا الصنف في الغالب سيتم طردهم إلى الأرياف للضغط عليهم وإجبارهم على العمل لصالح مرتزقة تحرير الشام، وأنه من المفترض أن يكون هؤلاء هدفاً بارزاً لخطوات تحرير الشام الأولى في سياستها الجديدة بالتعامل مع ملف المرتزقة الأجانب.

الصنف الثاني: هم المرتزقة الذين يعملون لصالح مرتزقة تحرير الشام ويُعتبرون جزءاً من بنيتها التنظيمية والعسكرية والأمنية، ويشمل هذا التصنيف مرتزقة "جبهة أنصار الدين" و"الحزب الإسلامي التركستاني" وجماعة "صلاح الدين الكردي" و"الأوزبك" وغيرهم من المرتزقة، الذين رجحت التحليلات بأنه سيتم التعامل معهم بجهود خاصة في المراحل اللاحقة، وستصب غالباً في إطار دمجهم في المجتمع المحلي.

رسم خريطة..

وبهذا الصدد، يعزو الباحث في شؤون الحركات المتطرفة والإرهاب الدولي منير أديب، دوافع وأسباب إلزام مرتزقة تحرير الشام المرتزقة الأجانب القاطنين في إدلب بإخلاء منازلهم والخروج منها، إلى الخريطة التي ترسمها الدول الداعمة لهؤلاء المرتزقة لتنفيذ مخططاتهم، قائلاً: "إن هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) لها تمركزات في شمال غرب سوريا ويتم التنسيق بينها وبين الجانبين التركي والأميركي، وهي هيئة مدعومة من بعض الدول أبرزها تركيا وأعتقد أن الولايات المتحدة الأميركية أيضاً راضية عن وجودها وتدعمها، وهذا الدعم ربما يدفع هذه الدول لرسم خريطة".

وتابع: "الخريطة الخاصة بعمل هذه الهيئة بمجموعاتها وأماكن تمركزها، وبالتالي إذا ما تم الاحتياج إلى عمل عسكري في منطقة ما طلب من هيئة تحرير الشام بأن تتحرك إليها أو أن ترسل جنوداً ومقاتلين تابعين لها، ولذلك أعتقد أن فكرة إخلاء المنازل مرتبط بشكل وطبيعة وجود هذه الحركة والعمليات العسكرية التي تخطط الدول التي تدعمها ومنها تركيا".

ويرى منير أديب أن الوجهة التي سيتم نقل المرتزقة الأجانب إليها ربما تكون شمال وشرق سوريا أو مناطق في الداخل السوري، ومضى في حديثه قائلاً: "ولكن يبقى في النهاية أن ترحيل هؤلاء مرتبط بشكل وطبيعة العمليات العسكرية التابعة لهذه الحركة التي تقوم بتشغيلها أو دعمها دول في محيطها ومنها تركيا، وبالتالي تركيا عندما تتحرك لمواجهة أعدائها تقوم باستخدام هذه الأذرع أو هذه الميليشيات التي تقوم بدفع رواتب مقاتليها وتدعمهم بصورة أخرى".

الخروج من عباءة الإرهاب

إلى جانب ذلك، ظهر أبو محمد الجولاني القائد العام لمرتزقة تحرير الشام أكثر من مرة بشكل علني وباللباس المدني أمام الملأ، في خطوة فسرها مراقبون بأنها تندرج في إطار مساعيه لتكريس نفسه كشخصية معتدلة، ترعى أنشطة مدنية لخدمة السكان، بعيداً عن تصنيفات الإرهاب الموسوم بها جماعته من قبل مجلس الأمن والولايات المتحدة وبعض الدول الأخرى.

ويبيّن أديب أن هدف الجولاني من الخروج بالمظهر المدني ما هو إلا لتحسين صورة مرتزقة تحرير الشام أمام الرأي العام والمواطنين في المناطق الخاضعة لنفوذه، وأنها محاولة لإعادة إنتاج مرتزقته، وقال: "هذه الهيئة سبق وحاولت أن تخرج من عباءة القاعدة من خلال تغيير اسمها من جبهة النصرة إلى هيئة تحرير الشام ولكن تبقى هيئة متطرفة وتنظيم وضع على قائمة الإرهاب بسبب علاقته بالقاعدة وداعش، وحتى ولو لم يكن له علاقة بكلا التنظيمين فهو لا يختلف كثيراً عن تنظيم قاعدة الجهاد وليس بهيئة معتدلة".

وسبق وأن حاول مرتزقة تحرير الشام أن يُبدوا للعلن بأنهم فكوا ارتباطهم بالقاعدة والتنظيمات الإرهابية الأخرى بعد أن أدرجها مجلس الأمن والولايات المتحدة الأميركية على قائمة الإرهاب، إذ عمدوا إلى تغيير اسمهم من جبهة النصرة إلى "جبهة فتح الشام" عام 2016، وصولاً إلى التثبيت على ما يسمى بـ "هيئة تحرير الشام" عام 2017، بعد انضمام مجموعات مرتزقة سورية أخرى إليها.

وكانت الولايات المتحدة الأمريكية قد أدرجت عام 2012 جبهة النصرة المسماة حالياً بـ "تحرير الشام" على قائمة المنظمات الإرهابية، ووافق مجلس الأمن بعد ستة أشهر على هذا التصنيف، في حين وافقت تركيا أكبر داعمي جبهة النصرة على تبويبها كمنظمة إرهابية في 2018، رغم استمرارها بدعمهم ودليل ذلك وجود هؤلاء المرتزقة في المناطق التي تحتلها في إدلب.

ورقة ضغط دولي

وحول ما إذا كان هذا التحرك من قبل مرتزقة تحرير الشام نابعاً عن مخطط دولي أو اتفاق تركي- روسي لإفراغ المنطقة وتسليمها إلى حكومة دمشق، يقول أديب، "لا توجد معلومات حول فكرة إخلاء هذه المنطقة أو ما إذا كان هناك توافق روسي- تركي بخصوص تسليم هذه المنطقة إلى دمشق أو النظام السوري، ولكن يبقى في النهاية أن هناك استخدام دولي سواء من قبل روسيا أو حتى تركيا للتنظيمات المتطرفة ولهيئة تحرير الشام".

وأضاف: "إن كان هناك توافق روسي- تركي بخصوص تسليم هذه المنطقة إلى دمشق أو النظام السوري، فهذا يعني أن تركيا كانت وما زالت على علاقة مع هيئة تحرير الشام، ويعني أيضاً أن هناك علاقة ما بين هؤلاء المرتزقة وحكومة دمشق وهذا محط القلق والقلق الشديد حول إعادة استخدام هؤلاء المتطرفين في منطقة أخرى، أو إقامة علاقات جديدة معهم، وإعطائهم أدوار ربما يمارسونها لإتمام أعمالهم التخريبية".

وأكد الباحث في شؤون الحركات المتطرفة والإرهاب الدولي منير أديب، في ختام حديثه، أن مرتزقة تحرير الشام لا يختلفون كثيراً عن التنظيمات المتطرفة العابرة للحدود والقارات، وهم بمثابة أقوى الاستراتيجيات في أيدي داعميهم (تركيا والولايات المتحدة الأميركية)، لاستخدامهم في مواجهة أعدائهم، وقال: "الولايات المتحدة تسعى إلى استخدامهم في مواجهة النظام السوري الحليف الاستراتيجي لروسيا ومواجهة روسيا أيضاً التي أنشأت قاعدة عسكرية لها في سورية ومنطقة الشرق الأوسط، وفي نفس الوقت تستخدم تركيا هذه التنظيمات لأهداف لها، فهذه الدول ليس لديها مانع من أن تضع يدها في يد الشيطان إذا كان الهدف أو الثمن هو تحقيق مصالحها السياسية".

(ح)

ANHA