من "تهميش الأزمة" إلى "تكميم أفواه" المنتقدين.. حكومة دمشق تخنق السوريين

في الوقت الذي كان السوريون يعبّرون فيه – ولو بشكل مخفف جداً - عن معاناتهم المعيشية والأزمات المتلاحقة التي يعانونها عبر منشورات على مواقع التواصل الافتراضي، خرجت حكومة دمشق بقرار جديد فضفاض ومتناقض يعمل على كمّ أفواه المنتقدين ويُسكِت كل صوت يتحدث عن الفساد الحكومي والمشاكل التي يعانونها.

من "تهميش الأزمة" إلى "تكميم أفواه" المنتقدين.. حكومة دمشق تخنق السوريين
الثلاثاء 22 شباط, 2022   03:11
مركز الأخبار - ليلاف ديواني - جودي إسماعيل

طغى على حديث الشارع السوري خلال الفترة الأخيرة مشروع تعديل قانون "مكافحة الجريمة الإلكترونية" المقترح من قبل وزارة الاتصالات بحكومة دمشق في كانون الأول عام 2021، حول تعديل مادتي "النيل من هيبة الدولة" و"النيل من هيبة الموظف"، لمناقشته أمام مجلس الشعب، بغية المزيد من التشدد في محاسبة الناشطين عبر وسائل التواصل الافتراضي التي باتت المتنفس الوحيد لهم للتعبير عن اعتراضهم لأداء الحكومة والفساد المستشري بدوائرها.

ويتألف مشروع القانون من 47 مادة، تهدف إلى تقييد النشر عبر الإنترنت، حيث تصل عقوبات بعض الجرائم إلى سبع سنوات حبس، وغرامات تصل إلى عشرة ملايين ليرة سورية.

"فضفاض ومتناقض"

وبعد جدل استمر نحو شهرين على هذا المشروع المقترح، أعلنت لجنة الشؤون التشريعية والدستورية في مجلس الشعب التابع لحكومة دمشق، إقرارها "تعديل" مادتي "النيل من هيبة الدولة والنيل من هيبة الموظف"، عبر إعادة صياغتهما "لجعلهما أكثر دقة" حسب وصف دمشق، وسط سخط شعبي واسع.

وأثار هذا القرار مخاوف وهواجس الكثيرين، بمن فيهم الصحفيون الذي رأوا فيه قانوناً لكمّ الأفواه وتقييد الحريات العامة، بينما يخشى آخرون من أن تكون تلك التعديلات حماية وتحصيناً للمسؤولين الفاسدين تحت عناوين فضفاضة وغير واضحة، مطالبين بوقف تلك التعديلات المتناقضة.  

"الفقير أحرص من المسؤول الفاسد"

وانتقد ناشطون قرار تعديل المادتين بالقول "المواطن الفقير الجائع أحرص على هيبة الدولة من الوزير أو المسؤول الفاسد"، وآخرون قالوا بدلاً من أن تجد الحكومة حلاً لتخفيف حدة الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعصف بالبلاد، تتجه إلى تعميقها أكثر من خلال اتباع سياسة كمّ الأفواه وتقييد حرية التعبير عن الرأي.

وطالب آخرون بوقف التعديلات قائلين: "لا تحاربوا من يضع الخطط ويفضح الفساد، ولا تحبسوا الناس إن لم يبتسموا لعجزكم".

ويأتي هذا القرار بعد موجة انتقادات تعرضت لها حكومة دمشق إثر قراراتها المجحفة بحق السوريين عبر رفع أسعار المحروقات لمرات عدة والكهرباء والخبز والدواء ومعظم المواد الأساسية، وآخرها كان استبعاد نحو نصف مليون أسرة من "الدعم الحكومي"، وسط أسوأ أزمة معيشية يعاني منها أبناء المناطق الخاضعة لسيطرة دمشق، وتواصل الاحتجاجات في مدينة السويداء ومناطق أخرى متفرقة وسط تعتيم أعلامي.

"سيف مسلّط على رقاب كل منتقد"

وفي هذا السياق، يرى الكاتب والصحفي السوري ضياء إسكندر، أن هذا التعديل "سيعطّل حرية الرأي والتعبير ويشكّل خطراً على المواطنين في كل جملة يكتبونها أو طرفة ساخرة يتداولونها. وأنه يعد سيفاً مسلّطاً على رقاب كل من تسوّل له نفسه توجيه نقد لمسؤول. كاتهامه بالتقصير أو الإهمال في عمله أو عدم كفاءته لشغل الوظيفة، فهذا النقد برأي المشرّع هو نَيلٌ من شرف الموظف ومن كرامته، والغريب في الأمر أن القانون ساوى في العقوبة بين انتقاد موظف وذمّ رئيس الدولة".

وتابع: "والأدهى والأمرّ أن النيابة العامة تقوم بتحريك دعوى الحق العام ضد (الجاني) حتى لو لم يتقدّم المتضرر بشكوى أو ادّعاء شخصياً!، ومن المدهش أيضاً أن مشروع القانون وعوضاً عن أن يكون باقتراح من وزارة الإعلام ويخضع إلى قانون الإعلام، فإن مشروع القانون الحالي كان بقرار من وزارة الاتصالات!".

ورأى ضياء إسكندر أن مشروع القانون المُقتَرح يتضمن مجموعة من العبارات الملتبسة وغير الواضحة مثل "النيل من هيبة الدولة" و "إثارة الرأي العام" و"النيل من هيبة الموظف"، دون أن يكلف المشرّع نفسه عناء تفسير هذه العبارات وما قد تحمل في طيّاتها الكثير من التهديد والوعيد لأصحاب القلم الحر.

كمّ الأفواه بعد الحرمان

وبيّن إسكندر أن هذا التعديل يهدف عملياً إلى إغلاق آخر نَفَسٍ للمواطن السوري بعد حرمانه من أدنى متطلبات الحياة الكريمة ووصوله إلى آخر المقاييس العالمية في مختلف مناحي الحياة، في ظل فساد حكومي مستشرٍ وقبضة أمنية خانقة.

وكانت مقررة لجنة الشؤون التشريعية والدستورية في مجلس الشعب التابع لحكومة دمشق، غادة إبراهيم، قد صرحت في معرض تفسيرها للتعديل الأخير على المادتين المذكورتين، أن اللجنة أعادت صياغة المادتين المتعلقتين بـ "النيل من هيبة الدولة والنيل من هيبة الموظف" بالقول: "إن الإساءة إلى الدولة أشدّ من الإساءة إلى الأشخاص، ويجب الفصل بين الجريمتين وعقوبتهما؛ إذ إن العقوبة في حال كانت الإساءة لموظف الدولة بصفته الوظيفية أشد من الإساءة له بصفته الشخصية".

واستشهد الكاتب والصحفي السوري ضياء إسكندر على تفسير غادة إبراهيم للتعديل الأخير على المادتين المذكورتين، بالمثل: وفسّر الماءَ بعد الجهد بالماء!

وعلّق مراقبون أيضاً على تصريح غادة إبراهيم، متسائلين: أين حفظ كرامة الموظف في القانون؟ ما هذا التناقض؟ كيف يمكن أن تكون عقوبة جرم شتم الموظف وذمّه أهون من انتقاد عمله!؟

تقييد حرية الصحافة

كما ادّعت غادة إبراهيم في تصريحها أن مشروع القانون، يهدف إلى "ضبط استخدام مواقع التواصل الاجتماعي"، ولا يهدد حرية الصحافة والإعلام ولا يتعارض مع أي قانون آخر!

وعلى نقيض ادعائها، شهدت منطقة الساحل قبل حوالي أسبوعين، ملاحقة أمنية للصحفي كنان وقاف، لانتقاده بشار الأسد وقرار رفع الدعم وإشارته إلى خروج مظاهرات احتجاجية. وقد قام الصحفي وقاف ببث فيديو يوصي بالعناية بأطفاله في حال تم القبض عليه، ليختفي بعدها، في ظل أنباء غير مؤكدة عن اعتقاله بعد وقف التداول بقصته في مواقع التواصل الافتراضي.

في حين يرى مهتمون أن الاعلاميين والعاملين في الصحافة لديهم هاجس كبير من الشك والريبة في مشروع هذا القانون، وأنه يتعارض بمجمله وعمومه وعناوينه مع حرية الصحافة، مطالبين بـ "تشريع لا يكمّ الأفواه ولا يمسّ الإعلام والصحافة، بحيث تمارس مهمتها الوطنية كسلطة رابعة في المجتمع".

وتعقيباً على ذلك يقول الكاتب والصحفي ضياء إسكندر، "بقي أن نقول لقد اعتدنا في هذا البلد أن يُلاحَق من يقوم بنشر الغسيل الوسِخ، ويُغَضُّ الطرف عمّن قام بتوسيخه".

وأضاف: "فقد اعتُقِل الكثير من الناشطين داخل سوريا مؤخراً بتهم النيل من هيبة الدولة ونشر "أنباء كاذبة توهن عزيمة الأمة" و
"إضعاف الشعور القومي" وغيرها من تهمٍ ما أنزل الله بها من سلطان، الغاية منها الإمعان في سياسة كمّ الأفواه وتخويف وتدجين أصحاب الضمير والباحثين عن الحقيقة".

حماية للفاسدين

ونوّه ضياء إسكندر إلى أن "القانون برمته يسعى إلى حماية الفاسدين الذي يسرحون ويمرحون ويكدّسون ثرواتهم بشكلٍ علني، مستغلّين الأزمة التي تعصف بالبلاد منذ أكثر من عشر سنوات، ويأملون في استمرارها خدمةً لمصالحهم وجشعهم، حيث لا حسيب ولا رقيب، وجاء قانون الجريمة المعلوماتية ليزيد الطين بِلّة".

واختتم الكاتب والصحفي السوري ضياء إسكندر حديثه مؤكداً "إن ألف باء مكافحة الفساد في أي بلدّ في العالم هو الإعلام الحرّ والشفاف، والديمقراطية السياسية والعدالة الاجتماعية والقضاء النزيه العادل والمستقل، وهذا ما نفتقر إليه تاريخياً في هذا البلد المنكوب والمعذّب منذ عشرات السنين".

(ح)

ANHA