​​​​​​​عودة ترسيم الحدود البحرية اللبنانية.. والعود 23

أجرى الوسيط الأميركي محادثات مع رئيس الجمهورية اللبنانية، ميشال عون، لترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، في ظل تفاؤل من الجانبين لاستكمال المفاوضات السابقة غير المباشرة. فما المقترحات الأميركية الجديدة، وهل هذا استكمال لسياسة المساومة، لا سيما مع تصريحات السفارة الأميركية، بأن التوصل إلى اتفاق سيحقق الازدهار الذي تشتد حاجة لبنان إليه.

​​​​​​​عودة ترسيم الحدود البحرية اللبنانية.. والعود 23
السبت 19 شباط, 2022   04:23
بيروت- زياد أبو غزالة

عقب أشهر من تجميد المفاوضات غير المباشرة بين لبنان وإسرائيل حول ترسيم الحدود البحرية، يحرك الوسيط الأميركي المياه الراكدة بحجر المقترحات الجديدة. بيروت كانت الوجهة، حيث التقى الموفد الأميركي إلى لبنان، آموش هوكشتاين، الرئيس اللبناني ميشال عون، ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي، ورئيس مجلس النواب نبيه بري. وقد تسلم عون المقترحات مبدياً استعداد بلاده لبحث النقاط المطروحة. في وقت أعلن فيه هوكشتاين أن على لبنان أن يقرر إن كان يريد اتفاقاً مع إسرائيل، حتى يتمكن من "الدخول في أعمال الاستكشاف النفطية، والحصول على الاستثمار الأجنبي في البلاد وعلى النشاط الاقتصادي، والحصول على الموارد الخاصة".

القرار ليس بالسهل، فهو يعني حسم الموقف من الـ 860 كم، وهي المنطقة المتنازع عليها، وفقاً للخرائط المودعة لدى الأمم المتحدة. فيما يصر على أن المساحة المتنازع عليها هي 2290 كم، وهنا ركيزة النزاع ليس فقط بين الجانبين، بل في لبنان نفسه أيضاً، فداخليّاً، لا يبدو الصوت موحّداً، فما بين الخطين 23 و29 قشة رفيعة تعكس فرضية التنازلات أو رفضها المطلق. خياران يظهران في مواقف الرئيس اللبناني ميشال عون ورئيس وفد المفاوضات غير المباشرة العميد الركن بسام ياسين. الأخير أشار إلى ما سماه "خسارة مسبقة" جراء اعتماد لبنان الخط 23 في ملف الترسيم، مؤكداً أن الأمر يلبي مطالب إسرائيل ويحقق لها ما تريد. من جانبها، استنكر عون خروج تلك التصريحات على الإعلام، وما توحيه من تقديم تنازلات بالمجان، معتبرة أن ذلك يصب في عرقلة عملية الترسيم من السير قدماً.

وقد اتضح هذا الخلاف بين الرئاسة والمفاوض بعدما أعلن ياسين في لقاء تلفزيوني أنه تنازل عن الخط 29 خلال اجتماع جلسة مع الوسيط الأميركي في ملف آموس هوكشتاين بحضور السفيرة الأميركية دورثي شيا.

وفي التفاصيل، أبلغ ياسين الوسيط الأميركي أن ما بين 23 و29 هو الخط الذي يمكن أن يقبل به، طبعاً بعد حفظ حقل قانا. وقال ياسين خلال اللقاء: "في المفاوضات هناك تنازلات ولا أحد يأخذ كل شيء، وهذا أمر طبيعي". وأضاف: "لا يمكن التنازل دون أي مقابل، وإعلان لبنان أن خطه التفاوضي هو الخط 23 يمثل خسارة ونحن دفعنا كل شي وببلاش ونحن حققنا لإسرائيل ما تريده".

وتابع ياسين: "كان لدينا خط أحمر قبل المفاوضات، وهو ألا نتنازل وتتم محاصرتنا بالـ 860 كم، وقد حصلنا من الرئيس عون على موافقة على ذلك، وكان الهدف الإسرائيلي والأميركي في المفاوضات هو حشرنا بـ 860 كم، ولم ينجحوا ونحن لم نتنازل". وأكد المفاوض أن "نقطة البدء بالترسيم هي رأس الناقورة، وهذا مصدر خلاف كبير بقي لآخر يوم في المفاوضات". وشدد ياسين على أن: "الخط 23 ليس له أي أسس قانونية، وقد رسم غوغائياً، وليس هناك أي قاعدة ترسيم يتبعها، وهو انطلق من البحر ولم ينطلق من رأس الناقورة.

بدوره قال الناشط اللبناني، أسامة وهبي، إن هناك انقساماً كبيراً في لبنان حول الخط الذي يجب أن يعتمد في ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، وهناك الكثير من الحسابات الضيقة عند كل طرف من الأطراف السياسية المعنية بهذا التفاوض.

وأضاف وهبي لوكالتنا، أن الوفد اللبناني المفاوض يترأسه العميد بسام ياسين، وهو يعرف جيداً حقوق لبنان المائية ولديه كل الدلائل والمستندات التي تقول إن الخط 29 هو الخط التفاوضي، إلا أن رئيس الجمهورية والسلطة السياسية في رئاسة الحكومة والنواب تنازلت عن الخط 29، وقال رئيس الجمهورية إن الخط 23 هو خط التفاوض.

النفط والغاز اللبناني بين الحق والمقايضة

يرجح المحللون أن يكون اعتماد لبنان خط 23 في ترسيم الحدود البحرية استرضاء للإدارة الأميركية، وبخاصة في الملفات العالقة والمأزومة، وعلى رأسها تهديد واشنطن بفرض عقوبات على مسؤولين لبنانيين. هذه النقطة بالذات تفتح باب الريبة على رئيس الجمهورية، وتشكك في سياسته الأقرب للمساومة والمقايضة، في معادلة تكرس التهاون في الثروة البحرية مقابل رفع اليد عن الصهر الأشهر جبران باسيل، الذي لم يفقد بريقه الشعبي في أي وقت مضى من مشواره السياسي، كما يحدث الآن.

وفي المقابل، يرى جمهور عريض أن لبنان لن يفرط في حقوقه، مراهناً على قدرة "حزب الله" على التدخل في الوقت المناسب لإرضاخ الجانب الإسرائيلي للشروط اللبنانية من جهة، أو تعليق المفاوضات وإجبار المؤسسات التي كلفتها إسرائيل باستخراج الغاز من الحدود البحرية، بتعليق عملها أيضاً.

أياً يكن، ما هو مهم أن المستوى الرّسمي في لبنان فرط وبصراحة لا يعتريها لبس عن الخط 29. وهذا يعني حرمان اللبنانيين والأجيال المقبلة من حقوقهم في ثروات بلادهم من النفط والغاز والمياه. وقد دفع هذا التصرف البعض إلى وصف ما أقدمت عليه السلطات الثلاثة في لبنان بالخيانة التي لا مبرر لها. وليس أحسن من هذا الوصف، اتهم رئيس الحكومة السابق الرئاسة اللبنانية بأنها "تجتهد في التبرير التفريط بحدود الكيان وتتنازل عن الثروات الوطنية".

وأمام التنازل وعدمه، تواصل الإدارة الأميركية لعب دور الوسيط، والذهاب إلى أقصى ما يمكن الذهاب إليه من التوفيق بين الطرفين اللبناني والإسرائيلي على مبدأ أن لا يموت الديب ولا يفنى الغنم. وعلى طريق الوساطة، تملأ واشنطن جيبها بمكاسب سياسية واقتصادية من نجاح اتفاق ترسيم الحدود. فبعد استخراج النفط من البحر، ستحقق إسرائيل نوعاً من الاستقلال الاقتصادي بما يجعل دافعي الضرائب في الولايات المتحدة يتنفسون الصعداء. وفي السياسة المكاسب أيضاً وافرة، فهي تريد الانتهاء عن كل المشاغل عن العلاقات المأزومة مع الصين وروسيا، هذا بالإضافة طبعاً إلى توجيه رسائل قوية إلى حزب الله، الذي رأى وقرأ كيف وصف الإعلام العبري موقف عون الأخير من المفاوضات بـ "التراجع عن التشدد".

عند الحدود البحرية، قد يركب لبنان موجة التطبيع

تثير قضية ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل تساؤلات متكررة حول مستقبل العلاقة بين الجانبين، واحتمال ذهابها نحو التطبيع، تقليداً لنهج حديث سارت عليه مجموعة من الدول العربية خلال السنوات الأخيرة.

وعلى الرغم من موجة التطبيع الآخذة بالتنامي في العالم العربي، يبقى لبنان منفرداً بحالة خاصة اكتسبها عبر سنوات الصراع مع إسرائيل التي كان أبرز محطاتها تحرير الجنوب عام 2000. ولكن تبقى الساحة مفتوحة على جميع السيناريوهات في ظل هيمنة المصالح وتبدلها بفعل المتغيرات السياسية الإقليمية والدولية.

على الأرض، الموقف واضح: لا للتطبيع. وحزب الله ما يزال يتمسك بها إعلامياً، ففي أحدث تصريحات له، قال الحزب: "نرفض أي شكل من ‏أشكال التطبيع مع العدو ولا يجوز أن يقبل اللبنانيون تحت وطأة الضغوط الأميركية بأي ‏مقترحات لا تراعي الحقوق اللبنانية الكاملة بمسألة الترسيم وحقول النفط".

وحذر "حزب الله" من محاولات الإدارة الأميركية عبر مبعوثها الوسيط من "ابتزاز لبنان في مفاوضات ترسيم الحدود البحرية". مؤكداً أن واشنطن "تسعى من خلال بعض المقترحات ‏إدخال لبنان في منظومة التطبيع مع العدو بالتدريج والمواربة".

(ح)

ANHA