التصعيد بين هولير وبغداد.. خلاف اقتصادي يحمل بصمات سياسية

أثار قرار المحكمة الاتحادية في العراق بشأن عدم دستورية قانون النفط والغاز في حكومة باشور (جنوب كردستان) جدلاً واسعاً في الأوساط العراقية، ويرى مراقبون أن القرار جاء بعد إقصاء مرشح الحزب الديمقراطي الكردستاني من سباق الرئاسة، ومن شأنه أن يضغط على الصدر الذي تحالف مع حزب تحوم حوله شبهات فساد كثيرة.

التصعيد بين هولير وبغداد.. خلاف اقتصادي يحمل بصمات سياسية
السبت 19 شباط, 2022   03:14
مركز الأخبار - شيماء علي

في ضربة جديدة يتلقاها الحزب الديمقراطي الكردستاني من المحكمة الاتحادية في العراق خلال أسبوع، أعلنت المحكمة عدم دستورية قانون النفط والغاز في حكومة جنوب كردستان، ويأتي ذلك عقب استبعادها لمرشح الديمقراطي الكردستاني هوشيار زيباري من سباق الرئاسة والذي استبعد من منصبه، وزيراً للمالية، نتيجة فساده.

وأصدرت المحكمة الاتحادية في العراق في الـ 15 من شباط الجاري حكماً بعدم دستورية قانون النفط والغاز في حكومة جنوب كردستان لمخالفته الدستور الاتحادي.

وذكر بيان للمحكمة الاتحادية أنها "أصدرت قرارها بالدعوى 59/ اتحادية /2012، وموحدتها 110/ اتحادية / 2019 في 15/2/2022، المتضمن الحكم بعدم دستورية قانون النفط والغاز لحكومة إقليم كردستان رقم (22) لسنة 2007 وإلغائه لمخالفته أحكام المواد (110 و111 و112 و115 و121 و130) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005".

وأوضح أن "حكومة الإقليم ألزمت بتسليم كامل إنتاج النفط من الحقول النفطية في إقليم كردستان والمناطق الأخرى التي قامت وزارة الثروات الطبيعية في حكومة إقليم كردستان باستخراج النفط منها إلى الحكومة الاتحادية والمتمثلة بوزارة النفط الاتحادية، وتمكينها من استخدام صلاحياتها الدستورية بخصوص استكشاف النفط واستخراجه وتصديره، ولوزارة النفط الحق في متابعة بطلان التعاقدات النفطية التي أبرمتها حكومة إقليم كردستان مع الأطراف الخارجية دول وشركات بخصوص استكشاف النفط واستخراجه وتصديره وبيعه".

وعليه، فإنه سيتم "إلزام حكومة إقليم كردستان بتمكين وزارة النفط العراقية وديوان الرقابة المالية الاتحادي بمراجعة كافة العقود النفطية المبرمة مع حكومة إقليم كردستان، بخصوص تصدير النفط والغاز وبيعه لغرض تدقيقها وتحديد الحقوق المالية المترتبة بذمة حكومة إقليم كردستان من جرائها، وأن يتم تحديد حصة الإقليم من الموازنة العامة وبالشكل الذي يضمن إيصال حقوق مواطني محافظات إقليم كردستان من الموازنة العامة الاتحادية وعدم تأخيرها وإشعار الحكومة الاتحادية وديوان الرقابة المالية الاتحادي بذلك".

واعتبرت حكومة الإقليم، في بيان، أن قرار المحكمة العليا "غير عادل وغير دستوري"، مؤكدة أنها ستتخذ "جميع الإجراءات الدستورية والقانونية والقضائية لضمان وحماية جميع العقود المبرمة في مجال النفط والغاز".

قرار يتوافق مع الدستور العراقي

تعليقاً على ذلك، قال الباحث في الشأن السياسي والاقتصادي، نبيل جبار العلي، في تصريح لوكالتنا: "قرار المحكمة الاتحادية الأخير الخاص بعدم شرعية (قانون النفط والغاز) المشرع والمعمول به في إقليم كردستان يتوافق مع الدستور العراقي، وكذلك يتوافق مع القوانين السنوية الخاصة بالموازنة التي تشترط بشكل دوري تسليم الإيرادات النفطية المتأتية من بيع نفط كردستان إلى الحكومة المركزية كشرط لإيفاء المركز بحقوق الإقليم من الموارد العامة".

هولير تفرّدت باستخدام الموارد

يرجع الخلاف حول ملف النفط بين بغداد وهولير إلى عام 2007، عندما بدأت حكومة باشور (جنوب كردستان) التي يهيمن عليها الحزب الديمقراطي الكردستاني، تطوير حقول النفط في محافظاته الثلاث، وهو ما لاقى معارضة كبيرة من الحكومة الاتحادية، بعد إبرامها عشرات الاتفاقات مع شركات نفط أجنبية، وقيامها بتنفيذ خطوط أنابيب لتصدير النفط عبر الأراضي التركية.

وتبلغ صادرات العراق الذي يعد ثاني أكبر بلد مصدر للنفط في منظمة "أوبك"، حوالي 3.5 ملايين برميل يومياً، تمثل وارداتها المالية 90 في المائة من موازنة البلاد.

وكانت حكومة باشور (جنوب كردستان) تعهدت بتسليم 250 ألف برميل من إنتاجها اليومي الذي يتجاوز 400 ألف برميل إلى الحكومة المركزية عبر وزارة النفط، مقابل حصولها على رواتب المسؤولين والموظفين ومقاتلي البيشمركة.

عن الخلافات بين الحكومة المركزية وحكومة باشور (جنوب كردستان)، قال الباحث العراقي: "إن المواد الدستورية تنص بوضوح على أن الموارد العامة وعلى رأسها الموارد النفطية تدار بشكل مركزي، إلا أن إقليم كردستان قد تفرد باستخدام الموارد وحجب حتى البيانات والمعلومات عن طبيعة التعاقدات النفطية وحجم الإيرادات المالية".

وتصدّر حكومة جنوب كردستان النفط بصورة مستقلة عن بغداد عبر خط يتجه إلى ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط، ومنه إلى الأسواق العالمية.

وتواصل حكومة جنوب كردستان تصدير النفط إلى الخارج باستثناء حقول كركوك التي توقف العمل فيها منذ تشرين الأول/أكتوبر 2017 عقب استعادة القوات العراقية السيطرة عليها.

وأبرمت حكومة جنوب كردستان التي يهيمن عليها الديمقراطي الكردستاني عقوداً مع شركات نفط عالمية كبرى - من بينها إكسون موبيل وروسنفت وجينل- لتطوير حقولها النفطية التي تضخ نحو 500 ألف برميل يومياً.

ضغط سياسي على الديمقراطي الكردستاني

ولا يمكن عزل هذا القرار عن الوضع الذي يشهده العراق من انسداد سياسي وعدم توافق على انتخاب رئيس الجمهورية، في ظل تمسك الديمقراطي الكردستاني في الحصول على هذا المنصب رغم أن التحالف الاستراتيجي بينه وبين الاتحاد الوطني الكردستاني يقضي بحصول الأخير على منصب رئيس الجمهورية، بينما يحصل الديمقراطي الكردستاني على منصب رئيس حكومة جنوب كردستان.

والخلاف بين هولير وبغداد حول النفط قديم، لكن التوقيت في اتخاذ هذا القرار يلفت الأنظار نحو الخلافات السياسية بين جميع القوى في العراق، إذ ذهب الكثير من المراقبين إلى أن هذا القرار يحمل بصمة سياسية للضغط على الديمقراطي الكردستاني، والضغط على التحالف السياسي بين التيار الصدري والديمقراطي الكردستاني وتحالف السيادة (الخنجر والحلبوسي).

إذ من الملاحظ أن الدعويَين المقدمتين إلى المحكمة الاتحادية، تعود الأولى منهما والمرفوعة باسم وزير النفط الاتحادي إلى عام 2012. وتعود الأخرى إلى عام 2019. وكلتاهما مرفوعة ضد وزير الثروات الطبيعية في باشور (جنوب كردستان) لعدم إيفائه بتسليم الحكومة الاتحادية الحصة النفطية المقررة لها.

حول ارتباط قرار المحكمة الاتحادية في هذا الوقت مع الانسداد السياسي الذي تشهده البلاد، يرى العلي أن "التوقيت الذي أقيمت فيه الدعوى في المحكمة الاتحادية يمثل عامل ضغط سياسي استخدمته إحدى الأطراف للضغط على الأطراف الكردية وفي مقدمتها (الحزب الديمقراطي الكردستاني) المصطف ائتلافياً مع الصدر وتحالف السيادة (الخنجر والحلبوسي)".

وأضاف: "يمكن وصف الدعوى بأنها استعراض أولي لإمكانات المعارضة إذا ما استبعد الإطار التنسيقي ودفع باتجاه المعارضة وعدم المشاركة في الحكومة القادمة".

أما عن الغاية من هذا القرار، قال العلي: "إن الدعوى أقيمت من أحد أعضاء البرلمان العراقي الحالي من الفائزين ضمن ائتلاف أو تيار الحكمة المتبوع للسيد عمار الحكيم، وقد تمثل هذه الدعوى المقامة انتقالة في طبيعة العلاقات بين الحكيم والبرزاني التي طالما ما كانت وثيقة واستراتيجية".

حول الدور الإيراني في هذا القرار، وضح الباحث العراقي أنه من غير المعلوم إن كان لإيران دور في عامل الضغط السياسي هذا.

الصدر يؤيد قرار المحكمة

وعلقت الكتلة الصدرية على قرار المحكمة الاتحادية الأخير بشأن عدم دستورية قانون النفط والغاز في حكومة جنوب كردستان، وأكدت أن قرارات المحكمة الاتحادية ملزمة للجهات كافة.

وذكرت الكتلة في مؤتمر صحفي، إن "قرارات المحكمة الاتحادية ملزمة للجهات كافة".

حول موقف التيار الصدري المتحالف مع الديمقراطي الكردستاني من قرار المحكمة، أشار العلي إلى أن "التيار الصدري أيّد قرار المحكمة الاتحادية الخاص بعدم شرعية قانون النفط والغاز في كردستان، حتى أطراف كردية أخرى قد أيّدت هذا القرار ودعت إلى عقد حوارات بين المركز وهولير لحل هذه الإشكالية الكبيرة والمهمة".

استقواء سياسي على الخصوم

يستحوذ الحزب الديمقراطي الكردستاني على خيرات جنوب كردستان، ويتولى رئاسة جنوب كردستان ورئاسة الوزراء كل من نيجيرفان ومسرور البرزاني، وهما أبناء عمومة لأسرة واحدة، ولديهما قوات مسلحة خارج سيادة القانون. وأخذا مبالغ كبيرة من أموال جنوب كردستان إلى البنوك الأوروبية ويستخدمانها لرفاهيتهما الخاصة، كما استوليا على نفط المنطقة.

تبيع حكومة جنوب كردستان 500 ألف برميل من النفط يومياً!، إلا أن المستوى المعيشي للناس متدهور للغاية.

واستشرى الفساد بشكل كبير في الحكومات المتعاقبة بجنوب كردستان والتي يسيطر عليها الحزب الديمقراطي الكردستاني.

على الرغم من ملفات الفساد الكثيرة للحزب الديمقراطي الكردستاني، حتى أن القيادي في الحزب هوشيار زيباري تم سحب الثقة منه في 21 أيلول 2016 عندما كان وزيراً للمالية في حكومة حيدر العبادي، إلا أن التيار الصدري الذي يدعو إلى حكومة أغلبية وطنية ويقول إنه يحارب الفساد تحالف مع الديمقراطي الكردستاني.

إذن، ما هو الفرق بين الحكومة التي يدعو لها الصدر وبين الحكومات السابقة التي تغاضت عن الفساد واستغلال موارد العراق خدمة للأحزاب السياسية.

في هذا السياق، يقول العلي: "وفق معادلات التحالفات الحالية، لم تعد الدعوات إلى تشكيل حكومة الأغلبية الوطنية ذات أهمية وطنية كبرى، فيمكن التعبير عن الحال اليوم بأنها ائتلافات الاستقواء السياسي على الخصوم، وإبعاد الخصوم وإقصاؤهم، ولا يمكن وصف التفاوضات والتقاربات السياسية الحالية بأنها وطنية لغياب البرامج السياسية التي تستند لها الكتل في تقاربها، فتقاربات اليوم هي لإبعاد المنافس النوعي والاستحواذ على المناصب المخصصة لكل مكون".

ما هي خيارات الصدر؟

وحول خيارات التيار الصدري، يرى الباحث في الشأن السياسي والاقتصادي نبيل جبار العلي في ختام حديثه، أن خيارات "السيد الصدر تبقى مجهولة وغير متوقعة، وقد تتأثر مواقفه العامة بتغيير اتجاهات الرأي العام وخصوصاً وسائل التواصل الاجتماعي".

(ح)

ANHA