​​​​​​​ليبيا.. مستنقع مراحل انتقالية لا تنتهي.. هل يمتلك باشاغا وصفة الحل؟

يرى مختصون في الشأن الليبي، أن اتفاق مجلسي النواب والدولة على تشكيل حكومة جديدة بقيادة باشاغا، خطوة غير مسبوقة بين الأطراف المتناحرة، وعلى الرغم من إشارتهم إلى أنها مرحلة انتقالية جديدة ضمن المستنقع الليبي لكنهم يقولون بأنها قد تمهد لفرض معادلة جديدة لما يتمتع به باشاغا من قبول بين الدول المتدخلة وكذلك المسلحين في طرابلس.

​​​​​​​ليبيا.. مستنقع مراحل انتقالية لا تنتهي.. هل يمتلك باشاغا وصفة الحل؟
الخميس 17 شباط, 2022   03:56
القاهرة – أماني عزام

أعلن مجلس النواب الليبي المنعقد في طبرق في أقصى شرق البلاد، يوم الخميس 10 شباط/فبراير الجاري، اختياره وزير الداخلية السابق فتحي باشاغا، رئيساً جديداً للحكومة خلفاً لعبد الحميد الدبيبة، إذ اعتبر مجلس النواب حكومة الدبيبة "منتهية الولاية" بسبب عدم إجراء الانتخابات التي كان من المقرر إجراؤها في 24 كانون الأول المنصرم.

ولكن رئيس الحكومة الليبية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة يبدو أنه لن يتخلى عن السلطة بسهولة، إذ قال إنه لن يسمح بقيام مرحلة انتقالية جديدة، وإنه لن يقبل بقيام سلطة "موازية" في إشارة إلى الحكومة الجديدة.

ويرى المتابعون للوضع أن الدبيبة وقف بشكل فاضح إلى جانب تركيا التي أرسلت مرتزقة سوريين وجنوداً أتراك إلى ليبيا، وأغرقتها بالأسلحة لتحقيق مصالحها، وهذا ما دفع العديد من القوى المتدخلة في ليبيا لدعم تشكيل باشاغا لحكومة جديدة ومن بينها مصر التي ترى ما يجري في ليبيا يؤثر على أمنها بشكل مباشر.

توافق بين البرلمان ومجلس الدولة

وفي هذا السياق، قال محمد فتحي الشريف رئيس مركز العرب للأبحاث والدراسات، أن المسار السياسي الجديد في ليبيا، شهد تغيراً غير مسبوق منذ عام 2011، فلأول مرة تتفق القوى المؤثرة على الأرض على مسار سياسي واحد، وهو حكومة فتحي باشاغا التي ولدت من رحم البرلمان الجهة الشرعية الوحيدة في البلاد بالتوافق مع مجلس الدولة.

وأضاف الشريف في تصريحات صحافية لوكالتنا، أن التحديات والعراقيل السابقة خلقت توافقاً بين المشير خليفة حفتر القائد العام للقوات المسلحة الليبية وبين فتحي باشاغا عندما حدث الانسداد السياسي وتوقفت العملية الانتخابية في 24 كانون الأول/ديسمبر الماضي بسبب القوة القاهرة، وأكد أن لقاء حفتر وباشاغا في بنغازي هو اللقاء الأهم الذي رسم خارطة طريق جديدة من خلال توافق شعبي.

وأكد رئيس مركز العرب للأبحاث والدراسات أن ما يقوم به رئيس حكومة تسيير الأعمال المسحوب منه الثقة عبد الحميد الدبيبة من استقواء بالمجتمع الدولي "يذكرنا بما فعله سلفه فايز السراج الذي تسبب في شرخ للنسيج الاجتماعي الليبي".

وأوضح الشريف أن "اليوم ليس كالأمس وما فعله السراج لن يستطيع أن يفعله الدبيبة لأن أغلب القوى المتمركزة في الغرب أصبحت تدرك جيداً أهمية الاستقرار والتوافق، كما أن الشعب وبعض السياسيين كانوا مخدوعين في جماعة الإخوان الإرهابية والدور التركي واليوم انكشفت عورة تركيا وجماعة الإخوان الإرهابية أمام الشعب وبعض القوى السياسية".

ولفت الشريف أن اتفاق حفتر وباشاغا بعثر أوراق المتآمرين على ليبيا، وكشف الدور التخريبي لهم، وأضاف: "أعتقد أن فئة المنتفعين ومنهم الدبيبة تحاول أن تقوم بدور بطولي وهمي، فالدبيبة فوّت فرصة ذهبية ليكون أحد ركائز استقرار ليبيا عندما صار على نهج وطريق الإخوان وتركيا وناصب حفتر والجيش الليبي العداء وتخلى عن الوفاق مع القوى الأكثر فعالية وجاهزية لحفظ الاستقرار وهي الجيش".

وأشار الشريف أن المجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي ونائبيه عبد الله اللافي وموسى الكوني كانوا أكثر انفتاحاً في ملف المصالحة والتقى المنفي المشير خليفة حفتر في بداية عمله كما كان دائم الحضور في المنطقة الشرقية والجنوبية وهو أمر إيجابي ويحسب لهم.

ويرى الشريف أن "المشهد الحالي سوف يقبله المجتمع الدولي والدبيبة وأنصاره سوف يخرجون من المشهد السياسي من الباب الخلفي كما خرج السراج".

شكوك..

وعبر الشريف عن شكوكه "في نبل هذا التوافق من جانب مجلس الدولة لأن خالد المشري رئيس المجلس أحد أهم وأبرز المعرقلين للمسار السياسي".

وأضاف: "على الرغم من التوافق الحاصل إلا أني أشك في نوايا جماعة الإخوان وخالد المشري تجاه هذا التوافق وأعتقد أن الواقع على الأرض والتوافق الحاصل هو الذي أجبر المشري على إظهار توافقه بتعليمات من تركيا".

وتطرق الشريف إلى موقف المجتمع الدولي، وقال بأن موقفه غامض، لأن المجتمع الدولي دائماً ما ينتظر الغلبة على الأرض وبعدها يحدد موقفه، وهذا الأمر واضح في تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة والسفارة الأميركية، إذ جاءت تصريحاته رمادية كعادة المجتمع الدولي، في حين تجد موقف الدولة المصرية واضحاً تجاه استقرار الشعب الليبي وتوحيد مؤسساته ونبذ التطرف والإرهاب، لأن الإدارة المصرية بحسب الشريف "تسعى بكل قوة إلى تأصيل وترسيخ استقرار الدولة الليبية بعيداً عن جماعات الدم والإرهاب".

يمكن البناء على التوافق الحاصل لحل الملفات العالقة

ومن جانبه، يرى الصحفي والباحث المختص بالشأن الليبي، عبدالهادي ربيع، أن ليبيا مقبلة على فترة انتقالية بهدف تثبيت الاستقرار والإعداد للانتخابات التي تعذر إجراؤها مرتين في ٢٤ كانون الأول/ديسمبر ٢٠٢١ ثم ٢٤ كانون الثاني/يناير ٢٠٢٢ بسبب ما يعرف بالقوى القاهرة.

وتابع في تصريح لوكالتنا: "إن مجلس النواب لم يكن أمامه لتحريك المياه الراكدة سوى أن يدفع باتجاه خارطة طريق جديدة وحكومة انتقالية مؤقتة والتوافق على دستور يكون خطوة أساسية تقود للانتخابات".

وأشار ربيع أن عملية اختيار حكومة فتحي باشاغا تلقى ولأول مرة شبه إجماع وطني ليبي حيث تحصل على تزكيات كافية من مجلس الدولة ثم ثقة مجلس النواب وهما طرفي النزاع إضافة إلى قبول ورضا وتنسيق مع القيادة العامة للجيش الليبي ما يعني أن هنالك توافقاً وطنياً عليه.

ونوه ربيع إلى وجود توافقات بين مجلسي النواب والدولة لأول مرة، معتبراً أنه أمر يجب البناء عيله لحل المختنقات الأخرى من خلال لجنتي الحوار في المجلسين، خاصة بعد أن أقر النواب لأول مرة لجنة مشتركة مع مجلس الدولة يشاركان فيها مناصفة لإجراء التعديلات الدستورية اللازمة وهو تطور مهم وتعاون غير مسبوق من مجلس النواب.

وكشف أن باشاغا وإن كان لديه تاريخ من الإشكاليات مع الليبيين بارتباطه ببعض المليشيات التي ارتكبت مجازر منها مجزرة غرغور، إلا أنه لديه شبكة علاقات داخلية وخارجية قوية جداً ولديه القوة والنفوذ بل والمخطط الفعلي الذي يستطيع به أن يحل المليشيات وينزع سلاحها ويحل الاشكالية الأمنية فعلياً، كما أنه ساهم في عملية السلام من خلال دعم الحوار مع القيادة العامة إبان حرب طرابلس.

وأوضح أن الدبيبة وإن كان يبدي ممانعة الآن وتمسكاً بالسلطة إلا أنه في النهاية سيسلم السلطة لباشاغا أمام التوافق الوطني عليه ودعم القوى العسكرية والمليشياوية أيضاً له، ومع تقديم عدد من وزراء الدبيبة لاستقالتهم وحبس نحو ٣ منهم.

ونوه إلى أن الأمم المتحدة والمجتمع الدولي ما يزالان في حيرة وترقب على اعتبار أنهما ساهما في تشكيل حكومة الدبيبة في حين يجدان نفسيهما أمام إرادة الليبيين ومجلس النواب الجهة التشريعية والشرعية، إضافة إلى التوافق النادر على باشاغا..

مستنقع مراحل انتقالية لا تنتهي

أما الدكتور جبريل العبيدي، الباحث والأكاديمي الليبي، فيرى أنه رغم التوافق غير المسبوق بين مجلس النواب ومجلس الدولة في شأن تسمية رئيس حكومة متفق عليه دون تدخل خارجي إلا أن ليبيا أصبحت في مستنقع المراحل الانتقالية التي لم تعد تنتهي وهذه نكسة كبيرة بعد إلغاء الانتخابات لصالح البقاء وتمديد المرحلة الانتقالية.

وأكد العبيدي أن اختيار رئيس حكومة جديدة كان ضرورة حتمية جرّاء فشل وفساد الحكومة الحالية بشهادة تحقيقات مكتب النائب العام الذي سجن ثلث عدد وزراء الحكومة الحالية ومسؤوليها بسبب تهم فساد وإهدار المال العام.

ويرى الباحث والأكاديمي الليبي، إلى أن المشهد الليبي "يتجه نحو الاستقرار ولو بحكومة انتقالية وذلك لأن الخيار هذه المرة لرجل قوي يمكنه التحرك في طرابلس وأغلب الكتائب المسلحة أعلنت الولاء له وسبق أن كان وزيراً للداخلية وأثبت نجاحاً ... بالتالي يمكنه تحقيق استقرار على الأقل في المرحلة الانتقالية التي حددها البرلمان ضمن خارطة طريق تم تضمينها دستورياً بتوافق كبير".

حكومة خلال 15 يوماً

ومن جانبه، قال إدريس إحميد، الصحفي والباحث السياسي الليبي، إن المشهد في ليبيا يقول أن فتحي باشاغا سيشكل حكومة كفاءات مصغرة خلال 15 يوماً لعلاج الأزمات الحياتية والمعيشية والأمنية، وقد يلقى تعاوناً كبيراً من لجنة 5+5 في موضوع الجيش، وأوضح أن باشاغا له خبرات كبيرة في موضوع الأمن باعتباره كان وزيراً للداخلية في حكومة فائز السراج، وبالتالي فإن المشهد الأمني سيلقى اهتماماً كبيراً منه.

وأوضح إحميد أن الجانب الاقتصادي أيضاً مهم للغاية ولذلك سوف يسعى إلى تحسين الجانب الاقتصادي، لافتاً إلى أن تصريحات الدبيبة التي اعترض فيها على قرارات مجلس النواب وأكد أنه لن يسلم السلطة إلا لحكومة منتخبة لن تكون مؤثرة لأن الأطراف الدولية والأمم المتحدة تفهمت الإجراءات الجديدة، وتعتبره شأناً داخلياً وما يهمهم هو المحافظة على موعد إجراء الانتخابات.

(ح)

ANHA