65 يوماً مع القائد عبد الله أوجلان في روما (1)

أوضح أحمد يامان الذي بقي مع القائد عبد الله أوجلان أثناء وجوده في إيطاليا ٦٥ يوماً، أن ذهاب القائد إلى إيطاليا كان لتذكير المسؤولين الأوروبيين المعنيين بالقضية الكردية، والمطالبة بجهودهم في ذلك.  

65 يوماً مع القائد عبد الله أوجلان في روما (1)
الخميس 10 شباط, 2022   22:35
مركز الأخبار- جيهان بيلكين

بدأت المؤامرة الدولية بخروج القائد عبد الله أوجلان من سوريا في الـ 9 من تشرين الأول عام 1998. وبمشاركة الولايات المتحدة الأميركية، وبريطانيا، وإسرائيل، والغلاديو، ووكالة المخابرات المركزية الأميركية (CIA)، والموساد، وجهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، والاستخبارات التركية (MÎT) والاستخبارات اليونانية، تم اختطافه في 15 شباط عام 1999 وتسليمه الى الدولة التركية، وقد مضى على المؤامرة 23 عاماً.

حيكت المؤامرة الدولية في شخص القائد عبد الله أوجلان ضد كل المجتمع وحركاته. عندما يقيّم القائد عبد الله أوجلان في مرافعاته مراحل المؤامرة التي طالته، فإن تحليلاته توضح خلفية هذه المؤامرة: "المرحلة الأولى بدأت في موسكو؛ لقد رأيت الوجه الحقيقي للخيانة. المرحلة الثانية كانت في روما؛ لم أتخلَّ عن الكرامة مقابل ألاعيب الرأسمالية. المرحلة الثالثة كانت في أثينا؛ لقد كنت مصدوماً أمام خيانة غير متوقعة. المرحلة الرابعة كانت في نيروبي؛ هناك تم تسليمي إلى تركيا حيث كانوا يريدون عقوبة الإعدام لي".

يصف القائد عبد الله أوجلان هذه المرحلة بـ "المؤامرة الرباعية". وقد قيّمنا هذه المرحلة مع أحمد يامان ممثل جبهة التحرير الوطنية الكردستانية (ERNK) في روما، والذي بقي 65 يوماً مع القائد عبد الله أوجلان آنذاك.

* متى وأين قابلت القائد عبد الله أوجلان أول مرة؟

في عام 1998 كنت ممثل جبهة التحرير الوطنية الكردستانية (ERNK) في روما. عندما وصل القائد إلى إيطاليا؛ ذهبنا إلى روسيا من الطريق الذي أمنته الحكومة الإيطالية لنا، وكان برفقتي ممثل حكومي. التقينا القائد في مطار موسكو. عندما نزلنا من الطائرة، استقبلنا بعض الأشخاص. واجتمعنا في مكان ما في المطار. بالنسبة لي كانت سعادة لا توصف.

* كيف استقبلكم القائد عبد الله أوجلان؟

عندما رأيت القائد أول مرة في مطار موسكو، جمعنا لقاء دافئ وودي، لقد أثّر فيّ كثيراً عندما التقيته للمرة الأولى، وكأننا نعرف بعضنا منذ زمن بعيد.   

* عما تحدثتم في طريق السفر؟

من المهم جداً أن يتحدث الإنسان مع القائد أوجلان عن المواضيع السياسية، الأزمات الثقافية، أزمات تاريخ العالم؛ لأنه شخص حكيم جداً. في اليوم نفسه الذي تعرفنا فيه في مطار موسكو، صعدنا بعد عدة ساعات إلى الطائرة وتوجهنا إلى روما. في الطريق كنا جالسين بجوار بعضنا. لقد تحدث لي عن روما، زودني بمعلومات عن روما لم أكن أعرفها سابقاً رغم بقائي فيها لأعوام طويلة.

إنه عالِم حول كل شيء تقريباً، هو إنسان مندفع وصادق، يحترم الإنسان. أينما يوجد يجعل المكان مهماً ويبني علاقات صادقة مع الناس، من المهم أن يخوض الإنسان معه حديثاً. تعامله مع الناس جعل الأشخاص يتقربون منه ويطمئنون معه، لقد كان يفكر بالجميع.

* كيف تم استقبالكم في روما؟

عندما أتينا إلى روما بقيت مع القائد وحدنا لـ 3- 4 أيام، ونتيجة مرحلة الاعتقال كنا نمكث في مستشفى. تحضيرات إيطاليا كانت جيدة جداً. وكما تعلمون فقد جاء القائد إلى إيطاليا بدعوة من الحكومة الإيطالية. كما دعاه العديد من الأصدقاء والأحزاب الإيطالية للقدوم إلى البلاد. في ذلك الوقت كان ماسيمو داليما رئيساً للوزراء وكان صاحب موقف داعم لنا. وعندما اقترحنا عليه قدوم القائد عبد الله أوجلان إلى إيطاليا، قبِل الاقتراح من دون تفكير، وقمنا بتنظيم كل شيء مع الحكومة.

* أين مكث القائد عبد الله أوجلان؟ ومن تولى مهمة الأمن؟

لقد اتخذت تدابير أمنية شديدة في المنزل الذي مكث فيه القائد في روما، كان المنزل في حي خارج روما، ومكون من ثلاث طوابق ومحاط بحديقة مسوّرة بجدران عالية. مسألة الأمن كانت عالية الدقة، وتولت أقسام مختلفة من الشرطة الإيطالية التدابير الأمنية بشكل مشترك، كانت مناوبات الحراسة مستمرة حول المنزل والحي وغرفة المعيشة في المنزل. الاشخاص الذين كانوا يأتون للقاء القائد كانوا يجتازون ثلاث نقاط أمنية حتى يصلوا إليه. التدابير كانت شديدة بالفعل. وكنا نحن أيضاً حذرين جداً. الرفاق الضيوف كان يمكثون أياماً وأسبوعاً، كانت تجرى الكثير من الجلسات للحديث، كان الرفاق هناك يعدون الطعام، لقد كان القائد يذهب إلى غرفته في الساعة 10:00 أو في 10:30، ويصحو باكراً جداً، كان يجالس الرفاق قدر المستطاع. في الكثير من المرات كان يمارس الرياضة في حديقة المنزل. 

* مَن أتى للقائه في روما؟

جرت لقاءات واجتماعات كبيرة في روما. جاء أشخاص من كافة أنحاء العالم للقاء القائد. وقد أجرى اللقاءات والمقابلات مع الأصدقاء ومؤسسات الإعلام الإيطالية، من فلسطين إلى اليونان ومن دول أوروبا. لقد كان مثالاً. لقد أجرى لقاءً مع السيدة دانيلا ميتراند. كنت أرافقه وقتها. لقد أظهر القائد خلال اللقاء موقفاً مهماً، خاصة وأنها (دانيلا ميتراند) أصرت على ألا يغادر القائد روما، وكنت أرافقه أيضاً عند لقائه مع بيترو إنغرو أحد القادة الوطنيين المعروفين في إيطاليا. لقد جاء العديد من ممثلي الأحزاب السياسية والحقوقيين والصحفيين من تركيا أيضاً، مثل تايفون طالب أوغلو.

لقد كان تأثيره (القائد أوجلان) عالياً. بعد اللقاءات التي كان يجريها مع الصحفيين كنت ألاحظ عليهم ردود فعل إيجابية. جميع الذين أجروا معه مقابلات كانوا يغادرون بسعادة. كان يترك أثراً إيجابياً على الأشخاص، الذين لم يروه من قبل أو لم يعرفوه أو كانوا أصحاب مواقف متوترة منه، عندما كانوا يدخلون إليه ويلتقوه، كانت الأجواء تتغير كلياً، لقد كان يغيّر تعابير وجوه الأشخاص. القائد صاحب قوة إفصاح كبيرة، فقد كنتُ شاهداً على ذلك، لكن من الصعب أن يعبّر المرء عن ذلك.

* ما أكثر المواضيع التي نوقشت خلال اللقاءات التي كنتم ترافقونه فيها؟

توجه القائد إلى أوروبا من أجل إنهاء الحرب في كردستان وإيجاد حل سياسي للقضية. كانت لديه أفكار عميقة. كان قلِقاً جداً من أجل معيار الحرب والمجازر والضحايا البشرية. كانت النقاشات حول الحل السياسي تجرى في العديد من المرات. ولأنه يمكث في أوروبا، باستطاعة الدول الأوروبية حل هذه القضية. ما الذي باستطاعة الرفاق الموجودين في أوروبا فعله. هل نستطيع أن نصل إلى النصر لحل هذه القضية؟ دائماً كان يفكر في هذه الأسئلة. في العديد من المرات كان يقول: "أنا لم آتِ إلى هنا للتجول في الفنادق، المصدر الأساس لهذه القضية هي أوروبا. هي اتفاقية لوزان؛ لذلك فإن مسؤولية كبيرة تقع على عاتق أوروبا لحل القضية الكردية. أنا هنا لأذكرهم بذلك، وأطلب منهم المحاولات".

* ماذا فعلت حكومة إيطاليا من أجل القائد عبد الله أوجلان. هل تستطيعون شرح الوضع في ذلك الوقت؟

نتيجة وجود القائد عبد الله أوجلان في إيطاليا اتفقنا مع الحكومة عبر بيان مشترك. وداليما كان قد قال في بيانه: "قائد الشعب الكردي موجود في بلادنا. السبب الأساس لمجيئه هو إيجاد حل سياسي للقضية الكردية. القائد أوجلان وPKK ضد الإرهاب، وهم يدعمون الحل السياسي للقضية". كان للقائد مطلب وهو استنكار جميع أنواع الإرهاب. في الوقت نفسه أدلى القائد ببيان بعد داليما، أوضح فيه مشكلة الحياة المشتركة في جمهورية ديمقراطية مشتركة في تركيا، وأنه ليس لديهم أي نية لتقسيم تركيا، وإنهم اضطروا إلى خوض النضال المسلح. وإنهم داعمون لوقف الصراع المسلح. وهذا خلق تأثيراً كبيراً.

وكخطوة ثانية كان يجب على داليما إخبار البرلمان الإيطالي. وفي الجلسة الأولى أعلمَ البرلمان وطالب باللجوء السياسي للقائد أوجلان في إيطاليا. وأوضح داليما في البرلمان أنهم يريدون حل القضية الكردية بالطرق السلمية، وإنهاء النضال المسلح وأن على تركيا الترحيب بهذه الخطوة، وتحدث رؤساء الكتل البرلمانية أيضاً. أحزاب الحكومة التي كانت تضم الأحزاب اليمينية أيضاً، وكذلك أحزاب المعارضة أوضحت أنها داعمة للحل السياسي، ويجب منح حق اللجوء السياسي للقائد. الشهر الأول في إيطاليا خلق تأثيراً كبيراً. هذه التحركات للقائد خلقت تعريفاً دولياً بالقضية الكردية. 

 

* كيف كان موقف القوى المتآمرة الدولية أمام تلك التطورات؟

مرحلة إيطاليا خلقت تأثيراً إيجابياً، وبالتأكيد أزعجت الكثيرين، وعلى وجه الخصوص انكشف قلق القوى المتآمرة الدولية. وعلى الرغم من الدعوة الدولية بشأن القائد أوجلان فإنه لولا التعطيل لاضطرت ألمانيا إلى مطالبة إيطاليا بإرجاعه. رفعت ألمانيا البحث الدولي رغم انتهاك قوانينها. عندما سعت القوى الدولية إلى إخراج القائد أوجلان من إيطاليا تغيّر كل شيء. وبشكل خاص غيّرت الأحزاب اليمينية مواقفها.  

لماذا؟

الأسباب الأساسية كانت محاولات القوى المتآمرة الدولية، ومثال على ذلك؛ بدأت القوى المتآمرة الدولية بنشر دعاية "قتلة الأطفال" عبر عدد من الصحف الكبيرة في إيطاليا. في الحقيقة تركيا هي من افتعلت هذه الدعايات المدفوعة، لكسر إيجابية الصحافة والتعاطف الكبير في إيطاليا، بذلت محاولات بهذا الشكل. لقد أطلقنا عليها اسم الحرب الإعلامية. بعدها وقفت هذه الدعايات ببيان صارم أصدره داليما ووجهه إلى مسؤولي الصحافة ووصف بفعل مهين للكرامة.

أيقنت القوى المتآمرة أنه إذا لم يغادر القائد إيطاليا، فإنهم لن يستطيعوا أسره جسدياً أبداً. ومن أجل هذا سعوا إلى خلق الفوضى حتى بدأت مبادرات ونقاشات عنيفة في روما، وتصاعدات الأزمة أكثر فأكثر، وبقي داليما وحيداً في مواجهة ضغوطات القوى المتآمرة من جهة وتهديدات الدولة التركية لإيطاليا من جهة أخرى، وذلك لإخراج القائد من إيطاليا. لقد طوقت القوى المتآمرة الدولية وكذلك تركيا، إيطاليا وضغطت عليها ليغادر القائد البلاد.

* كيف قيّم القائد عبد الله أوجلان هذا الوضع في ذلك الوقت؟

لقد ناقشنا هذا الموضوع فيما بيننا كثيراً. لقد رأى القائد الضغوط والتهديدات المحدقة بحكومة إيطاليا وحزن لذلك. كان يقول: "نحن هنا من أجل الحل، ولكننا للأسف لا نستطيع إيجاد محاورينا هنا أيضاً". كان منتقداً لسياسات الدول الأوربية. وأعلن مراتٍ عديدة أن أوروبا أيضاً لا تستطيع أن تكفله، وأبدى القائد مخاوفه، قائلاً: "ليس لدي أي قلقٌ بشأني، قلقي هو من أن تكبر هذه الحرب أكثر".   

أراد القائد البقاء في روما، وخاصةً بعد مساعي داليما الذي أوضح في زياراته إلى بريطانيا، أميركا، فرنسا وألمانيا أن هذه القضية لا تخصّ إيطاليا فحسب، لذا يجب على الاتحاد الأوروبي اتخاذ القرار في حلّ هذه المعضلة. كان هناك احتمالٌ للحل بعد العودة من تلك الزيارات. فقد قال داليما لهذه الدول: "طالما أنّ هذا الشخص يُعتبر إرهابياً، حزب العمال الكردستاني أيضاً يُعتبر إرهابياً، إذاً فلنشكّل محكمةً للاتحاد الأوروبي في روما ونحاكم أوجلان فيها". تم قبول هذا الاقتراح في البداية. وكان سيتم تشكيل محكمة مؤقتةٍ بقيادة إيطاليا. في الحقيقة كانت هذه استراتيجية ليقوم داليما بالضغط على الحكومات الأوروبية. وقفت بريطانيا على الحياد من هذا الموضوع، وأعربت أميركا أنها ليست ضد ذلك وأنها لن تتدخل. في الحقيقة أن دول الاتحاد الأوروبي بدأت العمل على صياغة اللجنة القانونية لها وصياغة بنودها وتشريعاتها.

* كيف قيّم القائد عبد الله أوجلان هذا المقترح؟

لقد التقينا ممثلي الحكومة، وكان القائد أيضاً يلتقي بهم كل فترة. كانت لديه شكوك حول ما إن كان سيوافق على محاكمة الاتحاد الأوروبي الدولية أم لا. عندما تحدثوا معنا حول المقترح التقينا بالقائد. لم يفكّر القائد بهذا كثيراً، وقال: "حسناً، إن كانت هذه المحكمة الدوليّة حقيقية؛ فليس لدينا حساب لا يمكننا تقديمه وفقاً للقانون الصحيح" وقبل بهذه المحكمة. قَبِلَ القائد ولكن تركيا رفضت. كان يحب على الطرفين قبول هذه المحكمة، ولهذا ومع الموقف التركي المتشدّد جداً غيّرت العديد من الدول موقفها في ظل بقاء أميركا على الحياد. انسحبت ألمانيا وللأسف بقي داليما وحده مرةً أخرى.

أظهر القائد مقاربة متواضعة جداً. لقد أشرنا عدة مراتٍ أنه لا ينبغي له الخروج من روما. لكنه كان حزيناً جداً بسبب الضغوط على داليما. لم يرغب بأن يكون عبئاً على داليما أكثر، أو أن يقع داليما في وضعٍ صعب. لأنه رأى أنّ الحل السياسي في أوروبا لم يكتمل وخرج من روما أيضاً.  

(ر)

ANHA