المؤامرة الدولية.. مصالح الدول المشاركة في اختطاف القائد أوجلان

تدخلت الأطراف الدولية والعالمية، وفي مقدمتها، أميركا وتركيا والموساد الإسرائيلي في المؤامرة الدولية لاختطاف القائد عبد الله أوجلان؛ لتشتيت الكرد والقضاء على الحركات التحررية المطالبة بالسلام والديمقراطية في المنطقة، والذي جاء اختطافه في ظروف عصيبة، كانت تمر بها المنطقة، وضغوط دولية لإفشال المشروع الذي تبنّاه.

المؤامرة الدولية.. مصالح الدول المشاركة في اختطاف القائد أوجلان
الأربعاء 9 شباط, 2022   23:42
مركز الأخبار

دخلت المؤامرة الدولية التي طالت القائد عبد الله أوجلان عامها الـ 24، وسط تشديد تركيا العزلة عليه في سجن إمرالي.

في هذا الملف، سنسلط الضوء على الدول التي شاركت في المؤامرة وأهدافها، وماهي المصالح الدولية للمشاركة في هذه المؤامرة، القائد أوجلان قيّم كل ذلك في العديد من مرافعاته التي دونها في زنزانته، وقمنا بسرد بعض منها.

أقيمت في كانون الثاني 1988، في مدينة نيويورك في الولايات المتحدة الأميركية مناورة تحت اسم "إخماد انتفاضة شرق تركيا بواسطة الجيش التركي وجيش الولايات المتحدة الأميركية"، ومنها بدا التعاون الأمريكي- التركي واضحاً وعلنياً في سبيل مواجهة حزب العمال الكردستاني والقضاء عليه وتصفية قياداته، بالإضافة إلى الاتفاقات الأمنية الموقعة بين دول الناتو نفسها.

منذ عام 1989، بدأت تركيا بتنظيم حملة دولية محمومة لإخراج القائد أوجلان من سوريا، وهددت عدة مرات بإعلان الحرب عليها، واستغلت التشتت العربي وابتعادهم عن قضاياهم الأساسية في ابتزاز سوريا في عدة ملفات كان أهمها الملف الأمني فيما يخص الصراع العربي – الإسرائيلي، ووقوف الأتراك إلى جانب إسرائيل ودعمها، وكذلك لواء اسكندرون الذي سلبته تركيا في ثلاثينيات القرن الماضي، بالإضافة إلى قضايا توزيع مياه نهر الفرات التي لم تُحلّ حتى اللحظة مع إصرار تركيا على بناء السدود والتحكم في جريان النهر إلى دول الجوار كسوريا والعراق، واعتباره نهراً تركياً عابراً لتلك الدول ومن حقها قطعه متى دعت الضرورة، ليشكل فيما بعد قضية وجود القائد أوجلان على الأراضي السورية مسألة أخرى تضاف إلى الملفات العالقة بين الدولتين، التي سرعان ما تم القفز على جميعها مع استلام بشار الأسد السلطة في سورية.

لذا كانت المؤامرة التي أدت إلى اعتقال القائد أوجلان بمثابة رفض وضرب أي مشروع ينادي بالحرية والديمقراطية والمساواة في منطقة الشرق الأوسط.

إذ يقول القائد عبد الله أوجلان: إن تاريخ الإتيان بي إلى تركيا كان في الـ 15 من شباط. يصادف هذا التاريخ يوم بدء المؤامرة ضد الشيخ سعيد (15 شباط 1925). كما صدر قرار الإعدام بحقي في 29 حزيران 1999، بعد محاكمة صورية في الجزيرة، كانت أقرب إلى المسرحية في توقيت يصادف اليوم الذي أُعدم فيه الشيخ سعيد مع مجموعة من رفاقه.

لماذا أوجلان؟

استهدفت المؤامرة الدولية في الحقيقة القائد عبد الله أوجلان، لاعتبارات عدة، أهمها أن كافة الثورات الكردية التي سبقت تأسيس حزب العمال الكردستاني انتهت بمجرد القضاء على قياداتها، كما أن كافة الثوريين الذين بدأوا بالثورات لم يكونوا يتمتعون بالخصائص القادرة على توحيد الشعب، أما فلسفة القائد أوجلان فكانت مختلفة عن الجميع.

فالقائد أوجلان يتميز بأنه قائد طليعي يمتلك نظاماً أيديولوجياً ومقدرة على التأثير حتى على الصعيد العالمي، لذلك فمن الطبيعي أن يكتسب هذا التأثير الأيديولوجي موقعاً مؤثراً على الحركات والشعوب في العالم، ويشكل بذلك تهديداً للنظام السائد في العالم، بنظامه الطبقي الذي شكل عبئاً ثقيلاً على الشعوب والمجتمعات البشرية. وهذا ما جعل من القائد هدفاً، لذلك تآمرت الدول مع تركيا للقضاء عليه، فما هي أهداف تلك الدول:

اليونان:

دور اليونان العدوّة لتركيا، كان أخطر دور في المؤامرة، ودارت حوله الكثير من التساؤلات، حول الثمن الذي قبضته مقابل تواطئها مع تركيا في تلك المرحلة.

كان واضحاً منذ البداية أن اليونان تؤدي دوراً سلبياً في قضية القائد أوجلان وحزب العمال الكردستاني، ولم يستطع الأصدقاء اليونانيون التأثير على حكومتهم التي دخلت بشكل مباشر تحت أوامر الرئيس الأميركي بيل كلينتون.

أصبحت اليونان مسؤولة عن شيئين في القضية. الأوّل؛ لجوء شخص إلى اليونان، ولم تكن مرفوعة بحقِّه أيَّ دعوى في هذا البلد، زد على ذلك، يتمُّ تسليمه إلى أعدائه، دون أخذ السبل القانونيَّة بعين الاعتبار. الثاني؛ كون المسؤولين اليونانيين، انتهكوا القانون، وعرّضوا حياة أوجلان للخطر والتهلكة، بتسليمه إلى تركيا، ناهيكم عن الحكم عليه بالإعدام.

وقد اعترف وزير العدل اليوناني إيفان نجيلوس يانوبولوس بخرق جهاز الموساد للمخابرات اليونانية.

وفي لقاء لمحامي القائد أوجلان، اليوناني الأصل غيانّيس راتشوتيس، قال حول تورط اليونان في قضية الاختطاف وتنفيذ المطالب التركية، وردة الفعل الشعبية تجاه تصرفات الحكومة اليونانية، "الكلُّ كان يسيطر عليه الشعور بالعار الشديد. في 1999، ولحظة سماعنا أن اليونان قامت بتسليم أوجلان إلى تركيا، خرجت مظاهرة جماهيريَّة كبيرة في ساحة الدستور، أمام مبنى البرلمان، وأجبرت ثلاثة وزراء على تقديم استقالاتهم؛ وزير الخارجيَّة، تيودوروس بانغالوس، ووزير الداخليَّة، آليكوس بابادوبولوس، ووزير الانضباط الاجتماعي، فيلليبوس بيتسالنيكوس. لقد كان ذلك عاراً كبيراً لحِق باليونان، ولربما كان الأكبر في تاريخها. بهذا القدر من الخيانة، لم تكن اليونان قد ارتكبتها أبداً، ولا أعتقد أن أيَّ دولة مدنيَّة قد ارتكبت خيانات بهذا الشكل، ولم يشهد التاريخ الأوروبي الحديث حادثاً كهذا.

في مسألة أوجلان، لم يكن هناك ثمَّة حجَّة تبرر تسليمه، ما عدا ذلك، قامت اليونان بتسليم أشخاص، يتمُّ البحث عنهم كإرهابيين، كعناصر حركة "RAF" الألمانيَّة، أو عناصر الكتائب الحمراء الإيطاليَّة. وكان هناك حجَّة أو ذنب، يبرر تسليمهم. لقد كانوا يقولون عنهم: إنهم قتلوا شخصاً، أو أشياء أخرى، أو تمَّت محاكمة أحدهم. لكن، فيما يتعلَّق بأوجلان، كان هناك علاقات وثيقة بين حزب العمال واليونان، وهنا مكمن الخيانة الكبرى. لم ترتكب دولة أخرى، شيئاً من هذا القبيل، لقد كان القائد أوجلان واثقاً من علاقته مع اليونان".

ألمانيا:

قامت ألمانيا باعتقال العشرات من كوادر ومؤيدي حزب العمال الكردستاني وزجت بهم في السجون، حيث أمضوا فترات طويلة فيها وأطلقت حملة حملت اسم "التصدي" أي التصدي لحزب العمال الكردستاني والقائد عبد الله أوجلان.

فألمانيا أرادت تشكيل كتلة كردية من الحزب الديمقراطي الكردستاني والحزب الاشتراكي الكردستاني ومن مخلفات حزب العمال الكردستاني ذلك ضمن خطة قانونية، لهذا أدركت أنها لن تستطيع السيطرة على حزب العمال الكردستاني وبذلت جهوداً حثيثة لمنعه ومحاولة شرائه وترويضه.

ولقد نفذت الممارسات ضمن إطار الغلاديو، ونظراً لأن مركز التنفيذ موجود في ألمانيا، فقد كانت الدولة الألمانية أول من قرر إعلان حزب العمال الكردستاني تنظيماً إرهابياً، إذ قامت ألمانيا ومركز شبكة غلاديو التابعة للناتو وامتداداتها في تركيا وقوى الأمن الداخلي التركي بجذبPDK إلى صفها، للشروع جميعاً في شن هجوم مضاد على حزب العمال الكردستاني ضمن إطار الخطة المرسومة.

الموساد الإسرائيلي:

مع الأعوام، كشفت أوراق المؤامرة الدولية بحق القائد واتضحت أدوار المتورطين فيها، وبدأ دور الاستخبارات الإسرائيلية يغدو واضحاً، إذ كتب الكاتب والباحث الأوروبي المعروف "جوردن توماس" الذي تحدث فيه عن كيفية اعتقال واختطاف القائد عبد الله أوجلان في العاصمة الكينية نيروبي بعد سلسلة من عمليات الموساد في عدد من الدول الأوروبية التي كان القائد يلجأ إليها، إذ يقول الكاتب: "أن رئيس الوزراء الإسرائيلي في تلك الأثناء، بنيامن نتانياهو، كان على اتصال دائم مع رئيس جهاز الموساد "أفرايم هاليفي" لغاية نهاية شهر تشرين الثاني عام 1998، وخاصة بعدما اتصل به رئيس وزراء تركيا الأسبق "بولند أجاويد" وطلب منه مساعدة الموساد في اختطاف القائد.

وحسب رأي الكاتب، فإن الأسباب التي دعت إسرائيل إلى تلبية طلب تركيا هي حاجة الأولى الماسة إلى تكوين علاقات قوية ومباشرة مع تركيا خدمة لاستراتيجيتها من أجل تطوير دبلوماسيتها في المنطقة، لذا وعد نتنياهو أجاويد بتلبية الطلب وأوعز إلى "أفرايم هاليفي" رئيس جهاز الموساد بأن يجد أوجلان بأي ثمن وتم تسمية العملية "بالسوداء".

أميركا

القائد عبد الله أوجلان، أجاب عن سؤال حول ماهية المصالح المشتركة لكل الأطراف في هذه المؤامرة، وبشكل خاص أميركا في مرافعة أثنيا، إذ يقول: "رأت أميركا هذه المساعدة والمعونة فرصة نفسية لا تعوض كي تربط تركيا بها باعتبارها الحليف الاستراتيجي لها، وبعملية التسليم هذه أوصلت مسألة الاستفادة من تركيا في فعالياتها المسيّرة في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى ودول البلقان، إلى الذروة، والأمر سيان في كل هذه النقاط بالنسبة لإنكلترا أيضاً. أما إسرائيل فقد برهنت من خلال دورها في هذه الحادثة على مدى أهمية ومصيرية العلاقة الاستراتيجية التي أقامتها مع تركيا.

إن دور العقل المدبّر لإسرائيل كان مثمراً في الساحات الأخرى وخاصة في كينيا. ولكن ما هي منفعة الجمهورية الهيلينية في ذلك؟ إنها وقبل كل شيء قد نفذت أمر أميركا التي هي تابعة لها، ومن ثم حصلت على المعونة الأميركية على وجه الخصوص في مسألتي قبرص وإيجة، لتحسب حسابها بأخذ المقابل بما يفيض عن الحاجة.

يكمن الموقف السافل الآخر في كلام بانكالوس (وزير الخارجية اليوناني سابقاً) حيث بين في جملته "الملاك الذي بجانب المسيح" علمه اليقين بأن مآلي النهائي هو الإبادة لا محال. وبموتي وأنا في حوزة تركيا كانت سياسة "قتل الكلب بالكلب" (أو كما يقال تأليب الكلاب على بعض ستجد مفعولها على نحو مكمل). فبقدر ما تقتل الكلاب بعضها، ستكون سياستها هي الرابحة في النهاية، يشير هذا الموقف بكل سطوع إلى أن المساندة المقدمة كانت تهدف إلى مصالح تكتيكية على وجه التمام، وأنها خالية من أي جانب إنساني ولو بمثقال ذرة. كل الحسابات دبرت ونظمت على أساس دخولي في مقاومة عمياء لتنتهي المسألة بموتي، حتى في الجرائد الصادرة في أثنيا نشرت مقالات تفيد بأنه تم تعداد الأيام الباقية على مماتي.

ويرى القائد أن: "ما هدفت إليه أميركا بمشروعها الشرق الأوسط الكبير هو إظهار القومويات المتصلبة والدويلات القوموية ودفعها إلى الاشتباك فيما بينها لتبقى هي المهيمنة في الشرق الأوسط على مدى قرن آخر، ويبدو جلياً أنه لا مكان لحركات التحرر في مثل هذا المشروع. ولهذا فإن هناك علاقة وثيقة بين مشروع الشرق الأوسط الكبير للولايات المتحدة، وتسليمي إلى تركيا بمؤامرة. علماً أن المرحلة التي ابتدأت عام 2003 تُصدِقُني القول. فكوننا نمثل البديل الحقيقي الثالث الذي يدافع عن الوحدة الديمقراطية للشعوب، في مواجهة التوازن الذي تفرضه قوى الهيمنة الدولية على شعوب الشرق الأوسط، أو خيار القوى الرجعية المحلية، فتح المجال أمام أن نكون هدفاً أيديولوجياً وسياسياً”.

روسيا

أما على صعيد البعد الاقتصادي للمؤامرة، فلا بد من الإشارة إلى أن المشاركين في المؤامرة اشتركوا معاً في مشاريع اقتصادية، فروسيا التي كانت تعيش ظروفاً اقتصادية صعبة جداً حصلت من خلال مشاركتها في هذه المؤامرة على مشروع "التيار الأزرق" وشاركت إيطاليا أيضاً في هذا المشروع.

ومشروع “التيار الأزرق” هو خط أنابيب الغاز الرئيس عبر البحر الأسود الذي يحمل الغاز الطبيعي من روسيا إلى تركيا. وأنشئ خط الأنابيب بواسطة شركة خط أنابيب التيار الأزرق، ومقرها هولندا، وهي شركة محاصصة بين غازبروم الروسية وإني الإيطالية.

وبدأ تدفق الغاز من روسيا إلى تركيا في شباط/ فبراير 2003، إلا أنه، وبسبب الخلاف على السعر بين روسيا وتركيا، فمراسم الافتتاح الرسمي في محطة دوروسو لقياس الغاز أقيمت في 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 2005. وحضر الافتتاح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ورئيس الوزراء التركي حينها أردوغان ورئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو بالسكوني.

ليس هذا فقط، بل حصلت روسيا على قرض من صندوق النقد الدولي بلغت قيمته 10 مليار دولار لقاء مشاركتها في هذه المؤامرة.

إلى جانب هذه الدول المتآمرة، فقد أدى الحزب الديمقراطي الكردستاني دوراً طليعياً في المؤامرة على القائد عبد الله أوجلان، من خلال تعاونه معها.

فالمؤامرة الدولية التي حيكت ضد القائد عبد الله أوجلان حملت بصمات استخبارات الإسرائيلية، والأميركية والبريطانية والكينية، واليونانية، وبدأت من قبل تركيا بحملة استهداف القائد في سوريا، بعد حصول تركيا على ضوء أخضر حينها من أميركا وإسرائيل للبدء بالمراحل المتقدمة لتصفية القضية الكردية وتعميق الشرخ بين الشعبين الكردي والتركي في تركيا وشمال كردستان لإحداث نقاط توغل جديدة في المنطقة، لتستمر المؤامرة مع تمكن تلك القوى من إخراج القائد أوجلان من سوريا بعد سلسلة من التهديدات التركية بالاجتياح، مروراً بمنعه من الحصول على حق اللجوء السياسي في كلّ من اليونان وروسيا وإيطاليا والعديد من الدول الأخرى على الرغم من موافقة برلماناتها على منحه هذا الحق الذي تكفله قوانين تلك الدول نفسها، لينتهي به الأمر في الأسر، بعد اختطافه في العاصمة الكينية نيروبي في 15 شباط عام 1999 بعدما تمكنت الفرق الخاصة للموساد الإسرائيلي من تعقبه واختطافه ومن ثم تسليمه إلى تركيا.

المراجع:

تحليلات القائد من مرافعته مانيفستو الحضارة الديمقراطية – القضية الكردية وحل الأمة الديمقراطية.

تحليلات القائد عبد الله أوجلان من مرافعة أثينا.

شهادات الكاتب والباحث الأوربي "جوردن توماس" حول دور الموساد في المؤامرة.

أبحاث للجنة بحوث العلوم الاجتماعية في أكاديميات المجتمع الديمقراطي المعنونة باسم "لن تستطيعوا حجب شمسنا".

ANHA