مجزرة ترندة وثيقةٌ حيّة لأبشع جرائم الدولة التركية

تمر السنوات ولا يندمل الجرح الذي خلّفه مغول العصر "دولة الاحتلال التركي" في كل بقعةٍ وطأتها أقدامهم أو جاوروها، إذ لا تزال أحداث مجزرة ترندة، وهي واحدة من عشرات المجازر في عفرين، راسخة في أذهان من عاش تلك الأيام.

مجزرة ترندة وثيقةٌ حيّة لأبشع جرائم الدولة التركية
السبت 22 كانون الثاني, 2022   02:40
الشهباء

من بين الركام والدخان المتصاعد في قرية ترندة الملاصقة لمدينة عفرين، صعد رفعت إبراهيم بسرعة، إلى الطابق الثاني من أحد المباني؛ قادماً من عمله ليرى من بعيد بعض الجثث المطروحة أرضاً أمام منزله الذي منعت قوى الأمن الداخلي أحداً من الاقتراب منه.

في الـ 8 من آذار/ مارس عام 2018 قصف الاحتلال التركي مركز مدينة عفرين وقرية ترندة، بعد 48 يوماً من بدء تركيا ومرتزقتها عدوانهم الوحشي ضد مقاطعة عفرين بالتزامن مع مقاومة تاريخية أبداها مقاتلو ومقاتلات وحدات حماية الشعب والمرأة.

لمحت عينا رفعت، وهو والدٌ لـ 4 أطفال، ابنه الأكبر حسين وقد تمزق جسده بفعل القذائف التي انهمرت على منزلهم، ليستوعب على الفور أن الجثامين على الأرض هي لأطفاله.

يقول رفعت إبراهيم إنه لن ينسى صوت ابنه حسين (17 عاماً) وهو الأكبر من بين أخوته، عندما كان ينادي "أمي أمي" قبل أن يستسلم للموت، وإلى جوار حسين، فقدت حلا (16 عاماً) التي قسمت القذائف جسدها إلى قسمين، وفرهاد (10 أعوام) حياتهما في مجزرة مروعة عنوانها "من هنا مرت الدولة التركية".

إلى جانب الشهداء، أصيب شقيقهم الأصغر رشيد إبراهيم (6 أعوام) في رأسه، ووصف الأطباء حالته "بين الحياة والموت"، بينما أصيبت والدتهم، بنفش جمو، برضوض في الجسم.

المجزرة على لسان الأسرة

عقب 4 أعوام من المجزرة، التقت وكالتنا أسرة رفعت التي تقطن قرية أم الحوش في مقاطعة الشهباء، في منزل مؤلف من غرفة واحدة ومطبخ، ففي برد الشتاء القارس يعمل رفعت، وهو في عقده الخامس، في أعمال الحفر في البلدية، ساعياً إلى تأمين لقمة العيش ومصاريف علاج ابنه رشيد.

لم يستطع رفعت إبراهيم الذي امتلأت عيناه بالدموع في البداية، التحدث إلى الكاميرا، ووصْف المجزرة التي خسر فيها 3 من أطفاله.

لكنه وافق بعد ذلك، أن يتحمّل الآلام ويتحدث هو وزوجته بنفش عن ذلك اليوم الذي ارتكبت فيها الدولة التركية مجزرة ترندة.

يتحدث رفعت عن اللحظات التي تلت المجزرة، قائلاً "عندما أدركت أن القذائف سقطت على منزلي، فقدت وعيي على الفور، وعندما عدتُ إلى رشدي، بعد نصف ساعة، سمعت أخي وابن عمي يقولان كيف بإمكاننا إخبار رفعت بذلك؛ لم يبقَ أحدٌ حيّاً، غير بنفش، حتى رشيد الصغير حالته حرجة".

مضيفاً "لقد دفنا أبناءنا في مزار الشهيدة آفستا في عفرين، وبعد ذلك بأيام هُجّرنا من ديارنا، وعلى تلة قريية من عفرين، نظرت للمرة الأخيرة إلى منزلي، وتذكرت المجزرة".

وتساءل رفعت إبراهيم "هل يعقل أن تهاجم تركيا بهذه الوحشية، أمام أنظار العالم، مساحة صغيرة بهذا الكم الهائل من الأسلحة والطائرات، الهدف هو الإبادة وليس الاحتلال فقط، لم يسلم أحدٌ من هذه الوحشية".

أمّا والدة الأطفال، بنفش جمو، فقد أعربت عن حزنها العميق من الحديث عن ذلك اليوم، وقالت بأنها وابنها فرهاد ذهبا قبل سقوط القذائف بدقائق؛ إلى أحد المحال لشراء بعض الحاجيات، وأن طفلها قد طلب منها أن تشتري له بعض البسكويت، لكنها لم تشترِ؛ لأن لم يبق لديها مال.

وعند العودة إلى المنزل، تصف بنفش لحظة سقوط القذائف قائلةً "كنت أحضّر الطعام لأطفالي، فجأة سمعتُ صوت قذيفة تقترب باتجاهنا، وما هي إلّا لحظات حتى انقلب المنزل رأساً على عقب، لقد كان مشهداً مروعاً، صراخ الأطفال والدخان يتصاعد، لقد رأيت فرهاد وقد قطعت القذيفة رجليّه ويديّه وهو لا يزال يناديني ماما ماما"

وتضيف بنفش "كيف سيكون شعور والدة تفقد 3 من أطفالها أمامها، ماذا أقول، فالله حقّ وأشكو مصابي إليه، لقد بقي لي طفل وحيد وهو مصاب في رأسه. ونعمل على علاجه، فهو الأمل الوحيد لنا، لكننا نواجه صعوبة في نقله إلى مدينة حلب كل مرة، لأن المصاريف كبيرة والتنقل صعب".

هذا، وتسبب العدوان التركي والمجموعات المرتزقة بتهجير أكثر من 350 ألف مواطن من ديارهم قسراً عام 2018، في أكبر عملية تهجير منذ اندلاع الحرب في سوريا عام 2011.

(كروب/م)

ANHA