​​​​​​​صراع روسي تركي.. أزمة أوكرانيا تلقي بظلالها على الساحة السورية

جاء التصعيد الروسي مؤخراً على المناطق التي تحتلها تركيا في سوريا على وقع دعم الأخيرة لأوكرانيا كما بقية شركائها في حلف الناتو، وفي هذا السياق، يرى الباحث السوري الدكتور أحمد الدرزي، إن المناطق المحتلة من سوريا قد تشهد تحولاً جذرياً في حال اصطفاف تركيا إلى جانب الغرب ضد روسيا.

​​​​​​​صراع روسي تركي.. أزمة أوكرانيا تلقي بظلالها على الساحة السورية
الجمعة 21 كانون الثاني, 2022   02:09
مركز الأخبار – شيماء علي

أصبحت سوريا ساحة لتصفية الحسابات بين القوى العالمية، إذ من غير الممكن فصل الصراع والخلافات التي تحصل بين القوى المتدخلة في الأزمة السورية خارج سوريا عن التصعيد والاستهدافات في الداخل السوري، مما يؤثر بشكل مباشر على الوضع في البلاد.

إذ إن دخول تركيا على خط الأزمة الأوكرانية أغضب روسيا وأشعل الصراع بينهما في الملف السوري، إذ أن روسيا تدعم حكومة دمشق في حين تدعم تركيا المجموعات المرتزقة وهيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً والمصنفة على لائحة الإرهاب الدولي).

هذا وصدّرت تركيا لأوكرانيا خلال السنوات الأخيرة، طائرات مسيّرة من طراز "بيرقدار"، في خطوة أثارت حفيظة روسيا.

وفي السادس والعشرين من تشرين الأول الماضي، نفذت طائرة أوكرانية مسيّرة (تركية الصنع) ضربة جوية استهدفت مدفعاً روسياً يستخدمه الأوكرانيون الموالون لروسيا في ضربة ألقت الضوء على نقطة اشتعال جديدة في صراع المنطقة.

وبالنسبة لروسيا، كانت هذه إشارة أخرى إلى أن أوكرانيا تعزز ترسانتها من أجل تغيير التوازن العسكري في المنطقة، حيث إن ضربات الطائرة المسيّرة توقفت فترة من الزمن، واستخدمت كييف طائراتها التركية للاستطلاع فقط.

وما يزيد التوتر، هو أن تركيا وأوكرانيا لا تمتلكان اتفاقاً يسمح لكييف باستخدام طائراتها كيفما شاءت فحسب، بل إن البلدين أيضاً يريدان إقامة مصنع للطائرات المسيّرة في أوكرانيا، مما دفع روسيا إلى اتخاذ خطوات عسكرية ضد تركيا.

رسائل روسية إلى تركيا

وصعّدت روسيا أواخر عام 2021 ومطلع 2022 قصفها على المنطقة المسماة "خفض التصعيد" وتحديداً قرب قواعد تابعة للاحتلال التركي، وبحسب مراقبين هذا التصعيد جاء على خلفية بيع تركيا طائرات مسيّرة لأوكرانيا واستخدام الأخيرة لهذه الطائرات لاستهداف "الأوكرانيين" الموالين لروسيا.

وفي 16 كانون الثاني / يناير رصد المرصد السوري لحقوق الإنسان، تنفيذ مقاتلة روسية لنحو 4 غارات جوية استهدفت المنطقة الواقعة بلدتي الفطيرة وكنصفرة في جبل الزاوية، جنوب إدلب، حيث توجد قواعد للاحتلال التركي في تلك المنطقة.

وعلى صعيد متصل، أشار المرصد إلى سقوط قذيفة صاروخية على قاعدة تركية في بلدة كنصفرة بجبل الزاوية جنوب إدلب، مصدرها قوات حكومة دمشق.

وبحسب مراقبين، إن توقيت الغارات الروسية المكثفة على إدلب كان الغرض منه تمرير رسائل لتركيا، التي دخلت على خط الأزمة الأوكرانية.

إدلب.. ورقة ضغط روسية

وتعليقاً على ذلك، قال الباحث السوري الدكتور أحمد الدرزي: "حتى نفسر ما يحصل ينبغي أن ننظر إلى اللوحة العامة في المنطقة والعالم ككل بما يتعلق في زيادة الهجمات العسكرية الروسية والغارات على مناطق حساسة في إدلب، الأمر لا يخرج عن إطار الصراع الدولي الكبير، خاصة بعد الإجراءات التي اتبعتها واشنطن في محاولتها حصار روسيا في أكثر من منطقة من مناطق العالم واستمالتها لتركيا التي تمتلك مجموعة من أوراق القوة في أسيا الوسطى وفي أوكرانيا وفي بقية المناطق للضغط على روسيا لفك تحالفها عن الصين".

وتابع الدكتور الدرزي: "الآن هناك تحول كبير بعد أن ألغت واشنطن مساهمتها في مشروع مد أنابيب الغاز من شرق المتوسط إلى أوروبا والذي يجمع بين مصر و(إسرائيل) وقبرص واليونان للضغط على واردات الغاز الروسي إلى أوروبا الذي يشكل المصدر الأساسي لتمويل روسيا، فهذا الأمر ما يحصل في إدلب هو شكل من أشكال الصدام والضغط على تركيا في نقاط الضعف والضغط على الولايات المتحدة الأميركية التي تؤمن الحماية للجماعات الإرهابية والمسلحة في إدلب التي هي الآن تحت الحماية الأميركية التي تعتبر إدلب قلعة من قلاع المعارضة السورية".

صراع أوكرانيا ينعكس على الملف السوري

وحول ارتباط هذا الخلاف بالتنافس الروسي – التركي في أوكرانيا وخصوصاً في ظل انزعاج روسيا من صفقة الطائرات التركية، أوضح الدرزي: "بطبيعة الحال أوكرانيا تمثل الخاصرة الرخوة لروسيا وهي بالأساس جزء من روسيا، وتشكلت الإمبراطورية الروسية من كييف فلا يمكن الفصل بين البلدين ولكن وجود نزعات قومية خاصة في غرب أوكرانيا واستغلال الولايات المتحدة الأميركية للتمدد باتجاه روسيا، ووضع قواعد الصواريخ قريبة وخلال دقائق تصل إلى موسكو دفع بموسكو إلى التشدد أكثر وأكثر لإلزام الولايات المتحدة الأميركية بالاتفاق الشفوي والوعود التي قطعتها واشنطن لبوريس يلتسن كي لا يمتد في أوروبا الشرقية، ولكن واشنطن نكثت بوعودها وتمددت في سبع دول وهي الآن تحاول الوصول إلى أوكرانيا لكي تكون من ضمن حلف الناتو".

وبيّن الدرزي أن أزمة أوكرانيا هي مسألة حياة أو موت بالنسبة إلى روسيا المحاصرة في كل المناطق، وقال: "من هنا يرتبط ما يحصل في إدلب وربما في المراحل القادمة في مناطق متعددة، بشكل أساسي حول الصراع الكبير حول مسألة أوكرانيا فليس هناك تنافس بل صراع كبير فيها".

ويرى مراقبون أن الصراع في سوريا مرتبط إلى حد كبير بالصراعات الدولية الكبرى بين الدول المتدخلة في الملف السوري (روسيا وأميركا وتركيا)، إذ أن أي صراع بين هذه الدول وفي أي منطقة أخرى حول العالم يؤثر بشكل مباشر وسلبي على الوضع في سوريا.

وعن ارتدادات الصراع الروسي التركي في أوكرانيا على الملف السوري، قال الدرزي: "هذا الصراع الكبير حتماً سوف ينعكس على سوريا. بانتظار موسكو التي تترقب السياسات التركية وهل ستعود للانزياح نحو الولايات المتحدة الأميركية بشكل كامل، وهذا ما قاله رجب طيب أردوغان أثناء عودته من صربيا بأن الانتماء الطبيعي رغم التاريخ والجغرافيا لتركيا هي ضمن الاتحاد الأوروبي، وسوف تبقى تحاول العمل على الانضمام إلى هذا الاتحاد وهنا حقيقة يبتز أردوغان حاجة الاتحاد الأوروبي إلى تركيا في صراعه مع روسيا والصين".

وأضاف: "وبالتالي قد نشهد نوعاً من التشدد الروسي والضغوط الروسية على أنقرة كي تلتزم بالاتفاقات التي تمت في شهر آذار عام 2020 لفتح طريق m4 والالتزام بكل الاتفاقات والتفاهمات التي حصلت في الشمال السوري".

وفي 5 آذار/ مارس من عام 2020، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس دولة الاحتلال التركي رجب أردوغان توصلهما إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في إدلب.

علاقة موسكو وأنقرة مرتبطة بعلاقة الأخيرة وواشنطن

وعن اتجاه التفاهمات الروسية التركية، قال الباحث السوري الدكتور أحمد الدرزي: "لا يمكن التكهن الآن في مستقبل هذه التفاهمات التركية الروسية فيما يتعلق بالشأن السوري. بانتظار التحولات التي يمكن أن تطرأ على علاقة أنقرة مع واشنطن بالدرجة الأولى، فإذا ما أعادت أنقرة اصطفافها الكامل مع محور الغرب فإن روسيا حتماً سوف تكون مدفوعة باتجاه التخلي عن هذه التفاهمات لعدم تنفيذها وربما نشهد تحولاً كبيراً في دعم تحرير إدلب بشكل كامل وتحرير عفرين وكل مناطق الشمال السوري اعتماداً على شرعية دمشق التي ترفض هذا الاحتلال الأميركي والاحتلال التركي".

وفي ختام حديثه، أكد الدكتور أحمد الدرزي إن ما يجري يمكن أن "يفرض على روسيا مزيداً من التحالف مع إيران في عملية إخراج الأميركيين من قاعدة التنف ومن شمال شرق سوريا. الأمر بحاجة إلى الانتظار والترقب حتى نرى مفاعيل ما يحصل بين الولايات المتحدة الأميركية وتركيا".

(ح)

ANHA