لبنان.. التفاوض مع الصندوق الدولي بلا خطة

ما يزال مصير المفاوضات مع صندوق النقد الدولي مجهولاً وعالقاً في المرحلة التقنيّة، في ظل غياب خطة حكومية للتفاوض عليها. فهل تدفع دعوة رئيس الحكومة اللبناني نجيب ميقاتي الأخيرة إلى عقد جلسة وزارية خلال أيام بعد إقرار الموازنة، عجلة المفاوضات مع الصندوق الدولي؟

لبنان.. التفاوض مع الصندوق الدولي بلا خطة
الإثنين 17 كانون الثاني, 2022   03:59
بيروت - زياد أبو غزالة

حلّ العام الجديد ليوثّق على ما يبدو صفحة جديدة من مشاكل لبنان السياسيّة والاقتصاديّة. فكما الكثير من الأزمات التي تعصف بالبلاد، ما يزال كل من التّعطيل الحكومي والمفاوضات مع صندوق النقد الدولي في مرحلة حساسة دون أي انفراجة تذكر.

فعلى الرغم من إعلان رئيس الحكومة اللبناني نجيب ميقاتي قدوم بعثة من الصندوق الدولي إلى لبنان، منتصف الشهر الجاري، لعقد أول اجتماع رسمي مع الجانب اللبناني، على أن تعود مطلع شباط/ فبراير المقبل؛ لوضع الصيغة النهائية للاتفاق، إلا أن هذا الأمر لا يقدم تطمينات بأي حال من الأحوال في مسار المفاوضات الثنائية، ففي الواقع، لا يوجد أي خطة حكومية رسمية للتفاوض عليها، في ظل استمرار الخلاف الكبير بين المسؤولين حول تقدير الأرقام وكيفية توزيع الخسائر، التي لم تقسم حتى اللحظة بين الدولة والقطاع المصرفي والمصرف المركزي والمودعين، الذين يفترض تحملهم أقل هذه الخسائر.

وفي هذا، يقول الكاتب السياسي علي الأمين في حديث لوكالتنا: "لا أرى أن الحكومة لديها طروحات واضحة بشأن المفاوضات غير شراء الوقت بانتظار الانتخابات. هناك غياب لأي نقاش جدي يستهدف الوصول إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي".

 وقد كان من المفترض أن تضع الحكومة خطة إنقاذ اقتصادية متكاملة تمهيداً لإرسالها إلى صندوق النقد الدولي للموافقة عليها، بالتوازي طبعاً مع قيام لبنان بإجراء بعض الخطوات تأكيداً لحسن النية تجاه الإصلاح الاقتصادي. إلا أن الحكومة لم تجتمع أبداً منذ تشكيلها في أيلول العام الماضي، بسبب إصرار الثنائي "حزب الله وحركة أمل" على إقالة المحقق العدلي في جريمة تفجير مرفأ بيروت القاضي طارق بيطار، كشرط أساسي للمشاركة في الجلسات الوزارية.

وتعليقًا على هذه المسألة يقول الأمين: "تعطيل الجلسات الوزراية يلبي بالدرجة الأولى مصالح حزب الله، الذي لا يريد الالتزام بأي اتفاقات دولية لا تفيد نفوذه، ولا يريد الدخول في مرحلة الانتخابات على وقع انقسامات جديدة حول الاتفاق مع صندوق النقد، ولا على إجراءات اقتصادية ومالية لا يريد تحمّل أعباءها على باب الانتخابات، في ظل وضع إقليمي لم تتضح معالمه بعد، وفي خضم مفاوضات نووية سوف يكون لها نتائج على المنطقة".

ماذا إن فشلت المفاوضات؟!

التضخم سيتضاعف ثلاث مرات وسترافقه حالات عجز مهولة في القطاعات كافة، هذا ما يتوقعه خبراء اقتصاديون للبنان حال فشل المفاوضات مع صندوق النقد الدولي. التوقعات مخيفة جداً وتكشف بعضاً من جوانب الكارثة الحقيقية التي يمكن أن تقع مستقبلاً ما لم يمنع الأطراف المعنيون حدوثها.

ويؤكد الخبراء أنه حتى إذا تم تقديم المساعدات المالية للبنان فإنها تذهب سريعاً إلى الغربال وتختفي، فالأمر الآن أكبر من ذلك بكثير ويحتاج إلى إصلاحات بنيوية على المستويات كافة، ولا يقتصر على أموال الدعم الخارجية.

سيناريو مرعب في وجه اللبنانيين، يمكن أن تكبحه بعض التطورات الإقليمية، وفقاً لما يرى مختصون، لا سيما في مجال ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، ومسار المفاوضات النووية مع إيران في فيينا. فالتفاوض مع صندوق النقد الدولي لا تحكمه ضوابط اقتصادية فحسب، وإنما سياسية أيضاً تخضع للسياسات الإقليمية والدولية المتداخلة على أرض لبنان.

أيام قليلة، وتستأنف المفاوضات مع صندوق النقد الدولي وتتضح بعدها الاحتمالات المستقبلية. وإلى ذلك الموعد، تواجه الحكومة اللبنانية تحديًا أساسيًّا يكمن في مواجهة التعطيل الوزاري وعقد أول الجلسات للاتفاق مبدئيًّا على خطة حكومية للتفاوض بشأنها.

أحجية الجلسات الوزارية.. تنعقد أم لا تنعقد

جميع الأمور معطلة في لبنان، لا خطة حكومية للتفاوض ولا جلسات وزارية. وبالعودة إلى الظروف الراهنة، لا مؤشرات تدل على انعقاد الجلسات قريباً، يؤكد الكاتب السياسي علي الأمين، ويقول: "المواقف السياسية من تعطيل جلسات مجلس الوزراء لا تشير إلى تطور يدفع نحو انعقادها في وقت قريب". ويضيف الأمين: "على الرغم من الاتصالات التي تجري بين ميقاتي وحزب الله، فإن قضية إقالة المحقق العدلي طارق بيطار ما تزال تشكل عنصر الأزمة التي لم يغير الثنائي الشيعي موقفه حيالها كمطلب لتحرير جلسات مجلس الوزراء من قبضة التعطيل".

وبالنسبة لدعوة ميقاتي إلى عقد جلسة وزارية يؤكد الأمين: "أن الرئيس ميقاتي يدرك العقبات هذه وهو لا يضع كل أوراقه في سلة انعقاد جلسة مجلس الوزراء".

على المقلب الآخر، وقبل أيام قليلة، شدد ميقاتي أمام زواره في القصر الحكومي أنه بات من الممكن تأكيد الدعوة المرتقبة لعقد جلسة مجلس الوزراء في غضون أيام قليلة. فميقاتي وبعد أن كان يصر على عقد الجلسات الوزارية بكل مكوناتها، يجد نفسه اليوم مضطراً إلى دعوة مجلس الوزراء، لأن القضية أصبحت تتعلق بالموازنة كاستحقاق دستوري وإجرائي للانتقال إلى التشريع.

وبالنسبة لميقاتي، فإن موضوع الموازنة هو حجر زاوية في ملف المفاوضات مع صندوق النقد الدولي. وفي آلية العمل، يفترض استشراف جميع النقاط اللازمة لبلورة الخطة الاقتصادية، وذلك خلال الجولة الأولى مع الصندوق الدولي. قبل الانتقال إلى تنفيذ البنود التي اتّفق بشأنها مع بعثة صندوق النقد، على أن تزور لبنان مجدداً في شباط/ فبراير المقبل، لتكون كما يأمل اللبنانيون الجولة الثانية والأخيرة.

(ح)

ANHA