الانتخابات الليبية.. ضبابية وغموض على وقع الخلاف الخارجي

لم يبق سوى يومين على الموعد المقرر فيه إجراء الانتخابات الليبية، ومع ذلك لم يتم تأكيد إجرائها أو تأجيلها، كما أنه لم تتوضح إلى الآن خريطة وطبيعة المرشحين، فما هي معوقات إجراءها والسيناريوهات المحتملة؟

الانتخابات الليبية.. ضبابية وغموض على وقع الخلاف الخارجي
الأربعاء 22 كانون الأول, 2021   03:52
مركز الأخبار - يحيى الحبيب

على الرغم من أن الموعد المفترض فيه إجراء الانتخابات الرئاسية لم يعد يفصل عنه سوى يومان (24 كانون الأول/ديسمبر الجاري)، لم تعلن المفوضية العليا للانتخابات مصير العملية الانتخابية حتى الآن، لكن رئيس اللجنة البرلمانية المكلفة بالتواصل مع مفوضية الانتخابات، عبد الهادي الصغير، اعتبر أن "تأجيل الانتخابات أمر واقعي اليوم".

وأضاف في تصريحات لتلفزيون ليبي ليل الجمعة، أن مجلس النواب "سيعقد جلسة رسمية برئاسة عقيلة صالح في 27 ديسمبر/كانون الأول الحالي‎"، للنظر في وضع الحكومة الحالي.

وقال: "اختيار حكومة جديدة إجراء قانوني باعتبار حكومة الدبيبة لتسيير الأعمال حتى يوم 24 ديسمبر/كانون الأول، وولاية الحكومة الجديدة ستكون مفتوحة إلى حين التجهيز للانتخابات".

مساران ليبيان

وفي هذا السياق يقول الباحث في العلاقات الدولية، الدكتور مصطفى صلاح: "عند الحديث عن طبيعة الأوضاع الحالية في الأزمة الليبية نجد أن هناك مساران، المسار الأول يتمثل في حشد الجهود الإقليمية والدولية مع بعض الأطراف الداخلية الليبية لضرورة إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في ٢٤ كانون الأول/ ديسمبر الجاري، في حين هناك بعض القوى الداخلية التي تريد تأجيل مثل هذا الحدث المفصلي والمنتظر منذ أكثر من عام فيما يتعلق ببداية حلحلة الأزمة وإيجاد مخرج سياسي أولي يمكن البناء عليه فيما يتعلق بتسوية الأزمة السياسية الليبية بصورة نهائية".

وأضاف في تصريح لوكالتنا: "هذان المساران هما المتحكمان بطبيعة مستقبل المشهد السياسي الليبي سواء على المستوى القريب أو البعيد وبالتالي فأن كفة أحدهما هي من ترجح، في حال حدوث الانتخابات أو عدم حدوثها هي التي ستوضح المشهد السياسي الليبي سواء على المستوى الداخلي أو فيما يتعلق بالانعكاسات الإقليمية والدولية".

تبعية للخارج واستقواء بالسلاح

وعلى الرغم من قرب موعد الانتخابات، إلا أنه وإلى الآن لم يتم تأكيد أي مرشح رسميًا، حيث لم تعلن عن قائمة المرشحين النهائية.

ويتنافس ما يقرب من 100 مرشح على الرئاسة وحوالي 5000 على الدوائر الانتخابية البرلمانية، ويأتي التصويت قبل أن تُحدد صلاحيات الرئيس القادم للبلاد بشكل واضح.

وذكرت صحيفة الاندبندنت أون صنداي، أنه في الأيام الأخيرة، نشرت الميلشيات المتنافسة في العاصمة طرابلس قوافل من الشاحنات الصغيرة المحملة بمدافع رشاشة، لتهدد بعضها البعض قبل التصويت المزمع في 24 من كانون الأول الجاري.

وفي جنوبي البلاد عززت قوات خليفة حفتر، وهو مرشح رئاسي، من انتشارها قبيل التصويت المدعوم من الأمم المتحدة، بينما لا تزال شحنات الأسلحة تتدفق من الداعمين الأجانب إلى البلاد، وذلك بحسب الصحيفة.

وتابعت الصحيفة: "يصف الموجودون على الأرض في طرابلس الأجواء بأنها متوترة. ويشعر كثيرون بالقلق من أن أي أخبار عن الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، إذا أُعلن عنها فجأة، قد تؤدي إلى تفاقم الوضع الخطير بالفعل".

وقالت: "سيف الإسلام القذافي من بين المرشحين البارزين مطلوب من قبل المحكمة الجنائية الدولية، بينما يستخدم الدبيبة موارد الدولة في حملته الانتخابية، ويسيطر حفتر على البنية التحتية الأمنية في شرق البلاد وغربها، وسيشرف على فرز الأصوات في الانتخابات التي يكون مرشحاً فيها".

وفيما يتعلق بالوضع على الأرض، فقد استأنفت الفصائل المسلحة المتنافسة في طرابلس اشتباكاتها لتهدد بعضها البعض وترعب المدنيين، الذين من المقرر أن يخرجوا من منازلهم ويصوتوا يوم الجمعة المقبل، بينما يواصل المرتزقة المتحالفون مع تركيا وروسيا - كلٌ منهما يدعم الفصائل المتناحرة - الحفاظ على وجودهم في البلاد حسب الصحيفة.

ويرى مراقبون، بأن هناك صراع وحسابات خفية وراء ضبابية وغموض الانتخابات الليبية، وتوضح ذلك بعد دخول سيف الإسلام القذافي إلى التنافس الانتخابي والذي يرفض الغرب والولايات المتحدة مشاركته كونه محسوب بشكل مباشر على روسيا.

ومن جهة أخرى، فإن الولايات المتحدة الأميركية تريد أن تجري هذه الانتخابات لتشكيل سلطة جديدة في البلاد تعتمد عليها في الملف الأمني ومواجهة النفوذ الروسي، وذلك بدلاً عن حكومة الدبيبة التي تشكلت نتيجة تفاهم روسي – تركي.

وحول التدخل الخارجي في هذه الانتخابات، قال صلاح: "الانقسام الداخلي الليبي هو بمثابة امتداد للتدخلات الخارجية في هذه الأزمة فهناك مرشحين تابعين بصورة أو بأخرى لتوجهات بعض القوى الخارجية وهو ما يزيد من صعوبة إجراء هذه الانتخابات خاصة في ظل عدم وجود أجندة وطنية لدى هؤلاء المرشحين وبالتالي اعتمادهم بصورة كبيرة على الدعم الخارجي والتدخلات الخارجية".

وأضاف في هذا السياق: "تركيا هي من أبرز الدول التي تدخلت في هذه الأزمة وساهمت في ترجيح بعض الأصوات تجاه التصويت نحو مرشح بعينه وتهيئة الظروف الداخلية لهذا الأمر من خلال ارباك المشهد السياسي الداخلي سواء فيما يتعلق بوجود مرتزقة في بعض الأماكن أو فيما يتعلق بتبعية بعض المرشحين فكريًا وتمويليًا لتركيا وهو الأمر الذي سيلقي بظلاله وبانعكاسات سلبية على مشهد إخراج هذا الحدث الهام بالنسبة لليبيا".

وحول هذه الانعكاسات، قال صلاح: "هذا الأمر ليس فقط ستظهر نتائجه على هذا المشهد السياسي الحالي ولكن في المستقبل فارتباط هذه الشخصيات بالدول الخارجية سيزيد من هذه التدخلات على الساحة الداخلية الليبية بما يعرقل مسار التسوية السياسية للأزمة وبالتالي فإن عدم التخلص من هذه التدخلات وهذا النفوذ الحاضر ميدانيًا في ليبيا سيؤدي بالتبعية إلى وجود تدخلات مستقبلية أو توجهات من شأنها أن تزيد من سيطرة أو نفوذ بعض القوى الإقليمية في هذه المرحلة أو المرحلة القادمة".

التأجيل.. الأسباب والتداعيات

وحول فرضية تأجيل الانتخابات، قال صلاح: "كما ذكرت في البداية، هناك مساران، المسار الأول يهدف إلى اتمام الانتخابات في موعدها المحدد لها وهو ما ظهر جليًا خلال بعض الممارسات الفعلية على الأرض سواء فيما يتعلق بتهيئة مراكز الاقتراع أو إعلان مسودة المرشحين أو فيما يتعلق بحشد الجهود الأمنية الداخلية وتوحيد المؤسسة العسكرية لتأمين خروج هذا المشهد السياسي بالصورة التي لا تقبل الطعن عليها فيما بعد وأن كان هذا الأمر سيشهد صعوبات عديدة".

وأردف قائلًا: "لكن هناك أسباب كثيرة وراء إمكانية تأجيل هذا المشهد الانتخابي بعضها يتعلق بالقدرات الإدارية للحكومة الليبية وعدم سيطرتها على الكثير من المناطق في الداخل الليبي وبالتالي حدوث بعض الانفلاتات الأمنية والسياسية فيما يتعلق بتوجيه الناخبين أو فيما يتعلق بتسوية بطاقات الاقتراع أو فيما يتعلق باتجاه بعض المرشحين للسطو على بعض مراكز الاقتراع ومنع وصول القضاة للإشراف على سريان العملية الانتخابية".

ويعتقد صلاح أن "هذه الدعوات جاءت في ظل فرضية مهمة وأنه لا يمكن إجراء عملية سياسية في ظل وضع أمني شديد الصعوبة وفي ظل انقسام مؤسسة الجيش على الرغم من وجود بعض الجهود الداخلية والإقليمية والدولية لتوحيد هذه المؤسسة ولكن هذا الأمر سيتسبب وينعكس بصورة سلبية على مدى إمكانية تأمين هذا المشهد الانتخابي وبالتالي هذه الأسباب في نظري هي وراء الدفع بهذا السيناريو".

وتابع: "في جانب آخر مهم وهي الدعوات التي أطلقتها بعض الجماعات خاصة جماعة الاخوان المسلمين لمقاطعة الانتخابات في تكرار لسيناريو ٢٠١٤ بعدما قامت بتنفيذ عملية فجر ليبيا والتي من شأنها الالتفاف وعدم الاعتبار للعملية السياسية التي كانت موجودة حين ذاك واعتقد أن هذا الأمر من أحد المسببات وراء التأجيل خاصة في ظل وجود حالة من عدم اليقين بمن يفوز في هذه الانتخابات ومدى قدرة المرشحين على القبول بالنتائج النهائية لهذه الانتخابات".

السيناريو الأرجح

وحول السيناريو الأرجح، قال صلاح: "أعتقد أن فترة التأجيل في حال عدم الانعقاد ستكون من ستة أشهر إلى عام لحين ترتيب بعض الأوضاع الأمنية والسياسية خاصة أن هناك بداية لتوحيد المؤسسة العسكرية وهناك تصريحات كثيرة من لجنة ٥+ ٥ التي تم تشكيلها لتوحيد المؤسسة العسكرية وإخراج المرتزقة وبالتالي أعتقد أن هذا الامر سيكون عامل حسم في المشهد السياسي الداخلي فمع توحيد المؤسسة العسكرية سيكون هناك قبضة أمنية مركزية على مراكز الاقتراع وتراجع كبير للمليشيات أو خروج هذه المليشيات من الداخل الليبي، وهذا الأمر سينعكس بصورة إيجابية على مسار الانتخابات وبالتالي اعتقد أن مدة التأجيل في حال عدم إجراء الانتخابات في موعدها المحدد ستتراوح ما بين ستة أشهر إلى العام مع تفويض الحكومة الموجودة في ليبيا بإدارة المشهد السياسي لحين إجراء هذه الانتخابات".

أما في حال إجراء الانتخابات في موعدها المحدد رغم ما تواجهه من تحديات يقول صلاح: "الدافع هو التزام القوى الإقليمية والدولية بضرورة تسوية هذه الأزمة والخروج بليبيا إلى مرحلة جديدة من واقعها السياسي الذي يشهد انقسامات داخلية وإن كانت هذه المرحلة هي بداية وليس النهاية فالانتخابات بالنسبة لليبيا هي مجرد إجراء سياسي يمكن من خلاله تهيئة العملية السياسية لمعرفة خريطة التفاعلات الداخلية الليبية وما يمكن أن تفرزه هذه الخريطة من تحديات".

وأضاف: "هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحًا فيما يتعلق بالمشهد السياسي الليبي خاصة في ظل وجود رغبة اقليمية ودولية فيما يتعلق بإجراء الانتخابات، في إدراك كبير لحجم التحديات في الداخل الليبي سواء فيما يتعلق بخريطة المرشحين أو فيما يتعلق بالتدخلات الخارجية أو فيما يتعلق بوجود مرتزقة وجماعات متطرفة ولكن الحل السياسي يبدأ بإجراء الانتخابات وإن كانت هذه الانتخابات ستشهد الكثير من الخروقات الأمنية والقانونية وعدم القدرة على بسط النفوذ الأمني على مراكز الاقتراع ولكن هذه ستكون حالة أو اثنين أو اكثر في بعض المناطق المعروفة من قبل، خاصة في مناطق مثل سبها وغيرها من المناطق التي شهدت الكثير من الخروقات الأمنية في الفترة الماضية".

وفي ختام حديثه، قال الباحث في العلاقات الدولية: "المشهد الآن يتطلب إجراء الانتخابات في موعدها حتى تتمكن القوى الفاعلة في الداخل الليبي من ترتيب نفسها سواء فيما يتعلق بالمرحلة القادمة مع تضافر الجهود الاقليمية والدولية نحو الضغط لتوحيد المؤسسة العسكرية من جانب وإيجاد آليات لتسوية الأزمة سواء فيما يتعلق بإخراج المرتزقة أو مواجهة والحد من التدخلات الخارجية في الأزمة الليبية".

(ح)

ANHA