​​​​​​​فصل الشتاء.. ضيف ثقيل على اللبنانيين

مع كل فصل شتاء يحل على لبنان، تشهد الطرقات والشوارع حوادث كثيرة، تبرز رداءة البنية التحتية. وبعد أن تنحسر العاصفة، يظهر التعطيل والتخريب، والأضرار في الممتلكات العامة والخاصة، عدا عن معاناة السكان في معظم المناطق، سواء على الطرقات أو في الأحياء والمساكن، وفي مخيمات اللاجئين السوريين والفلسطينيين على حد سواء.

​​​​​​​فصل الشتاء.. ضيف ثقيل على اللبنانيين
الجمعة 17 كانون الأول, 2021   06:02
بيروت - زياد أبو غزالة

"وأخيراً شتت".. عبارة تسمعها من الكثير من المزارعين اللبنانيين، بعد أن تأخر المطر هذه السنة، وفي موازاة فرحة بعض المزارعين بالأمطار، تبرز معاناة مزارعي الشتول وبيوت النايلون الذين تضرّرت مزروعاتهم بفيضانات الأنهار والسيول والرياح العاتية.

وكما أنّ الأمطار تأتي بالفرج لمزارعين بعد طول انتظار، فإنها أيضاً موسم لمعاناة المواطنين مع البنى التحتية والفوقية المهترئة، لا سيما مع فيضان الأقنية على الطرقات، وكذلك شبكة الكهرباء التعيسة، وما يحدث من انقطاع متواصل للتيار الكهربائي والانترنت طيلة فترة الأمطار. هذا بالإضافة إلى ما تسببه الأمطار والسيول الجارفة من زحمة سير على الطرقات.

فساد.. وتخطيط غائب

اللبنانيون ليسوا بحاجة إلى عاصفة ليدركوا عورات البنى التحتية التي تشغل حياتهم اليومية، ولا الفساد الذي ينخر الطبقة السياسية، لكن ما شاهدوه على الطرقات خلال أول عاصفة والتي لم تكن بالقوة المتوقعة في الأيام المقبلة، وأيضاً عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الافتراضي، بينت حجم الأخطار التي تهدد حياتهم بفعل عوامل مناخية ليست مفاجئة ولا مستغربة في مثل هذه الأيام من السنة.

وتقول المواطنة وفاء حمادة التي تسكن في العاصمة بيروت: "نحن ندفع دائماً ثمن غياب التخطيط في كثير من مجالات الحياة، وجاهزية الجهات المسؤولة ليست كما يجب، بمعنى أن السياسات في عملها قائمة على رد الفعل وليس على الفعل ذاته، والمبادرة بعمل إجراءات احترازية ووقائية، وهذا الأمر يندرج على مجمل السياسات والمخططات في هذا البلد".

وأضافت لوكالتنا أن "الشوارع غير مهيأة لسير السيارات والمشاة في الأوضاع العادية، فما بالنا في أوضاع الطوارئ والأمطار الغزيرة! وكل المرافق لا تُبنى ولا تُخطط أو تُنفذ أساساً للتعامل مع حالات طارئة مثل الأمطار والثلوج، وأول الأدلة على ضعف مواجهة الأمطار تعطيل المؤسسات والمدارس في المنخفضات العميقة؛ لأن مستوى تلافي الأزمة متدنٍ فعلاً. وفي رأيي إن مستوى الفعل ضعيف لدى مؤسساتنا ومخططينا، وكذلك مستوى ردة الفعل، وعلى هذا الأساس سنبقى في الحلقة المفرغة ذاتها".

من جهته المواطن باسم حايك أكد أن "عدم جهوزية البنية التحتية أمر واضح، وهندسة الطرق غير موجودة، وكمية الأمطار كشفت كل هذه المشاكل. ولم يبق شوارع والعديد من الأماكن كما شاهدنا، ودرجة الصمود انهارت من أول هزة لهشاشتها، ولا مواصلات داخلية وبخاصة القرى والشوارع ضيقة جداً. أما المسؤولية فالمواطن يتحمل جزءاً منها، والحكومة الجزء الأكبر بسبب عدم صرامتها مع المقاولين والمهندسين".

فيما يقول الصحافي هاشم عيساوي: "إن الفيضانات كانت غير طبيعية، وما زاد في الطين بلة عدم وجود شبكة تصريف مياه الأمطار، الذي يتم عبر شبكات الصرف الصحي، ما يُقلل من قدرتها على استيعاب كميات كبيرة من المياه".

وأضاف أن "مَنْ لا يخطط، عليه أن يتحمل مسؤولية أفعاله، ومن يسمح تحويل الوديان إلى منازل، ولا يراقب جودة المقاولين والمهندسين، عليه أيضاً أن لا يتهم المطر والسيول بأنها السبب وراء محنته؛ والسبب باختصار أنه لم يعمل بقاعدة: "إن تزرع تحصد، وإن تدرس تنجح، وإن تخطط تنجو بجلدك!".

حركة الملاحة لم تسلم

وحالت العاصفة التي تضرب لبنان دون تمكن سفينة تجارية من دخول حرم مرفأ صيدا الجديد وأخرى من مغادرته.

وقالت "الوكالة الوطنية للإعلام" إن سفينة ضخمة تحمل اسم "الأميرة فرح" كانت وصلت إلى المياه الإقليمية اللبنانية قبل بدء العاصفة، وكانت وجهتها حوض مرفأ صيدا لتحميل أكثر من 7000 طن من حديد الخردة، لكن العاصفة دهمتها قبيل دخولها حرم المرفأ المذكور فطلبت اللجوء إلى مرفأ بيروت للاحتماء من الأنواء البحرية.

وبحسب الوكالة الوطنية، فإن سفينة أخرى كانت قد وصلت إلى مرفأ صيدا قبل ثلاثة أيام لإفراغ حمولتها من الصخور، لم تتمكن من مغادرة حرم الميناء بسبب ارتفاع الموج وسوء الأحوال الجوية، فأجلت إبحارها لحين تحسن الطقس.

وأحجم صيّادو الأسماك في مرفأي العبدة والعريضة بعكار، عن تسيير مراكبهم بسبب الأمطار والأمواج العاتية، مُفضّلين المكوث في المنازل إلى حين هدوء العاصفة والأمطار قبل أن يزاولوا أعمالهم مُجدّداً.

الأمطار داخل المنازل

الضيف الثقيل على لبنان، لم يترك – بطبيعة الحال - المخيمات الفلسطينية والسورية؛ إلا حل بها وعاث بها أضراراً، والسبب افتقادها أيضاً للبنية التحتية.

ففي جنوب لبنان، أدى تساقط الأمطار الغزيرة إلى تجمع المياه وطوفان المجاري في أغلب أحياء المخيمات وشوارعها الملاصقة تماماً لمداخل البيوت.

وتسببت انسدادات المصارف في دخول المياه إلى عشرات المنازل الأرضية، إلى جانب انهيار أسقف العديد من المنازل جراء تهالكها.

أحد المتضررين، الذي عرّف عن نفسه باسم "أبو حسين" يقول لوكالتنا: "إن المشكلة الرئيسية تكمن في عدم وجود قناة تستوعب كمية المياه الكبيرة التي تجري من أعلى البساتين"، مشيراً إلى أن المياه دخلت إلى معظم أجزاء منزله، وأتلفت عدداً من المقتنيات فيه، ولم تلق نداءاته المتكررة أي آذان صاغية لحل هذه الأزمة المتكررة كل سنة".

أما سميرة محمد، وهي متضررة أيضاً، فأوضحت أن "مطالبات الأهالي القاطنين في تلك المنطقة بسيطة، وهي إنشاء قناة تستوعب كمية المياه الكبيرة التي تتسبب بها الأمطار، لتحول دون جريان المياه إلى داخل المنازل".

وأكدت أن "أبرز أسباب تجمع المياه، هو انسداد المصارف؛ بسبب هطول الأمطار الغزيرة دفعةً واحدة، وعزت انسداد المصارف إلى رمي أكياس النفايات المنزلية، ومخلّفات الطعام داخلها، الأمر الذي يراكم الأوساخ، ويسدّ شبكات صرف المياه".

وطالبت المعنيين بتوفير حاويات في شوارع المخيمات؛ لاستيعاب النفايات ومخلّفات الطعام، بدلاً من رميها عشوائياً في المجاري.

من جهته، قال مسؤول اللجان الأهلية في المخيمات، محمد الشولي، إن "الطوفان يعود إلى غزارة الأمطار، التي فاقت قدرة قنوات وشبكات المياه على استيعابها".

ودعا الشولي إلى تنظيف المصارف بشكل دوري، وإعادة تأهيلها بعد جرف الأمطار الغزيرة لكميات كبيرة من الأتربة والنفايات والمخلفات المنزلية، ما أدى إلى انسداد القنوات في كثير من أحياء المخيم.

ويحتاج لبنان - بلا شكّ - للاستثمار في بنيته التحتيّة المتهاوية، ويمكن الافتراض منطقيًّا أنّ العبء الإضافي الناشئ عن استضافة أعداد كبيرة من النازحين، يستدعي تدخّلاً أكبر، ويتطلّب مزيدًا من الدعم من المجتمع الدولي. غير أنّه لا بدّ من توجيه الاستثمارات الّتي يحتاجها نحو تخفيض الخسائر المنهجيّة، وتشجيع الخيارات الّتي تتسم بالوعي وتضمن التجدد بيئيًّا.

وكذلك، يتعيّن توزيع الاستثمارات بحكمة على المشاريع الّتي يتمّ اختيارها على أساس رؤية اقتصاديّة وإيكولوجيّة متكاملة. لم يفت الأوان بعد لمراجعة الخطط. فإن أراد لبنان أن يفرض على أبناء شعبه عبء تسديد هذه القروض، فليضمن على الأقلّ أنّ الأموال ستُستخدم لتحسين مستقبلهم.

(ح)

ANHA