​​​​​​​بين منفتح على الحوار ومتعنت ومتمسك بذهنيته .. إلى أين تتجه الأزمة السورية؟

بين سعي الإدارة الذاتية إلى حل الأزمة السورية وعرقلة حكومة دمشق، يبقى مصير أبناء سوريا مبهماً، مع استمرار الأخيرة في تعنتها وتمسكها بسياساتها التي افتعلت حرباً دامية استمرت عقداً كاملاً، مخلفة نحو نصف مليون قتيل ودماراً في البلاد، وانصياعها للأطراف المستفيدة من استمرار الأزمة مقابل السلطة.

​​​​​​​بين منفتح على الحوار ومتعنت ومتمسك بذهنيته .. إلى أين تتجه الأزمة السورية؟
السبت 4 كانون الأول, 2021   02:02
ليلاف ديواني- جودي إسماعيل

منذ أعوام، تدعو الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا حكومة دمشق للجلوس إلى طاولة الحوار؛ لإيجاد حل جذري للأزمة السورية، بينما الأخيرة لم تصدر أي تصريح بقبول الحوار، بل على العكس تتمسك بذهنيتها السابقة.

وكان عضو هيئة الرئاسة المشتركة لحزب الاتحاد الديمقراطي، آلدار خليل، قد أكد في تصريح سابق لوكالتنا أن الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا وحزب الاتحاد الديمقراطي جاهزان للحوار مع دمشق بشكل مباشر، منوهاً إلى أن الإدارة الذاتية مشروع ديمقراطي مهم لعموم سوريا.

ويرى مراقبون وسياسيون أن حكومة دمشق تؤدي دوراً سلبياً بإصرارها على حل الأزمة السورية وفقاً لذهنيتها وسلوكها المستغل للوضع المتردي لأبناء سوريا، في سبيل توسعة نفوذها واتباع إجراءات مصالحة خالية من المعايير الوطنية. 

تسويات لا جدوى منها تلائم أطراف آستانا

ونقلت حكومة دمشق بدعم روسي في منتصف شهر تشرين الثاني/ نوفمبر نموذج التسويات – الذي لا جدوى منه- والذي طبقته في محافظة درعا إلى دير الزور المختلفة وضعها عن الأولى.

واستهدفت ما تسمى "التسويات" التي فرضتها حكومة دمشق بضغوطات روسية، خلال شهر أيلول، المطلوبين من المدنيين للخدمة الإلزامية والاحتياطية، والمسلحين المحليين في درعا. وتعتبر هذه "التسويات" الجديدة مشروعاً روسياً بامتياز، أطلقت موسكو مساره قبل سنوات عديدة، خاصة عقب السيطرة على الغوطة الشرقية وريف مدينة حمص، وأخيراً في درعا، والآن في مدينة دير الزور.

/ar/uploads/files/2021/12/03/201329_smyr-azam.webp

وفي هذا السياق، يوضح منسق تجمّع السوريين العلمانيين الديمقراطيين في السويداء سمير عزام، في تصريح لوكالتنا غاية حكومة دمشق وحليفيها الروسي والإيراني من إجراء هذه "التسويات"، ويقول: "هذه التسويات بالأساس خطة روسية - أطلقت روسيا على قاعدة حميميم مركز مصالحات حميميم - متوافق عليها مع النظام؛ لوأد المطالب المحقة والمشروعة التي رفعها الحراك في الأشهر الأولى من عام 2011 بالتغيير والعدالة والحرية، والتي أجهضتها عمليّاً فصائل الإسلاميين بتحويل الحراك إلى الجهاد والإرهاب وقدمت للنظام ما أراده وسعى إليه منذ بداية الأزمة".

وانتقد عزام ما تسمى عمليات "التسوية" قائلاً: "فبدلاً عن أن تكون القضية إيجاد حل للأزمة يفضي إلى تحقيق مطالب السوريين، أصبح الحديث يدور على إجراء مصالحات وتسويات للمسلحين والإرهابيين من منطقة إلى منطقة أخرى داخل سورية لاستخدامهم بما يلائم مصالح أطراف مقايضات أستانا "روسيا- تركيا- إيران".

ويرى عزام أن المسلحين المحليين لم يجلبوا إلى مناطقهم سوى الدمار والتهجير، وأن أمرهم بات منتهياً كما في أرياف دمشق وحمص، معتقداً أن الأزمة في درعا ستعود إلى المربع الأول "المطالبة بتحقيق التغيير والعدالة والحرية".

درعا على صفيح ساخن ومصير دير الزور مقلق

ولا تزال مدينة درعا الخاضعة للتسويات على صفيح ساخن، إذ تشهد حالة من الفلتان الأمني وتصاعد للاغتيالات آخرها كان مقتل 4 مدنيين في هجومين منفصلين في مدينة الصنمين، وقصف لقوات حكومة دمشق على مدينة نوى، بالإضافة إلى رفض عدد من المسلحين المحليين إجراء التسويات التي أعلنت حكومة دمشق عن انتهائها في 26 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، وهذا مؤشر على أن ما تسمى عمليات "التسوية" لم تجلب أي حالة استقرار في درعا.

وبحسب إحصائيات المرصد السوري لحقوق الإنسان، فقد ارتفع تعداد الذين قتلوا وقضوا بأساليب مختلفة منذ بدء الاتفاق الأخير في درعا إلى 69 هم 36 مواطناً، من ضمنهم طفلان ومواطنتان، وبعضهم كانوا مسلحين محليين سابقين وباتوا مدنيين بعد عمليات "التسوية" السابقة، و29 من عناصر قوات حكومة دمشق و"الفيلق الخامس" المدعوم روسياً، و4 من المسلحين المحليين الرافضين للتسويات.

واجتمعت كل هذه الأسباب معاً لتثير مخاوف السوريين من "التسوية" الجديدة التي تنفذها حكومة دمشق في دير الزور بأن تكون فخاً يجري نصبه للإيقاع بالشبان على غرار ما فعلته حكومة دمشق بالكثير من مناطق "التسويات".

وشهد المقر الذي بدأت فيه "التسوية" (الصالة الرياضية) في منتصف الشهر الفائت حضوراً خجولاً لعشرات الأفراد فقط، قادمين من مناطق نفوذ الإيرانيين في دير الزور.

وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان إنه "من المقرر أن التسويات التي انطلقت في مدينة دير الزور ستنتقل بعدها إلى الريف الغربي، ثم إلى مدينتي البو كمال والميادين وأريافهما، وصولاً إلى الريف الشمالي".

"العودة إلى الحكم الاستبدادي وافتعال حرب خاصة"

ويرى محللون أن هدف حكومة دمشق من هذه التسويات هو إخضاع السوريين لمطالبها وحكمها الاستبدادي، ويشيرون أن نقل هذه التسويات إلى دير الزور بالتزامن مع التهديدات التركية لشمال وشرق سوريا هو أحد اساليب الحرب الخاصة التي تتبعها حكومة دمشق على أبناء شمال وشرق سوريا من أجل ثنيهم عن مواجهة أي عدوان تركي جديد على المنطقة.

/ar/uploads/files/2021/12/03/201305_hsyn-alazam.webp

وفي هذا السياق، بيّن عضو المجلس الرئاسي لمجلس سوريا الديمقراطية، حسين العزام، هدف حكومة دمشق من الترويج لهذه التسويات التي لا نفع منها في دير الزور، وخاصة عقب التهديدات التركية لشمال وشرق سوريا، قائلاً: "حكومة دمشق تحاول استغلال التهديدات التركية على مناطق شمال وشرق سوريا لتبرز كقوة فاعلية على الساحة، مستغلة ضعاف النفوذ لاستقطاب البعض إلى جانبها".

وأكد العزام أن حكومة دمشق "لن تفلح من وراء هذه السياسة التي تتبعها في دير الزور؛ لأن تماسك أبناء المنطقة وقربهم من الإدارة الذاتية كان أوفر حظاً لهم".

ومن جانبه، يرى سمير عزام أن أهداف حكومة دمشق من انتهاج هذه السياسة ما هو إلا "إعادة إخضاع السوريين لحكم الاستبداد مجدداً ويلقى- النظام- دعماً ومساندة للوصول إلى هدفه من حليفيه روسيا وإيران، بالتفاهم والتنسيق مع تركيا؛ لأن هذه الأطراف الثلاثة تحقق مصالحها القومية من خلال نظام ضعيف فرّط بالسيادة الوطنية، ومستعد لتلبية مطالبهم ومصالحهم غير المشروعة في سورية مقابل بقائه في السلطة".

وركز عزام على سياسة أطراف آستانا في سوريا، قائلاً: "لم يعد خافياً على أحد أن أطراف آستانا متوافقين ومتعاضدين على مساندة بعضهم البعض، ففي المناطق التي سيطرت عليها فصائل الإسلاميين، اتبعوا خطة المطرقة الإيرانية والسندان الروسي لتسليم تلك المناطق إلى النظام ونجحوا في إخراج الإرهابيين إلى مناطق أخرى وإجراء تسويات للمسلحين الذين وافقوا على إجراء تسويات مع النظام".

وأضاف: "واستخدموا في مناطق الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا المطرقة التركية والسندان الروسي لتسليم تلك المناطق إلى النظام أو احتلالها من قبل تركيا ومرتزقتها الدواعش".

ونوّه سمير عزام إلى أن خطة أطراف آستانا لن تنجح في مناطق الإدارة الذاتية، معزياً السبب إلى أمرين جوهريين، الأول أن قوات سوريا الديمقراطية حررت مناطق شمال وشرق سوريا من الإرهاب بدعم ومساندة من التحالف الدولي، والثاني أنها قوة تحمل مشروعاً سياسياً يلبي مطالب مكوناتها وحواضنها في التغيير والعدالة والحرية.

بين منفتح على حل الأزمة السورية ومتعنت

وتأتي هذه "التسويات" أو ما يطلق عليه "بالمصالحات" في الوقت الذي تحاول فيه الإدارة الذاتية إيجاد حل جذري لإنهاء الأزمة السورية من خلال دعواتها لحكومة دمشق للجلوس إلى طاولة الحوار.

وفي 23 من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، التقى وفد من مجلس سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية وزير الخارجية الروسية ونائبه لشؤون الشرق الأوسط في موسكو بعد دعوة رسمية من الأخيرة، بحثا خلال اللقاء، الثاني من نوعه، سبل حل الأزمة السورية وتفعيل الحوار.

وركز الجانبان خلال الاجتماع على الكثير من النقاط المشتركة، أهمها الحوار السوري - السوري ودعم موسكو وتشجيعها على الحوار بين مسـد وحكومة دمشق والاعتماد على قرار مجلس الأمن الدولي 2254، وإشراك مسد في العملية السياسية وتمثيله بشكل وازن في المسارات الدولية كطرف أساسي وفاعل في المشهد السوري.

ويؤكد حسين العزام أن الادارة الذاتية منفتحة على الحوار مع حكومة دمشق منذ اليوم الأول لتأسيسها، وأن مفتاح حل الأزمة السورية وإنهاء حالة الصراع المسلح يأتي من الحوار السوري - السوري في دمشق وليس في جنيف ودون شروط مسبقة وأن يكون مبنياً على الثقة وحسن النوايا، وقال: "إلا أن حكومة دمشق لم تبدِ استعدادها لهذا الحوار إلى الآن".

ويعتقد العزام "بأن حكومة دمشق ليست قادرة على حل الأزمة بمفردها في ظل هذه الظروف إذا لم تنصَع الى مفاوضات يشترك فيها أطراف النزاع، ويكون الحل السلمي الديمقراطي هو سيد الموقف الذي كان قد طرحه مجلس سوريا الديمقراطية".

ومن جهته، يقول سمير عزام أن "النظام لا يقبل الحوار وغير قابل للتغيير من تلقاء ذاته؛ بسبب طبيعته الاستبدادية وهو غير مستعد للتشارك مع السوريين بأي حل؛ لأن من شأن ذلك انهيار سلطته المطلقة واستئثاره بالقرار السياسي ومصير سوريا ويلقى بذلك مساندة وتأييداً من روسيا وإيران وتركيا كل لأهدافه ومصالحه الخاصة".

وحذر سمير عزام من أن "عدم التوصل إلى حل عادل للأزمة السورية في وقت قريب، يحقق للسوريين بمكوناتهم ومناطقهم الحرية والعدالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، ستتجه الأمور إلى الشروع بحلول متجزأة ومناطقية للأزمة، إذ لا يعقل ترك معاناة الناس بالعوز والجوع دون حلول".

"روسيا تماطل للحفاظ على وجودها"

وتأتي "التسوية" الجديدة في دير الزور في سياق تطورات ميدانية على الأرض، إذ تأتي عقب محاولات متكررة لروسيا للدخول إلى مناطق الريف الغربي من المدينة.

ويقول سمير عزام "روسيا ضامنة إبقاء النظام بالسلطة وتسعى بلا كلل ولا ملل إلى إعادة سيطرته على كامل الجغرافية السورية والسبب، كون رئيس النظام وحده في سوريا يمكنه تجيير الأصول والثروات الوطنية السورية لها، وذلك لأمرين، الأول، أنه معترف به من الأمم المتحدة".

ويتابع: "والثاني، كونه مستعد لذلك مقابل إبقائه بالسلطة، وجل ما تطالب به روسيا بعض الإصلاحات الشكلية التي لا تمس سلطة رئيس النظام المطلقة؛ لأنها لن تتمكن من الوصول إلى ذلك إلا إذا كانت سلطته مطلقة، والوعود التي تطلقها روسيا لبقية أطراف الصراع المحليين وللدول الإقليمية والدولية هي للتسويف وكسب الوقت".

في حين يشدد حسين العزام على ضرورة أن تتخلى روسيا عن موقفها النظري القاضي بكف اليد وعدم التدخل تجاه التطورات السياسية في سوريا من أجل حدوث مقاربة جديدة في سوريا، وقال: "روسيا بحاجة إلى العمل بشكل وثيق مع جميع الأطراف في المنطقة لضمان دعمها لعملية السلام في سورية، وينبغي أن تتم إدارة العملية من جانب الأمم المتحدة بغية تحسين صدقيّتها".

ويرى حسين العزام أنه "ثمة أمور كثيرة تتوقّف على مواقف وسياسات الحكومة الروسية تجاه التطورات الأخيرة في سورية، هناك تفاهمات وخطوط عريضة متفق عليها بين موسكو ودمشق بمجملها تصب في مصلحة النظام، وباعتقادي روسيا وجدت لنفسها موضع قدم في سورية لن تبرحه ولا تريد أن يعكر مصلحتها إرضاء أي طرف آخر، أو يعكر صفو تقاربها مع دمشق، طالما أنها المستفيدة ولأمد بعيد، ولكنها تظهر للعيان أنها طرف ضامن للحل والتقارب كوسيط عادل بين النظام وبعض الأطراف ونحن من جملتهم".

الحل يتمثل بالحوار والقرار 2254

ويرى عضو المجلس الرئاسي لمجلس سوريا الديمقراطية، حسين العزام، أن الحل الأمثل للوضع الحالي في سورية يتمثل بالحوار السوري- السوري في دمشق؛ للوصول إلى اتفاق بمختلف الصيغ وضمان الحقوق المشروعة لكافة المكونات وتقبل وجهات النظر وأن تكون القواعد غير مشروطة للوصول إلى سورية تعددية ديمقراطية موحدة خالية من الإرهاب حدودها مصانة.

ومن وجهة نظر منسق تجمّع السوريين العلمانيين الديمقراطيين في السويداء سمير عزام، فإن الحل الأمثل للأزمة السورية يكمن في "تطبيق قرارات مجلس الأمن الدولي وبالأخص القرار 2254 الذي نص على تشكيل هيئة حكم انتقالي وكتابة دستور جديد لسوريا، والتي عملت روسيا وشريكتيها "إيران وتركيا" بالقفز عن القرارات الشرعية الدولية والذهاب لإيجاد حل بديل "مقايضات "آستانا" ذات النتائج والصيت السيئ".

(ح)

ANHA