​​​​​​​الشارع السوداني يقطع الطريق على "البرهان" و"حمدوك"

يرتدي السودان عباءة الانقلاب، والانقلاب على الانقلاب. فيخرج الشارع غاضباً لا يريد أن يعيش في عباءة البلاد هذه، بعد أن حلم بثورته وسعى إليها وخاب أمله، ولسان حاله "لا تفاوض.. لا شراكة.. لا شرعية".

​​​​​​​الشارع السوداني يقطع الطريق على "البرهان" و"حمدوك"
الجمعة 3 كانون الأول, 2021   07:33
مركز الأخبار - زياد أبو غزالة

وعلى وتيرة واحدة، بل وربما بنسق متصاعد، تستمر في أنحاء السودان التظاهرات الرافضة للاتفاق السياسي بين رئيس المجلس السيادي قائد الجيش الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، ورئيس الحكومة عبد الله حمدوك.

وفي مصغرة للحدث الأكبر في السودان، غصت الخرطوم بالمحتجين على اتفاق البرهان حمدوك. الحراك الشعبي امتد إلى القصر الجمهوري، فيما أغلق المتظاهرون الشوارع بالحواجز الاسمنتية وأحرقوا إطارات السيارات. أما على المقلب الآخر، فتواصل عناصر الشرطة الاعتداء على المتظاهرين، وبخاصة في محيط القصر الجمهوري وتوقع إصابات بالجملة، وذلك على الرغم من الدعوات السياسية السابقة إلى تأمين التظاهرات وحماية المشاركين فيها من بطش الآلة العسكرية.

أياً كان ما يجابهون به، يصر المتظاهرون على مطالبهم، ويمضون بها إلى آخر الطريق، وعلى رأس نداءاتهم إنهاء الانقلاب العسكري والعودة إلى الحكم المدني في السودان. وترفض قوى الحرية والتغيير مجموعة المجلس المركزي الاتفاق السياسي الأخير، مشددة على أنه لم يأتِ على ذكر الأزمة الناشئة عن انقلاب الـ 25 من شهر تشرين الأول الماضي أو يتطرق إلى حلها، ما يعزز أكثر حقيقةَ أن الانقلاب كان التفافاً على ثورة الشعب. وعليه؛ فالتصعيد الجماهيري مستمر، تقول قوى الحرية والتغيير في البلاد، مؤكدة أنها ستواصل ما بدأت به حتى "زوال الطغمة الانقلابية الجاثمة على صدر الوطن".

ولا يهم من هي الطغمة الانقلابية، فوفقاً للجان المقاومة الوطنية في الخرطوم، لا فرق بين حمدوك والبرهان وحميدتي والجنرالات الآخرين. فجميعهم، كما تقول اللجان، انقلابيون، يجب أن يحاكموا.

وعلى تنوعها، تتهم القوى الثورية السودانية الجهة العسكرية برمي حجرات عثرة في طريق التحول المدني الديمقراطي. في ظل إصرار واسع على محاكمة قادة الانقلاب، بتهمة تقويض شرعية العملية الانتقالية وقمع المتظاهرين. وإن عودة البرهان إلى منصبه في رئاسة الحكومة بحسب ما تراه القوى الثورية، ليس إلا مخالفة للوثيقة الدستورية.

ولكن لكلٍّ وجهة نظر، فالانقلاب ومخالفة الوثيقة الدستورية لدى الأطراف السياسية الرئيسة نوع من الدبلوماسية لحفظ الأمن في البلاد. فحمدوك ذهب إلى أن توقيع الاتفاق هو الطريق الأفضل لحقن الدماء، والحفاظ على مكتسبات العامين الماضيين، وأشار في أكثر من معرض إلى أن التحول الديمقراطي أبرز ما ستركز عليه حكومة كفاءات مستقلة.

اتفاق سياسي أم اتفاق على إبطال السياسة

بعد قطيعة بينهما استمرت نحو شهر، عقد البرهان وحمدوك الذي كان خضع للإقامة الجبرية، اتفاقاً سياسياً. حظي بدعم دولي من الأمم المتحدة والسعودية ومصر والإمارات، فيما قسّم الشارع وألهبه.

ويشمل الاتفاق الجديد 14 نقطة، أهم ما تنص عليه تشكيل حكومة تكنوقراط مستقلة، والعودة إلى الوثيقة الدستورية الموقّعة عام 2019 مع التعديلات الخاصة بها. وقد منح الاتفاق مجلس السيادة الانتقالي سلطة الإشراف على تنفيذ مهام الفترة الانتقالية بلا تدخل في العمل التنفيذي. على أن يضمن انتقال السلطة للمدنيين وانتخاب حكومة نهاية الفترة الانتقالية، الفترة التي ما تزال موضع خلاف حتى اللحظة. بالإضافة إلى ذلك، تضمن الاتفاق بند يتعلق بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين كافة، وتحديد إطار شراكة العسكريين وإكمال تطبيق اتفاق سلام جوبا.

قد يبدو هذا كله إطاراً ديمقراطياً لمشهد أكثر ديمقراطية تشهده السودان في المرحلة المقبلة. لكن الحقيقة أن مخاوف كبيرة ومهولة يعيشها السودانيون من سرقة ثورتهم والانقلاب عليها بغطاء ظاهره مدني وباطنه عسكري.

والسؤال الأبرز حالياً، هل يطوي اتفاق حمدوك والبرهان الصفحة على الصراع السياسي في السودان، أم أنه يؤسس لحقبة احتقان لا تعقب حمداها، ولا يبدو أثرها سوى انفجار يلوح في الأفق. وقبالة هذا المشهد، يقدم الاتفاق نفسه بتراجع المكون العسكري عن خطته لفرض حكم عسكري مطلق في السودان، وبالتوازي يعبّر عن تنازل المكون المدني، عبر القبول بمجلس السيادة الجديد، ومهمة الإشراف على تنفيذ مهام الفترة الانتقالية. وفي هذا السياق، يطرح الاتفاق المثير للجدل نقطة توازن جديدة وحساسة بين المكونين العسكري والمدني. ولكن وعلى الرغم من هذا الإطار، لا يصدق الشارع سوى أن مكتسباتهم على مدى عامين في خطر شديد.

سيناريوهات الحدث السوداني

بداية، لم ينسَ الشارع السوداني بعد سقوط أكثر من 43 مواطناً في تظاهرات سبقت توقيع الاتفاق بين حمدوك والبرهان. هذه الدماء التي لم تجف بعد، ترسم سيناريوهاً مخيفاً محتملاً، لا يريد المتظاهرون أن يتكرر معهم. وما يحدث الآن هو اختبار حقيقي لإرادة المكون العسكري في التعامل مع المحتجين دون إراقة الدماء. ولعل مئات الإصابات بالاختناق جراء الاستخدام المفرط لقنابل الغاز المسيل للدموع، قد تتطور إلى ارتقاء برصاص الجيش.

وفي جهة أخرى، قد يمضي الاتفاق على نحو جيد، إذا ما سارت المشاورات بين حمدوك والقوى السياسية في البلاد على ما يرام. ولكن وحتى اللحظة يبدو الأمر مستبعداً. فبعد أن حملت قوى الحرية والتغيير حمدوك على الأكتاف، تجد نفسها اليوم خارج اللعبة السياسية، مستثناة بالكامل. فربما المشهد السياسي اليوم لم يعد يحتمل القوى والمكونات السياسية ذات التأثير، كحزب البعث الاشتراكي والتجمّع الاتحادي وجزء من حزب الأمة، وأخيراً المؤتمر السوداني. وجميع هذه الأحزاب تؤكد أن عدداً كبيراً من قياداته ما يزال رهن الاعتقال السياسي، وبالتالي المشاورات ستكون صعبة وعسيرة.

وعلى أي حال، يؤكد مراقبون أنه إذا نجح حمدوك في مشاورة تلك الأحزاب، فغالباً سيتقدم خطوة إلى الأمام، وإلا ستجد الأحزاب فرصة لها للضغط على الجميع دون استثناء للتصعيد في الشارع وتحقيق انتفاضة نوعية تحقق ربما الوصول إلى حكم مدني مطلق في البلاد.

(ح)

ANHA