"خدني معك".. مبادرات لتخطي أزمة الوقود في لبنان

بسبب أزمة الوقود في لبنان وارتفاع أسعارها بشكل جنوني، لجأ لبنانيون إلى الدرّاجات الناريّة، التي تحوّلت إلى "تاكسي"، و"التوك التوك"، وهو ما سلطت وكالتنا الضوء عليه سابقاً، لكن الجديد هذه المرة، مبادرة في عدة مناطق بعنوان "خدني معك"، أو "وصلني معك" عبر مجموعات الواتس أب، تقوم على مشاركة أكثر من شخص بسيارة واحدة، تفادياً لتكلفة البنزين والمواصلات.

"خدني معك".. مبادرات لتخطي أزمة الوقود في لبنان
السبت 27 تشرين الثاني, 2021   04:48
بيروت – زياد أبو غزالة

يحاول اللبنانيون تغيير نمط حياتهم، والتأقلم مع المتغيرات التي طرأت عليهم، في ظل الأزمة الاقتصادية التي تظهر تداعياتها أكثر فأكثر مع مرور الوقت، وارتفاع أسعار الوقود بشكل جنوني، إذ اضطر الكثير منهم إلى التخلي عن أمور كثيرة شكلت أساسيات له في مرحلة سابقة، وتبين له، في الظروف الحالية، أن الأوضاع الاقتصادية المتردية فرضت عليه بدائل وظواهر لم يعتد عليها سابقاً.

وفي تقرير سابق سلطت وكالتنا الضوء على إحدى هذه التحولات، كاستخدام الدراجات النارية بدل السيارة، أو "التوك توك" بديلاً لحافلات المدرسة، أما اليوم فتطفو على السطح مبادرات عبر "الواتس أب" أو "الفيسبوك" لمجموعات شبابية تحاول الحد من استخدام السيارات، ضمن التكافل الاجتماعي، خاصة في هذه الأزمة.

"خدني معك"

وفكرة الموقع الفرنسي "بلابلاكار" لتقاسم ركوب السيارات، الذي يربط السائقين والركاب الراغبين في السفر معًا بين المدن، وتشارك تكلفة الرحلة، أعطت مجموعة من الشبان والشابات فكرة مبادرة على هذا النسق، إلا أن الفارق هو أن شركة "بلابلاكار" لا تمتلك مركبات، بل هي مجرد وسيط يتلقى عمولة عن كل حجز، أما مبادرة "خدني معك" غير ربحية، وليس لديها تطبيق الكتروني، هي فقط عن طريق مجموعة على "الواتس أب"، ضمن نطاق ضيّق.

وأطلق المبادرة محمد الجواد الذي يشرح لنا كيف بدأت القصة فيقول: إن "أزمة البنزين وطوابير الذلّ شكّلت نقطة تحوّل في تنفيذ الفكرة، وذلك للتقليل من معاناة المواطن اليوميّة التي يعيشها بعدما أصبح الناس غير قادرين على الوصول إلى أماكن عملهم مع رفع الدعم عن المحروقات، فبات العامل يدفع أكثر من نصف راتبه ثمناً لبنزين سيارته أو كلفة انتقاله في سيارات التاكسي".

ويتابع بالقول: "ذكر لي أحدهم أنه ينزل يومياً إلى بيروت بسيارته، فطرحت عليه فكرة أن يأخذ معه أحداً بطريقه، ولن يخسر شيئاً، فاستساغ الفكرة، ثم انتشر الخبر بين السكان، وأصبح كل موظف قادر على التنقل بسيارته، يطرح خدمته على من يريد ليأخذه معه".

ويضيف: "وهكذا حتى أصبح لدينا مجموعة على الواتس أب، وسميناها "خدني معك" وبات كل شخص يكتب عليها نقطة وساعة الانطلاق ووجهته، وكذلك عودته إلى المنزل".

هاجز الخوف

لا شك أن ارتفاع نسبة السرقات والقتل، كان هاجزاً لدى الكثير من الشبان والشابات، إلا أن ذلك تلاشى بعد وضع شروط للدخول إلى المجموعة، أهمها أن يكون معروفاً في المنطقة، ووضع رقم هاتفه وصورة عن هويته، وصورة عن رخصة القيادة.

ويضيف الجواد: "بداية كانت المشاركة خجولة جراء الخوف الطبيعي بين الناس، بسبب ما كنا نسمعه من حالات سرقة وقتل وخطف. لكن مع مرور الوقت، بدأت المبادرة تلقى رواجاً وتفاعلاً، خصوصاً الموظفين والعمال".

ويسعى منظمو المبادرة إلى توسيعها من خلال فتح صفحات على الفيسبوك ومجموعات أخرى على الواتس أب عبر مناطق أخرى.

"وصلني ع طريقك"

وفي العاصمة بيروت انطلقت مبادرة أخرى بعنوان "وصِّلني معك (Lebanon carpooling) عن طريق مجموعة على "فيسبوك"، وتقترب من أن تصير مؤسسة جديّة.

المبادرة أطلقتها مريم شحود، والهدف منها التقليل من معاناة المواطن اليوميّة التي يعيشها، بعدما أصبح معظم الناس غير قادرين على الوصول إلى أماكن عملهم، بعد رفع الدعم عن البنزين. إذ بات المواطن يدفع أكثر من نصف راتبه ثمناً لبنزين سيارته أو كلفة انتقاله في سيارة التاكسي.

وعن سبب اختيار تسمية carpooling، فإن الكلمة تعني تشارك أشخاص سيارةً واحدةً، وهم يقصدون المكان نفسه وفي الوقت نفسه. على أن يتقاسموا التكلفة الناتجة عن استهلاك البنزين. لكنّ المفارقة في هذه المبادرات أنّ 90 في المئة من التشارك حالياً مجانيّ. فهناك الكثير من المتطوعين الذين ينقلون ركاباً في سياراتهم بلا مقابل.

ويرى القائمون على هذه المبادرات أنّها ألغت الطائفية وجمعت أشخاصاً من كلّ الطوائف، فلا أحد يسأل إلا عن أخيه الإنسان.

"نحنا لبعض"

مبادرة من نوع آخر، هذه المرة من صيدا جنوباً، قام بها شخص واحد فقط، وهو الناشط الاجتماعي وائل قصب، الذي يجوب يومياً شوارع المدينة وأحياءها الشعبية، وهو يقود "توك توك"، للفت انتباه المواطنين إليه، ودفعهم لقراءة ما كتبه على وسيلة النقل مثل "وصلني ع طريقك" و"ببلاش" و"نحنا لبعض"، في إشارة لمبادرته لتوصيلهم لمقصدهم مجاناً، في ظل ارتفاع التكاليف لسيارات الأجرة، أو لمساعدتهم على تفادي عناء التنقل سيراً على الأقدام.

ويقول قصب لوكالتنا: "إن ارتفاع سعر صفيحة البنزين وتخطيها عتبة 300 ألف ليرة، وهو 10 أضعاف السعر السابق، يسعى المواطن اللبناني لاعتماد بدائل أقل كلفة للوصول إلى مكان عمله ومدرسته والأسواق التجارية، ولم أتمكن من إيصال أولادي لمدرستهم في الشتاء بواسطة الدراجة النارية التي اشتريتها، ونتيجة لرفع أجرة التاكسي، قررت اقتناء "توك توك" لنقل أولادي لمدارسهم خوفاً عليهم من مطر الشتاء، والذهاب لمكان عملي، ومساعدة أبناء مدينتي في الوصول لوجهاتهم مجاناً أثناء عودتي من توصيل أولادي".

ويشار إلى أن البنك الدولي قال، في أيار/مايو الماضي، إن الأزمة الاقتصادية في لبنان يمكن أن "تصنف ضمن الأزمات الثلاث الأولى في العالم خلال الـ 150 عاماً الماضية".

ويصنف البنك الدولي أزمة لبنان على أنها أسوأ من أزمة اليونان، التي اندلعت في العام 2008، وتسببت في تشريد عشرات الآلاف من الأشخاص ودخول سنوات من الاضطرابات الاجتماعية، وأكثر حدة من أزمة العام 2001 في الأرجنتين، والتي أسفرت أيضاً عن اضطرابات واسعة النطاق.

ويقول البنك الدولي أيضاً إن لبنان قد يأتي بعد تشيلي، التي احتاجت إلى 16 عاماً للتعافي من انهيارها، عام 1926، وإسبانيا خلال حربها الأهلية في الثلاثينيات والتي استغرق تعافيها 26 عاماً. وقدر البنك أن لبنان قد يستغرق ما بين 12 و19 عاماً للتعافي.

(ح)

ANHA