الحرب الإثيوبية .. السيناريوهات المحتملة وتداعياتها على القرن الإفريقي

يحتدم الصراع في إثيوبيا البلد الإفريقي المتعدد الأعراق، بين حكومة أديس أبابا وجبهة تحرير تيغراي، مع تقدم الأخيرة نحو العاصمة، وسط تحذيرات دولية وإقليمية من غرق البلاد في حرب أهلية ودموية، وسط ترجيحات المتابعين بأن "البلاد ستكون بدون آبي أحمد في غضون أشهر قليلة" وستخلق فوضى في القرن الإفريقي.

الحرب الإثيوبية .. السيناريوهات المحتملة وتداعياتها على القرن الإفريقي
السبت 27 تشرين الثاني, 2021   03:58
مركز الأخبار - أماني عزام - جودي إسماعيل

عُين آبي أحمد علي (45 سنة) رئيساً للحكومة الإثيوبية عام 2018، وسادت موجة من التفاؤل لإخراج البلاد من نظام الاستبداد السياسي، وإنهاء سنوات من الخصومات الطائفية والعرقية، لكن سرعان ما تبدد هذا التفاؤل بعد أن دخلت البلاد في صراع جديد ينذر بحرب دموية وآثار كارثية.

خلفية تاريخية

ولفهم ما يجري في إثيوبيا الآن، لا بد من العودة قليلاً إلى الوراء ومعرفة بعض خصوصيات هذا البلد الإفريقي، فإثيوبيا التي يبلغ عدد سكانها نحو 110 مليون نسمة، تتميز بكثرة الأعراق والقوميات فيها، ومن أهم هذه القوميات والأعراق:

الأورومو: وهي أكبر القوميات، وتشكل ما يقارب 34 % من تعداد سكان البلاد. ودوماً اشتكت هذه القومية من التهميش، حيث اندلع في عام 2015 نزاع بين الحكومة وهذه القومية على الأراضي، ولكن اتسعت لتشمل المطالبة بالحقوق السياسية، وفي نهاية المطاف أجبر الائتلاف الحاكم (ائتلاف الجبهة الديمقراطية الثورية) عام 2018 على استبدال رئيس الوزراء حينها هايلي مريام ديسالين (من التيغراي)، بآبي أحمد الذي ينتمي لقومية الأورومو.

الأمهرة: وهي ثاني أكبر مجموعة عرقية في إثيوبيا يقدر عددهم بنحو 27 % من عدد السكان.

التيغراي: موطنهم ولاية تيغراي، وعددهم أقل من عدد الأمهريين، ويقدّر بـ 6.1 ٪ من السكان. وسيطروا على البلاد مع بروز "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" بزعامة مليس زيناوي عام 1989، حيث استمر حكمها من عام 1991 وحتى وفاته عام 2012. وينحدر غالبية قادة الجيش والأمن من هذه القومية.

الصوماليون: وهم سكان منطقة أوغادين وعددهم يقدر بحوالي 6.1 % من السكان.

وهناك قوميات أخرى أصغر مثل الغوراغ والولياتا وعفار وهادييا وغامو وغيرها الكثير.

أصل الصراع:

إن الصراع القائم في إثيوبيا له جذور تاريخية قديمة، نظراً لنماذج الحكم التي سادتها منذ تأسيسها، إذ أسس الملك منليك الأول نظام حكم ملكي مطلق استبدادي شديد المركزية في وطن متعدد الأعراق والثقافات والأديان، إلى جانب فشل السلطات المتعاقبة على إدارة المجتمع التعددي بأسلوب يحقق التراضي والتوافق بين الأقاليم العشرة الفدرالية التي تتألف منها إثيوبيا التي يتواجد فيها قرابة 85 جماعة إثنية. ويضاف إلى ذلك سعي القوميات الأساسية إلى السلطة من أجل التمتع بالنفوذ والاستفادة من المنح المالية التي تقدمها الدول المانحة، بالإضافة إلى سعي الطرف الذي يصل إلى السلطة لقمع المعارضين له بشتى الوسائل والتي نجم عنها عمليات اغتيال عديدة إلى جانب اعتقالات لا تعد ولا تحصى وإقالة المسؤولين من القوميات الأخرى لتمكين السيطرة على الحكم.

كيف انزلقت الأمور

في شباط عام 2018 استقال رئيس الوزراء هايلي مريم ديسالين (من التيغراي) بعد احتجاجات شعبية، وحل محله آبي أحمد (الاورومو). وفي عام 2019، أسس آبي أحمد صيغة جديدة للحكم عبر الإعلان عن تشكيل حزب الازدهار ليكون بديلاً عن ائتلاف الجبهة الديمقراطية الثورية التي حكمت البلاد منذ عام 1991والتي تعتبر كواجهة سياسية لنفوذ التيغراي.

ورفضت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي فكرة الحزب الواحد ورفضت الانضمام إليه على غرار بقية أطراف الائتلاف الحاكم (المنظمة الديمقراطية لشعوب الأورومو وحركة الأمهرة الديمقراطية الوطنية، والجبهة الديمقراطية لشعوب جنوب إثيوبيا).

وفي عام 2020، تصاعدت الخلافات بين آبي أحمد وجبهة التيغراي، وبلغت ذروتها بإجراء الإقليم انتخابات عامة في أيلول عام 2020 خلافاً لقرار البرلمان بتأجيل الانتخابات إلى أجل غير مسمى بسبب انتشار فيروس كورونا، ورفض البرلمان وحكومة أديس أبابا الاعتراف بنتائج الانتخابات ووصفتها بأنها غير قانونية ولا دستورية، وبدورها رفضت جبهة تحرير التيغراي الاعتراف بشرعية ودستورية الحكومة باعتبار أن ولايتها انتهت في 5 تشرين الأول 2020. وهذا ما دفع حكومة آبي أحمد لاتخاذ إجراء ضد الإقليم وإيقاف التحويلات المالية عنه، وهذا ما اعتبره الأخير إعلاناً للحرب عليه.

وفي الرابع من تشرين الثاني عام 2020 شنت حكومة آبي أحمد هجوماً عسكرياً على حكومة تيغراي رداً على هجومها على القيادة الشمالية للجيش الإثيوبي المتمركز في عاصمة الإقليم (ميكيلي)، حيث أراد آبي أحمد تحت مسمى تطبيق القانون التخلص من بنية دولة تيغراي من خلال تفكيك مراكز السلطة لديهم نظراً لخبرتهم في شؤون الإدارة نتيجة 3 عقود من السيطرة على مقاليد الحكم، ولكي يسيطر على مقاليد الحكم ويتحول إلى الحاكم الفرد، ومنذ ذلك الحين تصاعد القتال بين الطرفين.

وتفاقمت الأوضاع مع فرض الحكومة حالة الطوارئ عقب إعلان "جبهة تحرير شعب تيغراي" تقدمها ميدانياً وتوجهها نحو العاصمة أديس أبابا. وأصدرت سلطات العاصمة توجيهات للسكان لتسجيل أسلحتهم والاستعداد للدفاع عن أنفسهم والأحياء التي يقطنونها.

وأدى هذا الصراع إلى معاناة نحو 400 ألف شخص في تيغراي من المجاعة، فيما أجبرت أكثر من مليونين ونصف المليون على النزوح عن ديارهم.

تحالف من 9 فصائل.. هل يزيح آبي أحمد عن السلطة؟

وأعلنت 9 فصائل مناهضة للحكومة في إثيوبيا عن تشكيل تحالف تزامناً مع تصاعد الضغط على رئيس الوزراء آبي أحمد وزحف قوات المعارضة نحو العاصمة أديس أبابا.

ويضم التحالف: جبهة وحدة عفار الثورية الديمقراطية، وحركة آغاو الديمقراطية، وحركة تحرير شعب بني شنقول، وجيش تحرير شعب غامبيلا، وحركة العدالة والحق للشعب الكيماني العالمي/حزب كيمانت الديمقراطي، وجبهة سيداما للتحرير الوطنية، ومقاومة الدولة الصومالية" بالإضافة إلى جبهة تحرير شعب تيغراي وجيش تحرير الأورومو.

وفي هذا السياق يقول مدير تحرير جريدة الأهرام المصرية، أشرف أبو الهول في حديث لوكالتنا أن "الأوضاع الميدانية والعسكرية في إثيوبيا تميل لصالح معارضي آبي أحمد حيث نجحوا في كسر كل الهجمات الكبيرة للقوات الإثيوبية والإرتيرية وميليشيات الأمهرة وقتلوا وأصابوا عشرات الآلاف إلى جانب أسرهم لأعداد كبيرة والسيطرة على المدن الكبرى المحيطة بأديس أبابا مثل ديسي وكوبولشا".

واتفقت الصحفية المصرية المتخصصة في الشؤون الإفريقية، صباح موسى، مع أبو الهول واصفة الوضع في تيغراي بـ "المتأزم جداً" وتابعت: "هناك زحف كبير من جبهة تحرير تيغراي نحو العاصمة أديس أبابا، إلى جانب جيش تحرير الأورومو و "بني شنقول" وغيرهم، هناك أكثر من جبهة نسقت على اتجاه واحد لعمل كماشة على أديس أبابا وتضييق الخناق عليها".

وأوضحت صباح موسى أن ما ساعد على تسريع عملية التقدم والانتصارات المتتالية بالنسبة لمعارضي آبي احمد هو "التنسيق فيما بينهم. آبي أحمد وحّد أعداءه في جبهة واحدة ضده، حتى الأورومو ممن يشكلون أكبر عرقية في المنطقة" والتي ينحدر من آبي أحمد نفسه.

لا ضوء في نهاية النفق المظلم

وتحدثت مصادر إخبارية، مدعومة من "جبهة تحرير تيغراي"، إن قوات الجبهة الشعبية تقدمت باتجاه الطريق الاستراتيجي الرابط بين إثيوبيا وجيبوتي، مشيرة إلى أن المقاتلين تمكنوا من التقدم إلى مدينة ميل، التي تقع في منطقة عفار.

وتعقيباً على هذه المعلومات تقول الصحفية المصرية أن قطع المعارضة للطرق الاستراتيجية في المنطقة يساعدهم على التقدم أسرع فأثيوبيا "دولة حبيسة وقطع الطريق بين أثيوبيا وجيبوتي عن طريق إقليم العفار الذي يعد الميناء الأساسي الذي تصدر وتستورد منه أثيوبيا بنسبة كبيرة جداً تساعد على خنق العاصمة".

وتضيف: "يحاول المعارضون الآن قطع الطرق الاستراتيجية التي تربط اثيوبيا بالموانئ وخصوصاً الطرق مع جيبوتي وأيضاً قطع الطرق الداخلية مع إقليم الأمهرة لخنق أديس أبابا" وأكدت أن "هذه الفصائل التسع تستنفر قوات وأقاليم أخرى ممن لا يقبلون حكم آبي أحمد من أجل الانضمام إليهم"، مشيرة إلى أن "الأمور تسير بوتيرة متسارعة جداً من غير وجود ضوء في نهاية النفق مع مضي التحالف في الزحف العسكري على الأرض".

ومن جانبه يقول مدير تحرير جريدة الأهرام المصرية، أشرف أبو الهول أن "قوات التيغراي تتقدم في اتجاه أديس أبابا بعد سقوط المدن المحيطة بها وأصبح بإمكانها ضرب حصار طويل المدى حول المنطقة لإضعافها ودفعها للاستسلام بدلاً من اقتحامها بالقوة حتى لا تسقط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين".

قوات تيغراي "أدرى بشعابها"

وأعلن رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، أنّه سيتوجّه، إلى الجبهة لقيادة جنوده الذين يقاتلون قوات "جبهة تحرير شعب تيغراي"، وسط أنباء عن اقتراب المعارضة من السيطرة على مدينة دبر برهان، على بعد 130 كلم من العاصمة الإثيوبية.

وحول هذه المستجدات تقول الصحفية صباح موسى أن "جبهة تحرير تيغراي استخدمت التكتيك في حربها، كما يقولون (مكة أدرى بشعابها) وكذلك جبهة تحرير تيغراي، لقد كانوا الأدرى بموقع إقليمهم، واستطاعوا شد آبي أحمد والجيش داخل التيغراي، ورأينا منذ شهور قليلة اعتقال أكثر من ٧٠٠٠ جندي وضابط من الجيش الإثيوبي في مشهد انهز له العالم إلى جانب سيطرتهم على عاصمة تيغراي، ميكيلي، وبالتالي كانت هذه بداية انطلاق التيغراي نحو الزحف للعاصمة".

وأشارت صباح موسى إلى أن "آبي أحمد بكبريائه لم يكن يقبل الجلوس للتفاوض وكلما زحفت التيغراي نحو العاصمة، تزداد سقف مطالبها في التفاوض، كما أن فرصة الجلوس بين الطرفين للتفاوض أساساً أصبحت صعبة جداً لأن التيغراي الآن باتت المنتصرة ويغرها الزحف وإنهاء المعركة عسكرياً والتخلص من آبي أحمد تماماً".

في حين يقول أبو الهول، أنه لا يوجد مجال للتفاوض بين الحكومة ومعارضيها نظراً لاختلاف شروطهما موضحاً أن "شروط حكومة آبي أحمد مرفوضة من المعارضة ومنها الانسحاب من إقليمي أمهرة وعفار وعلى المقلب الآخر، مقاتلي تيغراي يرفضون وجود آبي أحمد كما أن الجرائم التي ارتكبتها القوات الإثيوبية والاريترية في إقليم تيغراي العام الماضي وكذلك التنكيل بالمعارضين من الأورومو بواسطة الأمهرة يجعل فرص الحوار شبه معدومة".

السيناريوهات المحتملة

وفي خضم الاحداث المتسارعة التي تشهدها أثيوبيا وحديث العديد من التقارير الدولية من أن المنطقة تتجه نحو حرب أهلية دموية صعبة، أوضحت صباح موسى أن المنطقة الآن أمام ثلاث سيناريوهات لا رابع لها أولها: "الجلوس للتفاوض وهذا السيناريو قد يكون صعباً في الوقت الحالي"، الثاني "هروب آبي أحمد" وتعتقد صباح أن هذا الخيار غير وارد بيد أن "تصريحاته الأخيرة تؤكد أنه ماض في عناده بكبرياء عجيب، وبالتالي فكرة هروبه إلى خارج البلاد وترك المنطقة للمعارضين أمر من الصعب حدوثه".

أما السيناريو الأخير هو "دخول قوات المعارضة العاصمة وإسقاط نظام آبي أحمد وهزيمته وبالتالي آبي أحمد بين ثلاث سناريوهات"، ولا تتوقع الصحفية صباح موسى نجاح آبي أحمد في هذه الأزمة، معزية ذلك "لوجود ضغوط دولية وإقليمية وتكتلات ضد آبي أحمد في الداخل، فبعد أن كان رجل نوبل للسلام، والذي كانت تعول عليه الولايات المتحدة الأميركية والغرب لتغيير شكل استراتيجية المنطقة، فشل الآن في ذلك، بعد أن حاول فرض نظام مركزية الدولة في دولة كإثيوبيا مبنية منذ عقود على النظام الفدرالي فكان من الصعب أن يفرض ذلك بالقوة".

وأشارت صباح موسى أن "آبي أحمد أصبح الورقة الخاسرة والمحروقة بالنسبة للمجتمع الدولي، وأن طال الزمن أو قصر فإثيوبيا من المؤكد جداً أن تكون بدون آبي أحمد في غضون شهور بسيطة".

تداعيات الأزمة الأثيوبية على القرن الإفريقي

وعن تداعيات ما يحدث في إثيوبيا على دور الجوار والقرن الإفريقي، تقول الصحفية المتخصصة في الشؤون الإفريقية، صباح موسى: "بالتأكيد هناك تأثير كبير على دول الجوار الأثيوبي، السودان الآن وضعه هش بسبب الظروف السياسية التي يمر بها البلاد وتداعيات الانقلاب الأخير إلى جانب موجة النزوح الكبيرة من المنطقة باتجاه شرق السودان وبالتالي سيتأزم وضع المنطقة أكثر كلما زادت الحرب في إثيوبيا".

وأشارت إلى أن الأزمة ستؤثر أيضاً على "الطرق المؤدية في جيبوتي، كما أن أسمرة واريتريا ستتورط في الحرب وبالتالي عدم استقرار إثيوبيا يعني عدم استقرار الإقليم كله وما يحدث في إثيوبيا سيكون له تأثير كبير جداً على دول الجوار وعلى الإقليم برمته".

في حين أشار مدير تحرير جريدة الأهرام المصرية، أشرف أبو الهول، إلى أن المنطقة "تتجه للتفكك وهو ما سيخلف فوضى في القرن الإفريقي لحين استقرار الأوضاع، وبلا شك سيستغرق ذلك وقتاً طويلاً، خاصة بعد أن أصبح التفاوض أمراً مستبعداً بسبب عناد آبي أحمد وجرائم جيشه مع وجود مطالب انفصالية لعديد من الأقاليم الإثيوبية التي عانت من التهميش".

(ح)

ANHA