صناعة لبنان تهاجر هرباً من الأزمة مع الخليج

دفعت الأزمة في لبنان مع دول الخليج الصناعيين اللبنانيين إلى الفرار من بلد يدفعون فيه ثمناً باهظاً جداً، نتيجة عجز دولتهم عن تحمل مسؤولياتها، إذ تؤكد جمعية الصناعيين أن كثراً من صناعيي لبنان بدأوا بدراسة الأسواق في بلدان أخرى، بحثاً عن مكان لنقل معاملهم.

صناعة لبنان تهاجر هرباً من الأزمة مع الخليج
الجمعة 26 تشرين الثاني, 2021   06:06
بيروت – زياد أبو غزالة

تأتي الأزمة الدبلوماسية بين لبنان ودول الخليج، لتضرب العصب الباقي في الاقتصاد اللبناني المشلول. فبعد أشهر طويلة من الإبحار عكس التيار لتأخير السقوط أو تجاوزه، غرقت مصانع لبنان مجدداً، وهذه المرة في مستنقع اللاءات السعودية.

ويتوجه السواد الأعظم من صناعيي لبنان إلى دراسة الأسواق في بلدان أخرى، بينها على سبيل المثال لا الحصر، عُمان ومصر وتركيا وقبرص... لنقل مكان المصانع والمعامل. وبالفعل، فقد انتقل عدد من الصناعيين بكامل المعدات والماكينات التي ضاقت ذرعاً في لبنان.

وفي تصريح صحفي، أوضح زياد بكداش نائب رئيس جمعية الصناعيين في لبنان، أن الجمعية توجهت مع وفد من الصناعيين إلى عُمان مؤخراً لدراسة السوق في تلك المنطقة، حيث استأجر عدد لا بأس به مجموعة من المصانع، فيما ما يزال الآخرون يفكرون جدياً بنقل مصانعهم نهائياً.

ولا يخفى على أحد، تأثير قضية الكبتاغون المهرب من بيروت إلى الرياض، في هيكل الصناعة اللبنانية، إذ أضعف بنيتها وزادها هشاشة على ما كانت عليه من ضعف جراء السياسات الفاسدة في البلاد. الأمر الذي دفع المصانع قسراً إلى تخفيف إنتاجها، بعدما كان ميزانها التجاري يتصف بكفة صادرات كبيرة جداً إلى السعودية والبحرين على وجه الخصوص. وعليه اضطرت هذه المصانع إلى فك معداتها والانتقال إلى عواصم أخرى، لا سيما معامل التصنيع الغذائي، التي كانت تصدر إلى السعودية ما يفوق الستين في المئة من مجمل إنتاجها.

أما اليوم، فالمشهد مغاير تماماً، وبعدما كانت السعودية السوق الحاضن للصناعات اللبنانية، يبدو بأنها تسحب أجهزة التنفس عنها. مع حظر جميع تلك الصناعات في المملكة توسيعاً لمروحة الأزمة الحادة مع لبنان على خلفية تصريحات وزير الإعلام اللبناني جورج قرداحي. والخوف كل الخوف من جانب الصناعيين أن تتجه كل من الكويت والبحرين والإمارات نحو ما سارت إليه السعودية، فحينها ستكون الخسائر فادحة ومروعة عما هي عليه الآن.

فبعد أن كان متوقعاً زيادة حجم الصادرات للسعودية إلى عتبة الـ500 مليون دولار العام المقبل، مع انخفاض قيمة الليرة اللبنانية وتنوع خطوط الإنتاج وتجاوزها السلع الغذائية إلى المعقمات ومواد تنظيف والأدوات والمستلزمات الطبية والأحذية والألبسة وغيرها الكثير... إلا أن الصناعيين خسروا 500 مليون دولار من أرباحهم من الصادرات إلى السعودية فقط، دون الحديث عن الخسائر الإضافية المحتملة في حال حظرت الكويت والإمارات والبحرين أيضاً الصادرات الصناعية اللبنانية.

وتتوالى هذه المعطيات المؤسفة على البلد المنكوب، بعدما سجلت الصادرات اللبنانية العام الماضي نحو 3 مليارات ونصف مليار، منها مليار و300 مليون دولار من دول عربية. واقع تحول جذرياً بعد منع الاستيراد من لبنان إلى السعودية، وربما باقي دول الخليج لاحقاً، وهو ما يجعل مسألة نقل المصانع خطوة لازمة لا مفر منها.

فممَّا لا شك فيه أن سوق دول مجلس التعاون الخليجي السوق الأهم للصادرات اللبنانية، على الرغم من أن المنتجات اللبنانية منتشرة في أسواق العديد من الدول الأوروبية والعربية. ولكن الأزمة الراهنة رسمت خارطة جديدة للعلاقات الثنائية بين لبنان ودول الخليج، خارطة ربما تغيب عنها حركة التجارة التي كانت يوماً نشطة، تغني الاقتصاد اللبناني وتنعشه.

الصناعة ورقة رابحة خاسرة

ويسعى رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي عبر جولة مشاورات ومباحثات، إلى دفع عجلة العمل الوزاري ليكمل دورته في عالم الاقتصاد المتآكل. لكن هذه الجهود لم تنضج بعد ولم تثمر ما يسد جوع السوق اللبناني. فرغم تأكيدات ميقاتي أهمية إرجاع العلاقات اللبنانية الخليجية إلى نصابها الصحيح قبل الأزمة الدبلوماسية الأخيرة، ما تزال الأمور على حالها، بل وأسوأ، مع المزيد من التردي الاجتماعي والاقتصادي والمالي جراء تدهور قيمة العملة الوطنية.

وقد دفع هذا السيناريو المواطن اللبناني إلى تغيير سلوكه الاقتصادي تماشياً مع واقع الحال وتيسيراً للأوضاع بأقل خسائر ممكنة. وبسبب ذلك، يضطر اللبناني إلى التوقف عن شراء السلع المستوردة جراء الغلاء الفاحش في أسعارها، لصالح السلع محلية الصنع. وهذا التحول الملحوظ في أنماط الحياة يوجه سكان لبنان إلى عادات جديدة على مستوى القدرة الشرائية، فصارت الوجهة السلع الأرخص ثمناً. وهذا ما يفسر امتلاء رفوف المحال والمراكز التجارية بالصناعات اللبنانية بعد أن كانت غائبة زمناً طويلاً، أو ربما كانت خاصة بالفقراء، قبل أن يتساوى أغلب المواطنين.

ويؤكد وزير الصناعة اللبناني جورج بوشكيان أن الصناعة اليوم تمثل أبرز الدعائم الأساسية للاقتصاد اللبناني. ويشدد الوزير على أن العمل جار لإعادة دراسة القوانين وتطويرها لمواكبة التطورات الدولية، والنهوض بالصناعة اللبنانية لتكون مواكبة للمواصفات العالمية خلال المرحلة المقبلة، الأكثر حساسية من أي وقت مضى في تاريخ الأزمات التي عصفت بلبنان.

ومع ارتفاع سعر الدولار بمعدلات قياسية، كان من الطبيعي جداً ارتفاع أسعار الصناعات المستوردة بنسق مطرد. ما يجعل الفرصة سانحة لبروز الصناعات اللبنانية وتشجيعها رسمياً. فمعايير هذه الصناعات مميزة، سهلت وصولها إلى مصافي الأسواق العالمية حيث تحظى بثقة عالية وإقبال كبير.

ولعل المطلوب حالياً في ظل التحديات والمعوقات على امتداد القطاعات اللبنانية، توفير الحوافز للصناعيين للإسهام في تطوير المصانع ورفع كفاءتها وضمان استمراريتها. وهو ما يعيد التركيز على المساعدات الدولية لدعم القطاع الصناعي اللبناني، وبخاصة لجهة تصنيع المواد الأولية اللازمة للمصانع، لا سيما المتعلقة بالمنتجات الغذائية، والتي يتم استيرادها في الوقت الحالي.

الدفع باتجاه دعم القطاع الصناعي وتطويره محلياً وعبر المساعدات الخارجية، لا يمكن السير فيه بمعزل عن الأزمة الخليجية وتداعياتها. ما يسلط الضوء مجدداً على أهمية إنهاء الخصومة السياسية في أسرع وقت ممكن، فلا بديل عن الأسواق الخليجية، لا سيما فيما يواصل لبنان مرحلة السقوط الحر في فضاء مظلم، يدفع فيه ثمن فساد الطبقة الحاكمة، وتحولها إلى أدوات للصراع الإقليمي بين القوى الكبيرة.

(ح)

ANHA