أوجلان: وظيفة PKK تحويل الهوية الكردية والمكتسبة وطموح الحياة الحرة إلى بناء للأمة ديمقراطية

حدد القائد عبد الله أوجلان وظيفة حزب العمال الكردستاني في المرحلة الجديدة بتحويل الهوية الكردية والمكتسبة وطموح الحياة الحرة إلى بناء للأمة ديمقراطية، إلى جانب إحياء التأثير الأيديولوجي السائد في مرحلة المجموعة الأيديولوجية والتأثير السياسي السائد أساساً في سياق العمليات والحرب.

أوجلان: وظيفة PKK تحويل الهوية الكردية والمكتسبة وطموح الحياة الحرة إلى بناء للأمة ديمقراطية
الأربعاء 24 تشرين الثاني, 2021   02:01
​​​​​​​مركز الأخبار

يؤكد القائد عبد الله أوجلان في مرافعته المعنونة بـ "مانيفستو الحضارة الديمقراطية"، إن الآبوجيين، هي أولى الأسماء التي المطلقة علينا، وكان إطلاقُ التسميات مبعث فخر لنا، تماماً كظاهرة تسمية المولود. لكن تلك التسميات لم تكن باختيارنا الذاتي، وما كان لنا في فترة المجموعة إلا أن نسمي أنفسنا "ثوار كردستان". ولم نجرؤ على إطلاق التسمية الحقيقيةِ على أنفسنا، إلا بعد مرور خمسِ سنين على ولادتنا كمجموعة.

'الحزب عموماً وPKK خصوصاً ليس حزب دوليتة القومية'

كنتُ قد نوهتُ إلى الرعشة التي دَبَّت في عقلي وفؤادي، وإلى حالة الإغشاء[w11]  التي تلَتها بعدَ وصولي إلى التشخيص الذي مفادُه أنّ "كردستان مستعمَرة". كان هذا بالنسبة لي حدثاً فريداً أمرُّ به لأول ولآخر مرة. وبالفعل كنتُ قد استغربتُ من ذلك. لكنّ المتغيرات اللاحقة كانت ستُظهرُ لي أسبابَ تأثير مصطلح ما إلى هذه الدرجة. لكني ما زلتُ عاجزاً عن إيضاح أسباب التأثر به منذ بداية الأمر. إنّ اتخاذي وبمفردي لقرار الانبعاث الاصطلاحيِّ في أنقرة، في ظلِّ الأجواء التي صدَرَ فيها فرمانُ الموت بحقِّ كردستان والكردايتية وطغى عليها الظلامُ الدامس؛ يقتضي تحليلاً جاداً لدرجة تؤهِّلُه ليَكُونَ موضوعَ رواية.

كنتُ أتميزُ بحضوري البارز في أوساط حركات الشبيبة الثورية، الكردية منها والتركية. من الواضح أني تأثرتُ بها. فمناصَرةُ كيانات مثل "المراكز الثقافية لثوار الشرق DDKO " و"الشباب الثوري Dev-Genç " وهي في قمة رواجها، لَم يَكُن حدثاً قليلَ الشأن. كما كنتُ قد سمعتُ بأسماء "جبهة حزب التحرير الشعبي في تركيا THKP-C " و"الجيش الشعبي لتحرير تركيا THKO "و"جيش تحرير العمال والفلاحين التركي TİKKO ") الذي يُعَدُّ الجناحَ العسكريَ لـ الحزب الشيوعي التركي/الماركسي اللينيني TKP/ML) وكنتُ شاهداً على الشهادة البطولية لقياداتها الباسلة.

فمقاومةُ ماهر جايان، قائد " THKP-C "، في منطقة "مالتَبه" بمَعيّة حسين جواهر؛ ثم استشهادُ حسين جواهر؛ والقاءُ القبض على ماهر وهو جريح، ثم اعتقالُه فهروبُه من السجن، وأخيرً ا استشهادُه مع رفاقه التسعة في حادثة "قزل دره"؛ جميعُها كانت أحداثاً بالغةَ التأثير. إذ تركَت لديَّ أثراً شديد اً لدرجة ساقَتني إلى رياد ة أول اعتصام نُظِّمَ في مبنى "كلية العلوم السياسية" احتجاجاً على تلك المجزرة. كما كنتُ شاهداً على سَوق دنيز كزميش، قائد " THKO "، مع رفاقَيه الاثنَين إلى منصة الإعدام. وتأثرتُ كثيراً باستشهاد إبراهيم كايباكايا، قائد " TİKKO "، في نفس الفتر ة بعدَ مقاومة باسلة تجاه التعذيب في سجن ديار بكر. كنتُ شاهداً على تطرق القياديين الثلاثة إلى واقع الكرد كشعب وكأمّة، مُضحّين بحياتهم ثمناً لذلك. وبالإضافة إلى العديد من العوامل الأخرى التي تأتي في المرتب الثانية دون ريب، فإن بلوغ هؤلاء القياديين الثلاثة الذين ظهروا من احشاء الشبيبة منزلة الشهادة في سبيل الحقيقة كان عاملا أساسيا مدني بالجرأة اللازمة للسير على درب واقعي الذاتي الخاص بي.

علما أن الكثير من المجموعات النظيرة لنا كانت لا تتوانى عن نعتنا بـ"عصابة كفانا الله شرهم". بل وأصبحت "جماعة جيش التحرير الوطني UKOو  الآبوجيين من أولى الأسماء المطلقة علينا. وكان إطلاق التسميات مبعث فخر لنا، تمام كظاهرة تسمية المولود. لكن تلك التسميات لم تكن باختيارنا الذاتي، وما كان لنا في فترة المجموعة إلا ان نسمي أنفسنا "ثوار كردستان". ولم نجرؤ على إطلاق التسمية الحقيقة على أنفسنا، إلا بعد مرور خمس سنين على ولادتنا كمجموعة. أما المسيرة المبتدئة في نوروز عام 1973 على شواطئ سد جوبوك بأنقرة، والتي كانت مفعمة بالغبطة والعنفوان الأقرب إلى حالة المجنون، فعندما افضت إلى إطلاق اسم حزب العمال الكردستاني PKK على أنفسنا في قرية "فيس "التابعة لناحية "ليجة" بمدينة ديار بكر في السابع والعشرين من شهر تشرين الثاني 1978، كنا سنعتبر أننا قد أنقذنا شرفنا. وهل كان ثمة هدف أعظم من هذا؟ فأيا يكن، فقد أسس تنظيم عصري لطبقة عصرية.

توخيت، بل توخينا الدقة الكبرى للالتزام بالوفاء لنهج الاشتراكية العلمية لدى الماركسية، اثناء توجهنا صوب إنشاء PKK. ولو لم تكن الاشتراكية المشيدة، لربما ما كان ليتشكل تنظيم مثل PKK. لكن هذا الواقع لا يشير إلى أن PKK كيان ملتزم تماما بالاشتراكية المشيدة في فترة ولادته أي، وبالرغم من تأثره الكبير بها، إلا انه من العسير إيضاح حقيقته كليا بالاشتراكية المشيدة. لذا، يتوجب اللجوء هنا إلى مصطلحي النسيبة والاختلاف، بغية الوصول إلى تفسير أصح. لازلت أتذكر كيف كنت ابحث عن أرضية عينية، وأسعى إلى صياغة تفسير مادي من اجل إنشاء PKK وذلك بحكم التمييز بين الذات والموضوع، والذي كان سائدا ضمن الاشتراكية المشيدة. كان هذا البحث بمنزلة مبدأ لا غنى عنه. إذ كانت هناك ظواهر تعتبر كافية من حيث ما هو سائد على ارض الواقع. ولكن، ليس صحيحا القول اننا كنا متأكدين تماما من ذلك. بكل كنا نقبل به كضرورة مبدئية والحال هذه، لم أكن بل لم نكن دوغمائيين لدرجة الانغلاق كليا على التدفق الطبيعي للحياة. فكان جانبنا هذا سيحقق الانفتاح تدريجيا، مكونا الفارق الذي سيميرنا.

أما حجر الأساس المهم الآخر على الدرب الذي لا عودة منه، فتجسد في عقدنا اجتماعا في قرية فيس التابعة لديار بكر، بناء على برنامج الحزب المعد استذكار لحقي قرار، حيث حضرة اثنان وعشرون شخصا، كان بمثابة المؤتمر التأسيسي. وقد استمر لمدة يومين فيما بين 26و27تشرين الثاني 1978. في الحقيقة فاطلاق تسمية PKK والاعلان عن ذاتنا كان نهاية لمرحلة من هذا السياق. فقد كنا نفذنا أساسا ما ينبغي علينا عمله، سواء وفق الظروف العالمية والتركية او ضمن الممارسة الميدانية للمجموعة. الطراز الثوري مهم هنا. حيث لم يقتصر الامر على القول فقط. بل وتم تداخل القول مع ممارسة عملية كثيفة. الامر الذي كان يتعين إدراكه في معمعان الظروف الموضوعية حينها، هو انجاز انطلاقة باسم الطبقة العاملة في احشاء ثالوث المدينة والطبقة والدولة القومية. وقد تماشى المستوى النظري والعملي مع ذلك. كانت هناك العديد من المجموعات الأخرى لكن أيا منها لم تقدر على تجسيد الثورية الشاملة في ذاتها بقد ما كانت عليه مجموعتنا. لذا فقد احكم الانقلاب العسكري قبضته على تلك المجموعات على غفلة منها.

هوية PKK ومعناه في المرحلة الجديدة

لم تكن عملية إعادة بناء PKK تعني اكتساب هوية مغايرة. ولكنها لم تكن أيضاً نسخةً مطابقة للمراحل التي تسبقها. فما حصل كان تطوراً نوعياً، لا كمياً بسيطاً. لقد كان تحولاً نوعياً لم يقتصر على PKK وحسب بوصفه هوية. بل وشمل المجتمع الكردي المستحدث ايضاً. علماً أن تحولات الهوية هذه قد تحققت حصيلة التطور الدياليكتيكي المترابط بمتانةً بين كليهما وعليه، بات ممكناً صياغة تعريف ملموس أكثر لهوية PKK؛ الذي حسم بلوغه مرحلة النضج، وأثبت ورشده بجدارة؛ وغدا بالمقدور استنباط بعض النتائج الكونية.

أـ قبل كل شيء الحزب عموماً وPKK خصوصاً ليس حزب دوليتة القومية القديمة للاشتراكية المشيدة. وهو يقبل من حيث المبدأ بضرورة عدم إنشاء الأحزاب الاشتراكية ككُل بالتمحور حول هدف الدولة. حيث لا يمكن تشييد الاشتراكية بجهاز الدولة المعاصرة، فجهاز الدولة يخالف طبيعة الاشتراكية. ذلك أن الدولة القومية للحداثة الرأسمالية هي إحدى اللبنات الأساسية لقاعدة الربح الأقصى لدى الرأسمالية ومحال تحقيق نظام الربح الرأسمالي من دون دولة قومية.

كما أن كل نظام تتواجد فيه الدولة القومية هو على صلة بتحقق الربح الرأسمالي. الامر لا يختلف في الاشتراكية المشيدة. بل أن وجودة الرأسمالية البيروقراطية يشعر بالحاجة للدولة القومية بدرجةً أكبر. بمعنى أخر، فقد أدت بنية الدولة القومية للاشتراكية المشيدة دوراً معنياً في عجر الأخيرة عن التحول إلى الاشتراكية حقة. حيث أن كل توجه من الحزب صوب الدولة أو بالعكس، ينتهي إلى انكار الديمقراطية الاشتراكية دون بد. أما الانتقال إلى المجتمع الشيوعي، الذي تم تصوره في النظرية على أن مجتمعاً خالٍ من الدولة، والعبور إليه دون اللجوء إلى أداة الدولة في أية مرحلةٍ كانت وبأية ذريعة كانت؛ فهو من دواعي مضمون الاشتراكية وشكلها. إذ محال تحقيق الاشتراكية إلا بعيش الديمقراطية بكل ابعادها؛ تلك الديمقراطية التي استثمرتها الليبرالية بازدواجية، والتي تتناقض اصلاً مع جوهرها. كيفما يستحيلُ التفكير في الاشتراكية من دون ديمقراطية، فمحال ايضاً تشييدها بطريقةً خارج إطار الديمقراطية. بمعنى أخر لا يمكن تشييد صرح الاشتراكية إلا بحياةٍ ديمقراطيةٍ تشاركيةٍ متراميةِ الأطراف.

بالتالي فالخاصية الأولية للأحزاب الاشتراكية هي إنشاؤها كنماذج بدئيةٍ من الديمقراطية وأي حزب لم يحقق تحوله الديمقراطي، يستحيل التفكير بدمقرطته للمجتمع. كما أن الديمقراطية لا تعني اللااقتدار، بل إن الاقتدار الديمقراطي المغاير لنفوذ الدولة ممكن في ظروف المجتمع السياسي. فبينما تحقق الدولة تأسيساً على رفض المجتمع السياسي، فأن تحقق الديمقراطية يستلزم وجود المجتمع السياسي، والذي بدوره يعني المجتمع المتمتع بحريته. وظاهرة السياسة تعني اكتساب المجتمع قوة الفكر والقرار والعمل فيما يخص مصالحه الحياتية. ومثلما يستحيل على المجتمعات غير المتسيسة تقرير مصيرها بنفسها، فمحاول عليها ايضاً دمقرطة ذاتها بذاتها. ثمة علاقة لا تتجزأ فيما بين ظواهر السياسية والحرية والديمقراطية فلا وجود لإحداها دون الأخرى. والحال هذه لا يمكن للأحزاب الاشتراكية إلا أن تكتسب هويتها كنماذج بدئية للمجتمع السياسي الديمقراطي الحر. ولا تستطيع الاقتداء بنماذج السلطة عموماً وبسلطة الدولة خصوصاً. فإلى جانب كون السلطة والدولة ظاهرتين مختلفتين وجودياً، فهما أساساً احتكاران مركزان للقوة والاستغلال. وبالإضافة إلى احتوائهما على العناصر المعنية بتدبير شؤون المجتمع أيضا، إلا إن تلك العناصر تؤدي دورا ثانويا، وتستخدم في شرعنه احتكارات الاستغلال والقوة التي تلعب دورا محددا. كل هذه الحجج تبرهن أسباب استحالة تأسيسها بطريق آخر عدا إنشائها بمنوال ديمقراطي.

ب- إلى جانب كون الأحزاب الاشتراكية كيانات حديثة معاصرة، إلا أنها مكلفة تاريخيا بصياغة حداثة بديلة للحداثة الرأسمالية. فالحداثة ليست مصطلحا، حياديا. بل هي مصطلح ذو دعائم طبقية وسياسية وايديلوجية. وبالإضافة إلى الطابع الرأسمالي للحداثة الحاكمة، ثمة أنماط أخرى من الحداثة أيضا تتصدرها العصرانية الديمقراطية. تعبر الحداثات عن مراحل اجتماعية تتميز بتبايناتٍ جذريةٍ تميزها عن بعضها بعضا. ولكل سياق حداثوي بنيته الايديلوجية والسياسية والاقتصادية والتقنية والعملية المتسمة بخصوصياتها التي تنفرد بها. ويمثل كل عصر من العصور الأولى والوسيطة والحديثة حداثة خاصة به. علاوة على انه لكل حداثة اشكالها الطبقية والتقنية والايديلوجية والسياسية والاقتصادية المهيمنة الخاصة بها. وكل واحدة منها تتطبع بما يتماشى والشكل المهيمن. هذا إلى جانب كون نمط التراكم الرأسمالي قد ترك بصماته على عصرنا، أي على ظروف حياتنا العصرية منذ البداية؛ إلا أنه لا يمكن عزو هذا العصر بكل ما فيه إلى الرأسمالية. ولو أن الاشتراكية المشيدة لم تنته إلى الرأسمالية، لربما كانت – هي أيضا- ستطبع الحداثة بمهرها. علما انه نظر إليها من هذا المنظور لمدة طويلة. إلا إنه ليس بوسع الأحزاب الاشتراكية أن تترك بصمتها على الحداثة، مالم تتخط عناصر الحداثة الرأسمالية الرئيسية (نمط المراكمة الرأسمالية، الدولة القومية، الصناعوية)، وما لم تناضل إزاءها. وقد آلت الاشتراكية المشيدة إلى الرأسمالية، نظرا لأنها لم تناضل في وجه عناصر الحداثة الرأسمالية. بل وعلى النقيض، فقد انشغلت بخياطة قناع مموه لتلك العناصر. بناء عليه، فعندما تكون الأحزاب الاشتراكية عناصر حداثتها (الأمة الديمقراطية، الصناعة الأيكولوجية، واقتصاد السوق الاشتراكية)، فحينها فقط ستتمكن من تجاوز الحداثة الرأسمالية ومن إناطة حداثتها هي بالدور الرئيسي.

لا يمكن لـ PKK الاكتفاء بتخطي الدولتية القومية

لا يمكن لـ PKK الاكتفاء بتخطي الدولتية القومية. بل ولن تستطيع لعب دوره الريادي، إلا بإنشاء نفسه كنموذج بدئي من عناصر العصرانية الديمقراطية. ذلك أن بناء المجتمع الكردي كأمة ديمقراطية، يأتي على راس مهام PKK ضمن سياق الهوية الجديدة. ونجاحه في إنجاز مهمته هذه غير ممكن، إلا بتصيير نظامه بديلاً لعناصر الحداثة الرأسمالية قبل أي شيء أخر. ذلك أنه ثمة فراق مهم جداً بين كينونته الذاتية وبين أن يكون نموذجاً بدائياً للعصرانية الديمقراطية. ومن العسير أن يحقق مجتمعيته أو يحتل مرتبة الصدارة، ما لم يصبح نموذجاً بدئياً لعصرانية الديمقراطية. بالأصل، فالأحزاب الموجودة بهدف تذليل هذه المصاعب. وهذا ما لن يتحقق إلا بالتحول إلى نواةٍ طليعية. هناك صراع طاحن في جميع الميادين الأيديولوجية والسياسية والاقتصادية وما شابه بين عناصر الحداثات المعنية. ومحصلة ذاك الصراع هي التي تُحدد طابع الحداثة التي ستلعبُ الدور الرئيسي. والأحزاب هي القوى الطليعية في هذا الصراع. لكن هذا الصراع لم يعط ثماره في الماركسية، ونظراً لاختزاله إلى مستوى الاقتصادوية بالأغلب.  فقد اعتقدت الماركسية بقدرتها على بلوغ الشيوعية اعتماداً على كافة المكونات الأخرى للحداثة، بل للحداثة الرأسمالية مثلما هي عليه. لكن ما حدد ملامح النتيجة كان صراع الحداثة الذي خاضته الرأسمالية بكل عناصرها. ولهذا السبب الأولي بالضبط ثمة حاجة ماسة إلى العصرانية الديمقراطية. وذلك أنه محال على أي نضال في وجه الرأسمالية وكافة العناصر التي تحييها أن يحرز النجاح، ما لم يخض تأسيساً على تطوير بديلها. وأول شرط في ذلك هو عدم الاقتصار على تحليل نظرية الرأسمالية وحسب، بل والنضال تجاهها بتسليط الضوء على نظرية العصرانية الديمقراطية، وبتنوير العناصر البديلة الكامنة في هذه النظرية. إذن، والحال هذه، فالأحزاب الاشتراكية تتحصن أساساً نظرية العصرانية الديمقراطية في صراعها ضد الرأسمالية. كما لا يمكنها الاكتفاء بالصراع النظري فقط. بل ولن تتمكن من إحراز النجاح المظفر ضد عناصر الحداثة الرأسمالية، إلا بتطوير أدوات تطبيق نظريتها ايضاً. أي بالتحول إلى أمة ديمقراطية، وبتطوير التقنيات الصناعة الايكولوجية وتطبيقها، وبإرساء ظاهرة السوق الاشتراكية.

أي أن ما يسري في هوية PKK المستحدثة ليس مجرد كسرات المعارف الشحيحة بصدد شكل الاستغلال الرأسمالي، مثلما كان الأمر ماضياً. بل إنها البراديغما الجديدة لنظرية العصرانية الديمقراطية الخاصة به، والبصيرة المنيعة المرتكزة إلى تحليل الحداثة الرأسمالية ككل متكامل. كما إنه لا يقتصر فقط على تحليل الحداثة الرأسمالية بكل مقوماتها. بل ويظهر إلى الميدان كقوة طليعية مكلفة ببلورة معالم العناصر التي ينبغي على العصرانية الديمقراطية البديلة اكتسابها فيما يتعلق براهننا، أي بالوقت الحاضر مكسوة بركائزها التاريخية، ومكلفة أيضاً برسم مسار البرنامج الاستراتيجية والتكتيكات اللازمة لتكل المكونات كي تحقق نجاحها.

عندما يكون التنظيم والنضال موضوع الحديث، فإن الإشكال الكادري يبرزُ إلى المقدمة

ت ـ رغم أن التحول إلى أية قوة طليعية يُذكر بنماذج الأحزاب الكلاسيكية، إلا أنه ثمة فوارق جوهرية فيما بينهما. فالقوة الريادية الجديدة هي نموذج بدئي للمجتمع الديمقراطي. بينما بشكل الحزب الجديد النموذج التمهيدي لمجتمع الأمة الديمقراطية.  ورغم دلالته على تكامل البرنامج والاستراتيجية والتكتيك كما كان سابقاً، إلا إن هذه المصطلحات قد مرت بتحولٍ ذي شأن. حيث تتخذ استراتيجية من مقومات العصرانية الديمقراطية أساساً لها. ويُشير برنامجه إلى كيفية إنشاء تلك المقومات على صعيد المبدأ. أما تكتيك، فيبسط للملأ ماهية القوى والوسائل وأشكال النضال التي ستحيي تلك المبادئ المنهجية على هدى الاستراتيجية. كما يحدد برنامجه الأهداف السياسية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدفاعية الذاتية والدبلوماسية التي تتلاءم مع براديغما العصرانية الديمقراطية. بينما ترتأي الاستراتيجية تحديد القوى المحورية والتكتيكية التي سيتم بلوغ تلك الأهداف وعبرها. فالأمة الديمقراطية والصناعة الأيكولوجية والاقتصاد الجمعي المتمحور حول السوق الاشتراكية، إنما تشكل الوحدات الاستراتيجية الأولية فيها. أما العنصر التكتيكية الأساسية، فتُعين بموجب أشكال التنظيم والنضال اللازمة لإحياء تلك الأهداف الأولية والعناصر الاستراتيجية، وإنشائها بنحو ملموس.

عندما يكون التنظيم والنضال موضوع الحديث، فإن الإشكال الكادري يبرزُ إلى المقدمة. لا يفقدُ القادة والكوادر أهميتهم في المجتمع الحديث. بل تحظى أدوارهم بأهمية مضاعفة، نظراً لزيادة تعقد المجتمع. المهم هنا مرة أخرى هو ماهية الرؤية التي ينطلقون منها ويعملون بها. فإذا عجز القياديون والكوادر الحزبيون عن تجاوز عالم الحداثة الرأسمالية، فسيتحولون إلى عناصر السلطة والاستغلال الرأسماليين، عاجلاً كان أم آجلاً. أما إذا تم التشبث بمقومات العصرانية الديمقراطية، فستشكل ملامح القادة والكوادر وفقاً لذلك. من هنا، ولئن تم التشبث بمنظور الاقتدار والديمقراطي والمجتمع السياسي والأخلاقي عوضاً عن منظور السلطة والدولة، فأن نشوء القادة والكوادر الديمقراطيين هو من دواعي الهوية الحزبية الجديدة.

تختلف وظيفة PKK، الأساسية في المرحلة الجديدة عن سابقاتها. فإلى جانب إحياء التأثير الأيديولوجي السائد في مرحلة المجموعة الأيديولوجية والتأثير السياسي السائد أساساً في سياق العمليات والحرب؛ يتعين عليه تحويل الهوية الكردية والمكتسبة وطموح الحياة الحرة إلى بناء للأمة ديمقراطية. فقد راكمت المرحلتان الأولى والثانية قدراً وفيراً من القيم من أجل ذلك. إلا أن هذا البناء لا يبرحً وظيفة عالقة. وعليه، فتكامل البرنامج والاستراتيجية والتكتيك في المرحلة الجديدة مكلف بتطبيق هذا البناء على أرض الواقع. وسوف نعالج تفاصيل هذا الموضوع في الفصل المعني بـ KCK. وهنا بالتحديد تحظى علاقة PKK مع KCK بالأهمية. وذلك أنه ينبغي على القوة الأيديولوجية والسياسية والتنظيمية لـ PKK أن تفي بالغرض وتلبي حاجة المهام التي يتوجب تنفيذها ضمن نطاق KCK.

ث ـ ومثلما سيفهم من كل ما ذكر أنفاً، فقد تعززت آفاق PKK الأيديولوجية بتوجيه الانتقادات إلى الاشتراكية العلمية ونظام الاشتراكية المشيدة. حيث استطاع سلوك المقاربة والمعتمدة على المساءلة المركزة، بدلاً من المقاربة الدوغمائية. كما حقق تطوراً في القدرة على التفكير والدياليكتيكي والانقال إلى الممارسة العملية. علاوةً على أن استطاعته على تقييم الواقع الملموس وإنجاز التحولات المطلوبة أضحت نوعية أكثر، وقوت شوكة الحياة الحرة لديه. واختزلت المسافة بين الأيديولوجيا والسوسيولوجيا. وقلت الفوارق بين السوسيولوجيا الاشتراكية العلمية. أي أنّ تبادل الآراء بين الفكر والأيديولوجي والسوسيولوجي والاشتراكي قد اتخذ طابعاً كلياً، متجها بذلك صوب علم اجتماع أكثر ثباتاً. ويتصدر PKK الأحزاب النموذجية في هذا الشأن. فالقوة الأساسية لاي حزب اشتراكي، تقاس بمدى تآلفه مع علم الاجتماع وأهليته له. أي إن قوته المعنية تتأتى من مدى ارتباطه مع علم الاجتماع. وبقدر ما ترتقي حصته من العلمية ضمن الآفاق الأيديولوجية والاشتراكية، يكون حينها قد أنجز التطور المرتقب في دوره الريادي.

كما ارتقى المستوى السياسي لـ PKK في المرحلة الجديدة بدرجة بارزة نسبةً إلى الماضي. ونظراً لأنه غالباً ما تكتسب الآفاق السياسية بالخبرة والتجربة، فإن PKK بُعد واحداً من الأحزاب المعدودة عالمياً في هذا المضمار. كما إن العجز عن القضاء عليه، رغم معاناته الحصار المشدد على مستوى هيمنة الحداثة الرأسمالية، قد اكسبه تجربة وبالتالي قوى سياسية ملحوظة. وهكذا حمل التسيس في المجتمع الكردي بالتداخل مع التسيس في PKK، وعلى أساس تعزيز بعضهما بعضاً. فبينما يحيا الشعب الكردي أقوى مراحل التسيس التي عرفها تاريخه، فإن الوقع يسري أيضاً على PKK، الذي تتدخل فيه السياسة الداخلية والخارجية بوثوق. كما إنّ مستوى السياسي المعاش على صلة وطيدة مع الواقعين التاريخي والكوني الراهن. فضلاً عن أن العلاقة بين السياسة والأخلاق قد عقدت بمتانة، إذ يتخذ التداخل في المجتمع الأخلاقي والسياسي أساساً. وبقدر سيادة العوامل الأيديولوجية والسوسيولوجية، وبالتالي العلمية في أرضيته السياسية؛ فإن العناصر الأخلاقية والجمالية ايضاً تسري فيها. وهذا يولي عناية خاصة لموضوع عدم إهمال الأواصر مع الفن، أو بالأحرى مع علم الفن. ويضفي الوجود والمعنى على السياسة من الناحية الفنية أيضاً، وليس على الصعيدين الأيديولوجي والأخلاقي فحسب. بمعنى آخر، تدور المساعي للابتعاد عن السياسة الفظة، والتوجه نجو ظاهرة سياسية غنيةٍ إلى هذه الدرجة، ونحو بلوغ حقيقتها.

إلى جانب عدم المعاناة من المصاعب الكادريةٍ كمياً في PKK على الصعيد التنظيمي، إلا إنّ المشكلة الأساسية في جميع المراحل قد نبعت من عدم تجسيد الروح الجماعية. حيث لا تؤدى الأدوار الفردية، ولا تطبق القوى الجماعية كفاية. أي أن نقاط الضعف التي شوهدت بكثرة هي التهرب من الروج الجماعية بقدر عدم لعب الأدوار الفردية. ولذلك، يُهدر الأفراد والكيانات التنظيمية قواهم كثيراً. وبتعبير آخر، لا ينفك PKK يعاني من مشكلة التحول إلى كادر منظم، ومن إدراك أن الدور الفردي يمر من تنظيم الذات، وأن الأخير يمر من الكوادر المتسمة بالمبادرة.

ANHA