القائد عبد الله أوجلان: المرأة المفتقرة إلى المعنى يصبح مجتمعها أيضاً بلا معنى

القائد عبد الله أوجلان: المرأة المفتقرة إلى المعنى يصبح مجتمعها أيضاً بلا معنى
السبت 20 تشرين الثاني, 2021   22:33
مركز الأخبار

عبدالله أوجلان

شكلُ حياة المجتمع البشري ليس كشكل حياة أي نوع من الكائنات الحية. حيث يحتوي خصائص تؤهله لتطوير ظاهرة السيطرة والسلطة بين صفوفه وعلى الطبيعة على حد سواء. أما الانسياق وراء الأمة القوية كماً وكيفاً مثلما الحال في سلطة الدولة القومية، فربما يحوّل كوكب حياتنا إلى مقبرة للحياة. ينبع الانحراف هذا من المجتمع، أي من المجتمع الذكوري المهيمن. ذلك أن الهيمنة التي يُسلّطها الرجل المسيطر على حياة المرأة، قد آلت بكوكبنا إلى حالة لا يطاق العيش فيها. لا يجري بلوغ هذه النتيجة بالتطور البيولوجي الطبيعي، بل بالسلطة المهيمنة ذات الحاكمية الذكورية. تأسيساً عليه، يتوجب إنقاذ الحياة مع المرأة من ظاهرة السلطة المهيمنة ذات الحاكمية الذكورية. فالمرأة التي تمر حياتها تحت نير السيطرة والحاكمية، باتت مزيتها في الإنجاب تقضي على الحياة بشكل تهكُّميٍّ ساخرٍ مع حلول عصر الحداثة الرأسمالية، رغم أن هذه المزية أحيت البشرية لملايين السنين. إنّ العيش مع المرأة في كنف الوضع القائم يُنّبئ بنهاية الحياة. ولهذه الحقيقة عدد لا نهاية له من الإشارات والدلائل. وإذا ما رتبنا تلك الدلائل:

a- تم بلوغ مرحلةٍ لا يتسع فيها الكون للتزايد السكاني الذي غدا يهدّد الكائنات الحية الأخرى.

وهكذا نوع من الحياة مع المرأة القابعة تحت نير الوضع الحالي، يهدد طبيعة الحياة وبيئتها بسرعةٍ متزايدةٍ، يوماً وراء يوم.

b- كما أنّ هذه الحياة تفتح الطريق أمام عنف السلطة اللا محدود داخل المجتمعات وخارجها.

والمستوى الذي وصلته العسكرتارية يثبت صحة هذه الحقيقة بما فيه الكفاية.

c- لقد صُيّر الجنس لدى المرأة أداة استغلالية مروّعة. وطُبّق عليها قمع واستغلال فظيعان.

كما حرفت الحياة كلية عن مجراها بحيث تكاد تعني - فقط وفقط - شذوذ جنسية متكررة بلا جدوى.

d- أصبحت المرأة المهمشة طردياً من المجتمع أداةً ضروريةً لا بد منها لإدامة النسل، وسلعةً جنسية، وقوةً عاملةً هي الأبخس على الإطلاق. وكأنه لم يعد لها أي معنى آخر.

e- وكأنه ترتكب إبادة ثقافية ضد المرأة، حيث لا قيمة لها سوى من خلال دورها في ممارسة الجنس وإدامة النسل، ومن حيث كونها عضو مجاني في جيش العاطلين عن العمل أو يداً عاملة بخسة. لقد جردت من قوة الدفاع الذاتي التي تمكنها من حماية نفسها جسدياً وأخلاقياً ومعنىً.

f- إنّ مجتمعاً يترك المرأة تتخبط بين مخالب حياةٍ بلا معنى في ظلّ هذه العوامل والمؤثرات، لا يمكن إلا أن يكون مجتمعاً مريضاً. فالمرأة المفتقرة إلى المعنى، يصبح مجتمعها أيضاً بلا معنى.

هذه الأمارات التي بالمقدور زيادتها أكثر، تكشف بكل جلاءٍ عن مسيس الحاجة إلى إطراء تحول جذري على حياة الشراكة الندية مع المرأة، وتجعلها مهنة عاجلة. فالحياة الحرة مستحيلة مع امرأةٍ مستملكةٍ ومجردةٍ من الحماية، وهي غير ممكنة أخلاقياً أيضاً. ذلك أن العبودية لا تتحقق إلا عند القضاء التام على الأخلاق. وبطبيعة الحال، لا نستطيع تسمية أخلاق قوى الهيمنة بالأخلاق، حيث إن القوة المهيمنة، وبالتالي الذكورة المهيمنة لا تتحقق إلا بانحطاط الأخلاق. ونظراً لاستحالة العيش من دون المرأة (قد تكون الحياة واردة من دون الرجل، ولكنها تغدو حياة عبودية)، فإن إنقاذ الحياة حينئذ يجعل تحرير المرأة ضرورة حتمية. هذا الشرح معني بالأكثر بالمرأة ضمن البنية الاجتماعية. إذ تتضاعف أهمية قضية المرأة ضمن العالم والعلاقات الذهنية لهذه البنية، حيث يستحيل العيش مع المرأة (سواء كانت زوجة على وجه العموم، أم شريكة حياة حرة على وجه الخصوص) ما لم تطور الذهنية التي تنجح في التصدي للدلائل السلبية المذكورة أعلاه بشأن المرأة. بناء عليه؛ ومن أجل العيش في مستوى الشراكة الحرة مع المرأة باعتبارها أطروحة مضادة، بإمكاننا إيجاز ما يلزم تحقيقه على الشكل التالي:

a- ثمة حاجة ماسة أولاً إلى مصطلح حياة ندية أيكولوجية، لا تعمل أساساً باستمرار النسل والتكاثر، بل تتلاءم والطموحات العالمية للبشرية، وتقتفي أثر نشوء الكائنات الحية الأخرى على سطح الكوكب. ذلك أن المستوى الذي حققه المجتمع عالمياً، يجعل من الحياة الحرة مع المرأة ضرورة حتمية. والاشتراكية الحقة لن تشاد إلا بالتأسيس على الحياة الحرة مع المرأة، وأولويات الاشتراكية تتمثل في بلوغ مستوى الحياة الحرة مع المرأة دون بدّ.

b- من أجل ذلك، يتوجب الكفاح ذهنياً ومؤسساتياً تجاه السلطة المهيمنة للرجل الحاكم، وضمان نصر هذا الكفاح ذهنياً ومؤسساتياً على صعيد الشراكة الندية الحرة، حيث محال تحقيق الحياة الندية الحرة، ما لم يحرز هذا النصر والنجاح الموفق.

c- يجب ألا ينظر إلى العيش مع المرأة على أنه لغرض إدامة الغريزة الجنسية تكراراً ومراراً. حيث لا يمكن تحقيق الحياة الندية الحرة بتاتاً من دون القضاء على الحياة الجنسوية الاجتماعية في جميع المجالات الذهنية والمؤسساتية، والتي دامت طيلة تاريخ المدنية، وبلغت أبعاداً مروّعة مع الحداثة الرأسمالية. فالعيش مع المرأة في كنف البراديغما والمؤسسات التي تراها ظاهرة مُلكٍ ومادة جنسية، لا يدل على الانحطاط الأخلاقي فحسب، بل وهو أقبح أشكال الحياة وأكثرها خطأ. وما من مثال على ظاهرةٍ اجتماعيةٍ أخرى قادرةٍ في ظل هذه الظروف على تفسيخ المرأة، وبالتالي الرجل، والحط من شأنهما.

d- حياة الشراكة الندية الحرة مع المرأة غير ممكنة، إلا في الظروف والأجواء التي تُرفَضُ فيها الملكية وتُفَنَّد، والتي يكتمل فيها تجاوز الجنسوية الاجتماعية المُسَخَّرة للتملك، وتُوَطّدُ فيها المساواة المجتمعية (الوحدة ضمن الاختلاف) على جميع المستويات.

e- حياة الشراكة الندية الحرة غير واردة، إلا مع المرأة التي لم تعد أداةً لاستمرار النسل، ولا عاطلة عن العمل، ولا يداً عاملةً بخسةً أو مجانية؛ بل خرجت من كونها موضوعاً شيئياً وحققت ذاتيتها على جميع الصعد.

f- لن يتماشى المجتمع مع حياة الشراكة الحرة، إلا في ظل هذه الظروف الإيجابية، ليتمكن بالتالي من التحول إلى مجتمع تسوده المساواة والحرية.

g- حياة الشراكة الندية الحرة واردة بين النساء والرجال الذين طوّروا قيمهم البنيوية والعقلية في كنف الأوساط المجتمعية الإيجابية.

من كتاب مانفيستو الحضارة الديمقراطية (الحضارة الديمقراطية وحل الأمة الديمقراطية)