"فنّ الأزمات الخليجية" بين التقارب من دمشق والتباعد عن لبنان

يشتعل العداء الخليجي مع "حزب الله" وإيران على الساحة اللبنانية، فيما يظهر التودد الخليجي ممثلاً بالإمارات لحكومة دمشق، فهل يحمل هذا التطور بوادر حلحلة في الأزمة اللبنانية الأخيرة؟ وهل تمتد الحلحلة إلى الحكومة اللبنانية لتعقد جلساتها في ظل تعنت "حزب الله" تجاه قضية المحقق العدلي طارق بيطار؟

"فنّ الأزمات الخليجية" بين التقارب من دمشق والتباعد عن لبنان
الجمعة 19 تشرين الثاني, 2021   03:44
بيروت - زياد أبو غزالة

تنسحب التغيرات المناخية العجيبة على عالم السياسة، وحيث سادت القطيعة سنوات طويلة، تهب مؤخرًا نسمات العودة والانفتاح. وحيث كانت العواصم العربية الكبرى حاضنة عواصم أصغر منها، سُحبت بطاقات الائتمان وجرت الخصومة في الخطوط الساخنة. إنَّه فن الأزمات الجديدة في المنطقة العربية بين التقارب من دمشق، والتباعد عن لبنان.

فيما يشهد لبنان أسوأ أزمة دبلوماسية مع الدول الخليجية، في طلاق ربَّما يكون طلاقًا بائنًا لا رجعة فيه، ترجع الإمارات إلى حكومة دمشق أو ترجع حكومة دمشق إلى أبو ظبي، لا فرق. فالأجواء الباردة بين الجانبين كسرها الحضن الخليجي للابن الذي لم يكن بارّاً لنحو عقد كامل، وها هي الآن العلاقات الخليجية ممثلة بالإمارات تدفع باتجاه تعويم بشار الأسد، بالتوازي مع عزل لبنان عن محيطه العربي الخليجي.

لكن السؤال، هل يتأثر لبنان برياح الود التي تجتاح دمشق من جهة الإمارات، يجيب الكاتب والصحافي اللبناني منير الربيع: "يتأثر لبنان استراتيجياً بما يجري في المنطقة، وهو يرتبط بشكل وثيق بتطورات الوضع في سورية. وإن الانفتاح الإماراتي على سورية سينسحب على لبنان لاحقًا، لأن أي تطور يحصل في سورية، لا بد أن ينعكس عليه. وآخر تلك الانعكاسات، الانهيار الاقتصادي اللبناني الذي كان ثمنًا لانخراط لبنان وتأثره بالانهيار السوري".

وحول دوافع الانفتاح الإماراتي المفاجئ والمريب على دمشق بعد هجوم حاد عليها، وثقه الإعلام بالصوت والصورة والكلمة، يرى الرَّبيع أنَّ "النظرة التي تُقدم للانفتاح الإماراتي على سورية، لها علاقة بتقليص النفوذ الإيراني في دمشق، أو بتعاون إماراتي روسي وإسرائيلي أيضًا لدفع بشار الأسد إلى الدخول في هدنة طويلة الأمد، تحمي أمن إسرائيل مقابل تعويم الأسد مجددًا. وانطلاقاً من هذا التعاون الروسي الإماراتي يمكن للجانبين لعب دور أساسي في لبنان لاحقًا، سواء من خلال النظام السوري أو بعض حلفائه، بما يصطدم مع مصلحة حزب الله الاستراتيجية".

ويضيف الربيع: "ولكني لا أتفق شخصيًا مع وجهة النظر هذه، لأن الظروف اليوم مختلفة كلياً عن سياق التدخل السوري في لبنان عام 1976 وتكريسه بموافقة دولية عام 1990".

وأيًّا كان محرك التطورات المستجدة في لبنان وسورية، فإن الثابت الوحيد، أن لبنان لا يمكن أن ينسلخ عن دائرة الحسابات الإقليمية، التي غالباً ما يكون شريكًا رئيسياً، بل والطرف والمتقدم في دفع ثمنها على أراضيه. وغالبًا، ستكشف الأيام المقبلة، انعكاسات التطبيع الخليجي مع حكومة دمشق على سير الأزمة في لبنان بعد توقفها في زحمة الدبلوماسية المعقدة. 

وتتوالى التداخلات والتقاطعات الإقليمية على المشهد اللبناني، وهذه المرة تركياً، مع تصريحات وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو خلال زيارته بيروت، والتي قال فيها "إن تركيا تعرب عن أسفها بسبب الأزمة الراهنة بين لبنان ودول الخليج"، داعياً إلى حل النزاع عبر الحوار والدبلوماسية.

دبلوماسية يبدو أن الرئيس اللبناني ميشال عون يحاول أن يدفعها إلى الأمام من بوابة قطر. فوفقاً لمصادر صحفية، سيزور عون الدوحة نهاية الشهر الجاري على رأس وفد للمشاركة في افتتاح فعاليات رياضية، على أن يعقد لقاءات سياسية على هامش هذه الزيارة، المهمة في توقيتها وظروفها في ظل الأزمة بين لبنان وعدد من الدول الخليجية، رأس الحربة فيها السعودية.

حافلة الأزمة، متى تتوقف؟

ولم يكن أحد يتوقع أن تتطور العلاقات الباردة نسبياً بين لبنان والسعودية إلى هذا الحد، فإخراج رئيس الحكومة اللبناني الأسبق سعد الحريري من عباءة الرياض تدريجيًا على مدى السنوات الأخيرة، لم يكن ينذر بحسم الأمر على هذه الشاكلة، ودفع العجلة إلى الزوايا المسننة، حيث لا يمكن تدويرها أبداً أو تغيير اتجاه العجلة، لتكون النتيجة صداماً حقيقياً بدأ دبلوماسياً، وانتهى سياسياً إقليمياً حول لبنان إلى ساحة تصفية حسابات مع إيران.

مشهد مركَّب لا يعرف إن كانت ستحقق بيروت أي نجاح في الخروج منه بأقل الخسائر. فالأمر أشبه بركوب لبنان حافلة القطيعة الخليجية، وتسير بسرعة شديدة جداً ولا يُعلم متى تتوقف وأين المحطة الأخيرة.

وعن احتمالات النجاح في النزول من تلك الحافلة بأقل الخسائر الممكنة وبأسرع وقت، يقول منير الرّبيع: "بالنسبة لأزمة لبنان مع دول الخليج فإنها أزمة هوية. والسؤال هل سيكون لبنان عربيًا، أم أنه لا يوافق على العروبة وسيذهب باتجاه التحالف المشرقي، أو تحالف الأقليات أو أي من التحالفات السياسية التي لا تتواءم مع هوية ومصلحة لبنان التاريخية في أن يكون مع العرب".

ويتابع الربيع مؤكداً أنه "حتى الآن لا مجال للحديث عن الخروج من الأزمة مع دول الخليج، إلا بالوصول إلى اتفاق سياسي شامل في المنطقة ينعكس على لبنان ويكون جزءاً منه".

هزات ارتدادية تضرب الحكومة

بدأت الأزمة دبلوماسية، أو هكذا أريد لها أن تكون، لتواري سقف الصراع الإيراني- السعودي على الأراضي اللبنانية. وبالاسم نفسه، تستمر الهزة الدبلوماسية ومعها هزاتها الارتدادية على أروقة السياسة في لبنان، وعلى وجه الخصوص داخل مجلس الوزراء.

ففي ظل هذه الوقائع "المشهد الحكومي في لبنان سيبقى معقدًا"، يقول منير الربيع، ويتابع: "حزب الله يرفض المشاركة في جلسات الحكومة قبل الوصول إلى حل يتعلق بإقالة المحقق العدلي في جريمة تفجير مرفأ بيروت القاضي طارق بيطار".

ويرى الربيع أنّ رئيس الحكومة اللبناني نجيب ميقاتي "سيواجه مشكلة أساسية في حال أراد عقد جلسات وزارية، وبقي وزير الإعلام اللبناني جورج قراحي وزيرًا في الحكومة، فعندها، كيف يمكن لميقاتي أن يوافق على ذلك، هذا أولًا، وكيف يمكن له أن يوافق على أن يتلو قرداحي بنفسه مقررات مجلس الوزراء. ولهذا السبب فإن الأزمة ستتشعب أكثر فأكثر، ولا معطيات تفيد بإمكانية الوصول إلى حل بشأن الأزمة الحكومية في البلاد".

(ي ح)

ANHA