الدبلوماسية.. حرب بالوكالة على لبنان

مع اشتداد الأزمة الدبلوماسيّة بين لبنان والخليج بقيادة السعودية، هل تتكشّف حقيقة تحوّل لبنان إلى ساحة لتصفية حسابات عالقة بين الرياض والطهران. وهل ينعكس ذلك على صراع مذهبي ينفجر في شوارع لبنان؟

الدبلوماسية.. حرب بالوكالة على لبنان
الخميس 11 تشرين الثاني, 2021   03:39
بيروت – زياد أبو غزالة

تتعدى الأزمة اللبنانية الخليجية حدود الخصومة السياسية أحادية الجانب، إلى ما يبدو أنها حرب بالوكالة. والمفارقة، وربّما الطبيعيّ جدًّا، أن لبنان في هذه الحرب الخصم والحليف في آنٍ معاً. فما أن أعيد بث تصريحات وزير الإعلام اللبناني جورج قرداحي التي كان أدلى بها قبل تسلم منصبه، حتَّى انفجرت فوهة البركان واستشاطت السعودية غضباً عجيباً، وكرت بعدها السبحة مع الإمارات والبحرين والكويت بما تجاوز بشكل ملحوظ البروتوكول الدبلوماسي في التعاطي مع واقعة كهذه، وكأن الرياض تخرج لبنان من عباءتها إلى غير رجعة.

وعلى الجبهة الموازية، لاءات صارمة تمضي في طريقها، لا تقبل الاستقالة أو التلميح بها، وترفض الاعتذار عن مواقف سياسية لا عدول عنها. هكذا تتحول ما سمت نفسها حكومة إنقاذ إلى حكومة إغراق البلد في القطيعة مع الجوار العربي. بعد أن تقزمت إلى حكومة "حزب الله" السد المنيع في وجه السعودية.

هكذا إذاً، لم تكن المسألة أبداً تتعلق في تصريحات بشأن الحرب على اليمن خرجت من شخصية لبنانية، فالشرخ أعمق من ذلك، يعود إلى صراع بين السعودية وإيران يدفع ثمنه لبنان من جيوبه الفارغة. وكأن المرحلة الحالية في العلاقات اللبنانية السعودية، هي مرحلة الكي بعد بال طويل، وعلى تعاظم نفوذ "حزب الله" داخل لبنان وسيطرته على شرايين الحياة السياسية والأمنية.

سيطرة يرى مراقبون أنها السبب الأول والمباشر للبرودة، ولاحقاً للعداوة الناعمة بين الرياض وحلفائها في لبنان، وبخاصة سعد الحريري رئيس الوزراء الأسبق، جراء سماحهم بتغلغل "حزب الله" في الحكومة. فالخارجية السعودية كانت صرحت بأن الأزمة الدبلوماسية مع لبنان سببها هيمنة "حزب الله" على البلاد، ولا جدوى في التعامل مع حكومته في ظل الهيمنة القائمة.

النتيجة لكل هذا واحدة لا غير، أزمة عنوانها قرداحي، وما وراء السطور شد حبال بين طهران والرياض مستمر منذ سنوات، واليوم يدفع لبنان دفعاً للاصطفاف والاختيار، إما هذا وإما ذاك، وفي كلا الاحتمالين، ستكون الضريبة باهظة على أن يتحملها.

سوريا والعراق واليمن والبحرين.. كلّها ما تزال ساحات حرب بين السعودية وإيران، وكذلك لبنان يبقى، كلّ ما في الأمر أن الاقتتال اليوم يدخل منعطفاً حاداً ستترتب عليه تغييرات جديدة محليَّة وإقليميّة.

الخصومة، لماذا الآن؟

لا ينفصل المشهد في لبنان عن البانوراما الإقليمية والدولية. فالتصعيد السعودي تجاه لبنان سياسياً واقتصادياً يأتي في ظل مشاورات إيرانية سعودية متواصلة منذ أشهر للتوصل لحل ينهي نوعاً ما فتيل النزاع الثنائي، الذي اشتعل قبل سنوات في المنطقة ولم ينطفئ بعد.

النار ملتهبة في أكثر من جبهة، تتقدمها اليمن، ومنذ العام 2015 تتقاذف طهران والرياض الملفات الشائكة على أرض هذا البلد المنكوب، حيث التحالف بقيادة الرياض يدعم الحكومة، فيما تقف طهران في ظهر الحوثيين، الذين بلغوا مبلغاً كبيراً في قائمة الأهداف العسكرية والحيوية السعودية.

الأمر الذي دفع مختصين للقول "إن الرياض تمارس ضغوطاً غير مسبوقة على لبنان، ليكون أكثر حزماً مع حزب الله، ما يرجح وجود علاقة طردية بين جولات المباحثات السعودية الإيرانية، والضغط السعودي على لبنان بيضة القبان في ملف التنازلات المعروضة على طاولة اليمن".

إجراء أشبه ما يكون بالابتزاز السياسي، يأتي في وقت كان لبنان يراهن على دفع العجلة على طريق بيروت الرياض، وتحريك المياه الراكدة معها، للحصول على الدعم المالي والنهوض من أزمة اقتصادية صنفها البنك الدولي من بين الأسوأ في العالم منذ العام 1850.

ولا يبدو في المنظور القريب أن الوضع الاقتصادي سيشهد أي حلحلة، ما يزيد التحديات أمام الحكومة الحالية التي تشكلت بعد فراغ سياسي استثنائي، وما كادت تفعل. فراغ لم يعقبه سد فراغ، بل تعطيل جلسات منذ أسابيع متتالية جراء تعنت "حزب الله" وتمسكه بمطلب إقالة المحقق العدلي في جريمة تفجير مرفأ بيروت القاضي طارق بيطار.

هذا النسق من الهيمنة لـ"حزب الله" على النهج السياسي اللبناني، واصطباغه بلون التعطيل الدائم، قد يكلف لبنان خسارة الصخرة السعودية التي كان يستند عليها في عجزه المركب سياسياً واقتصادياً، لكنه بالتوازي، قد يفقد الرياض السيطرة نهائياً، بتحول كفة لبنان بالكامل لصالح المشروع الإيراني وتعزيز وجوده. فالأمر في هذه الحالة أشبه بإطلاق النار على قدم الحكومة، لتنهض وتقوم من جديد بقوة أكبر. كيف يعقل هذا، وحدها الأيام المقبلة تجيب عن هذا، وغيره من المفارقات، في بلد يحمل المفاجآت دوماً، واعتاد على الرقص في الإعصار.

الانزلاق لاقتتال مذهبي

وتتعدد السيناريوات السريالية، ويبقى الاقتتال المذهبي مشهداً مرعباً يلوح في الأفق مع كل أزمة سياسية حادة تعصف بالبلاد. ففي حال استمرت كرة الثلج الإيرانية السعودية بالتدحرج في لبنان، فإن البلاد ذاهبة وفق كثيرين إلى نزاع مذهبي يفجر الشارع المحتقن أصلاً منذ "حادثة شويا"، مروراً بأحداث "خلدة" وصولاً إلى "الطيونة" وتداعيات ما حصل.

وليس بعيداً مع تفاقم الأزمة، حدوث ردود فعل داخلية، يحركها طابور يطرق عصب المذهبية في الدولة الهشة، ليعاد السيناريو نفسه على غرار ما شهدته الطيونة مؤخراً، ولكن هذه المرة لتطال المناطق المختلطة سنّة وشيعة. وعندها يدخل لبنان فعلاً في أعقد مراحل تصفية الحسابات الإقليمية، التي دخلها مراراً سابقاً وما يزال.

وكما جرت العادة في سيناريو كهذا، يتحمل اللبنانيون الفاتورة كاملة من دمائهم ودماء أبنائهم. مما يعني دفع الأثمان الباهظة للبنانيين كما تجري العادة. وما يخيف اللبنانيين أنه لا بوادر انفراجة في الأفق، فقرداحي متمسك بموقفه وخلفه "حزب الله" الداعم والمؤيد والرافض لأي مقترح إقالة. أما ميقاتي فحصل على الدعم الأميركي والفرنسي لدوام حكومته، ودوامه رئيساً لها.

فالاستقالة إذاً غير واردة، وحتى وإن حصلت، فهذا يعني أزمة أخرى جديدة، تضرب الانتخابات المرتقبة عرض الحائط، وصب الزيت على النار داخلياً وعلى مستوى العلاقات عربياً ودولياً، مما يعزز تحول الشارع إلى قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي لحظة، ما لم تتوصل القوى الإقليمية والدولية إلى تسوية بشأن لبنان قريباً.

(ح)

ANHA