​​​​​​​السودان وانقلاب العسكر .. أزمة تحدد ملامح مستقبل البلاد

أمِل السودانيون خيرًا مع التخلص من حكم البشير الذي استمر 30 عامًا، وظنوا أنهم سيتوجهون إلى الديمقراطية، ولكن يبدو أنهم يصطدمون بواقع أشد ترديًا. اليوم؛ ومجددًا، يعيش السودان على وقع انقلاب عسكري جديد، ليقف على مفترق طريق في أكبر أزمة ستحدد ملامح البلاد لفترة قادمة.

​​​​​​​السودان وانقلاب العسكر .. أزمة تحدد ملامح مستقبل البلاد
الأربعاء 10 تشرين الثاني, 2021   03:56
مركز الأخبار - جودي إسماعيل – أماني عزام

أعلن قائد الجيش السوداني ورئيس المجلس السيادي، عبد الفتاح البرهان، في الـ 25 من تشرين الأول الماضي، حالة الطوارئ وحل مجلسي السيادة والوزراء. في خطوة أشعلت فتيل غضب الشارع السوداني الذي كان يطمح منذ عقود إلى حكم مدني ديمقراطي يلبي مطالب الشعب.

وعُيّن المجلس السيادي الذي حله البرهان، في 20 من شهر آب / أغسطس 2019، ليشرف على المرحلة الانتقالية للبلاد بعد الإطاحة بحكم، عمر البشير، وعقب اتفاق بين المجلس العسكري الانتقالي وتحالف قوى إعلان الحرية والتغيير الذي يمثل أحزاب المعارضة السودانية، حيث نصت الوثيقة الدستورية على أن يتولى المجلس قيادة البلاد خلال المرحلة الانتقالية التي ستمتد مدة 39 شهرًا، من تاريخ التوقيع عليها، ليعقبها إجراء انتخابات عامة.

ومع جملة القرارات التي اتخذها قائد الجيش السوداني، أعلن البرهان أيضًا، في خطاب متلفز، إعفاء ولاة المدن والقبض على أعضاء في الحكومة الانتقالية وقادة مدنيين آخرين، من بينهم رئيس الوزراء عبد الله حمدوك الذي وضع قيد الإقامة الجبرية بعد رفضه تأييد الانقلاب.

"تشاكس وتحريضٌ على الفوضى" هكذا برر البرهان انقلابه فكيف يراه السودانيون؟

وخلال إعلانه الانقلاب العسكري على شركائه المدنيين، قال قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان إن التشاكس والتكالب على السلطة والتحريض على الفوضى؛ دون النظر إلى المهددات الاقتصادية والأمنية، هو ما دفعه إلى القيام بتلك الإجراءات.

أسبابٌ وصفها الكاتب الصحفي السوداني، عبدالجليل سليمان، "بمبررات فطرية" مبينًا أنها "لا تقوم على أدلة وبراهين ووقائع"، إذ أنه يرى من وجهة نظره أن "التكالب على السلطة في السودان صفة لازمت العسكريين أكثر من المدنيين"، واستشهد بكلامه "احتكار العسكريين للسلطة زهاء ٥٢ عامًا، أي حتى قبل وصول البشير إلى الحكم، ثم إصرارهم على مشاركة المدنيين للفترة الانتقالية التي أعقبت سقوط البشير".

أما بالنسبة للفوضى والاختلالات الأمنية، فقال سليمان أن "العسكر هم من يتحملونها لا غيرهم، فالوثيقة الدستورية التي أطاح بها الانقلابيون، أعطت المكون العسكري في الحكومة الانتقالية وزارتي الداخلية والدفاع وجهاز المخابرات، وبالتالي؛ فإن حدثت اختلالات أمنية فإنها تعود ببساطة إلى من تقع على مسؤوليته حفظ الأمن والنظام".

وأشار سليمان إلى أن "ما حدث شرق السودان من قطعٍ للطرق الاستراتيجية وإغلاق للموانئ كان مخططًا له من قبل المكون العسكري تمهيدًا للانقلاب، وهذا ما صرح به الزعيم القبلي وقائد الاحتجاجات هناك مرات عديدة، إذ قال إنه يفعل ذلك تحت حماية المكون العسكري".

ومن جهته، يتفق رئيس حملة "سودان المستقبل" ومؤسس الحزب الليبرالي السوداني، عادل عبد العاطي، مع الكاتب عبدالجليل سليمان. إذ قال عن مبررات البرهان إنها "باطلة"، مضيفًا: "لنا أن نلاحظ أن المتحكم الرئيس في الحكم في الفترة الانتقالية كان هو المكون العسكري، حيث كان البرهان رئيس مجلس السيادة ورئيس مجلس التشريع المؤقت (الاجتماع المشترك لمجلس السيادة ومجلس الوزراء) ورئيس لجنة الأمن والدفاع الوطني العليا والقائد العام للجيش، وكانت وزارتا الدفاع والداخلية في يد العسكريين، وكذلك ٨٢٪ من المؤسسات الاقتصادية في يدهم". وتساءل عبد العاطي: من هو إذن المتكالب على السلطة، ومن يتحمّل مسؤولية الفشل الأمني والاقتصادي غير العسكريين؟

تناقضات

وبُعيد إعلان البرهان انقلابه العسكري، أكد البرهان، على استمرار الجيش في "إكمال التحول الديمقراطي، حتى تسليم قيادة الدولة لحكومة مدنية منتخبة" ومتعهدًا بتشكيل حكومة كفاءات وطنية، تستمر مهامها حتى موعد إجراء الانتخابات عام 2023.

ولكن ناشطين ومحللين سياسيين شككوا فيما طرحه البرهان من مبررات، إذ يتساءل بعضهم عن التناقض الجلي، بين الاعتقالات التي قام بها البرهان لمسؤولين مدنيين وبين تعهده بإكمال التحول الديمقراطي، وتسليم القيادة لحكومة مدنية، لكن المحللين يرجحون في الوقت ذاته أن إعادة هيكلة الحكومة ليس من شأنها سوى أن تتحول إلى حكومة أخرى تصنع على مرأى من العسكريين ليمارسوا الحكم وراء الستار، على حد تعبيرهم.

ويتفق عبد العاطي مع تلك التحليلات، مشيرًا إلى أن البرهان ومحمد حمدان دقلو الملقب بـ "حميدتي" قائد قوات الدعم السريع في السودان، الذي لمع نجمه في الانقلاب على حكم البشير سنة 2019، حيث كانا "يسعيان إلى الاحتفاظ بالسلطة لأطول فترة ممكنة بدخول انتخابات يترشح لها أحدهما وفق شروطهما، هذا مطلب كان من الصعب تحقيقه دون السيطرة الكاملة على مؤسسات الدولة وإبعاد أي منافسين".

في حين أكد الكاتب سليمان على "أن البرهان يحاول الآن خداع بعض الدول الإقليمية التي يقلقها وجود نظام ديمقراطي تعددي، بتسويق نفسه بأنه من سيقوم بهذه المهمة".

سخط شعبي وإدانات دولية

وقوبل الانقلاب العسكري بسخط شعبي واحتجاجات جماهيرية واسعة، فيما دعا تحالف قوى الحرية والتغيير إلى عصيان مدني شامل والخروج إلى الشوارع؛ لإفشال سيطرة الجيش على السلطة، وشهد السودان تظاهرات حاشدة أدت إلى مقتل ثلاثة متظاهرين وإصابة 80 شخصًا في إطلاق نار من الجيش، بحسب لجنة أطباء السودان المركزية.

وتسارعت ردود الفعل الدولية المنددة بتولي الجيش السلطة في السودان، وتعطيل مسيرة التحول المدني الديمقراطي، ونددت بعثة الأمم المتحدة في السودان بالاعتقالات بالقرب من مكاتبها في العاصمة الخرطوم داعية إلى الإفراج الفوري عن المعتقلين.

كما شدد رئيس الوزراء السوداني، عبد الله حمدوك، الذي وضع تحت الإقامة الجبرية، أن المدخل لحل الأزمة هو إعادة الوضع إلى ما كان عليه في 24 تشرين الأول/ أكتوبر، إلى جانب إطلاق سراحه، ومزاولة مجلس الوزراء كامل عضويته"، بحسب بيان صدر عن الناطق باسم حكومته.

ومع تصاعد الضغوط الدولية والمحلية، ساد التفاؤل في السودان باقتراب نهاية الأزمة بعدما أمر البرهان في 4 تشرين الثاني الجاري، بإطلاق سراح أربعة وزراء مدنيين من حكومة حمدوك، في خطوة قال مراقبون إن الهدف منها تسهيل جهود الوساطة وبناء الثقة مع الأطراف المدنية.

غير أن الكاتب سليمان رأى أن هذه الخطوة "جاءت تحت ضغط الشارع، فالشعب السوداني لا يقبل حكم العسكر مرة أخرى، فضلًا عن تدخل الاتحاد الأفريقي والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ومعظم الدول الغربية الكبرى".

ولكنه استبعد أن يكون لدى "الانقلابيين" نية في إعادة السلطة إلى حكومة عبد الله حمدوك، قائلًا "إنهم يساومون لكسب الوقت وترسيخ وتكريس انقلابهم على أرض الواقع".

واتفق مؤسس الحزب الليبرالي السوداني، عادل عبد العاطي، مع الفكرة ذاتها، وقال إن قبول العسكر بقسمة السلطة برمته لم يكن "إلا نتيجة ضعفهم أمام الشارع فقد فضوا الاعتصام من قبل وألغوا كل المفاوضات في ٣ حزيران/ يونيو ٢٠١٩ ولكن خروج الملايين إلى الشوارع في ٣٠ حزيران/ يونيو ٢٠١٩ رغم الإرهاب والقمع وقطع الاتصالات أجبرهم على التراجع، في الحقيقة هذه الشراكة كانت تحميهم من غضب الشارع، الآن اتضح لهم أن الشارع العريض ضدهم - خصوصًا في المدن - لذلك يبحثون عن حلول".

وبيّن عبد العاطي أن المظاهرة المليونية التي شهدها السودان في 30 تشرين الأول المنصرم "تجاوزت مطالب عودة الشراكة بل طالبت بإبعاد العسكريين تمامًا عن المشهد، وهي مطالب معلومة لحمدوك نفسه ولا يستطيع تجاهلها، لن تكون هناك عودة بسيطة لواقع ما قبل الانقلاب".

"لا مفاوضات ولا تقاسم للسلطة".. السودانيون وفرص الإطاحة بالانقلاب

وعن فرص الشعب للإطاحة بهذا الانقلاب رأى عبد العاطي أن "فرص الشعب في ظل عدم وجود قيادة موحدة ومصادمة لحراك ذات رؤية واضحة في عدم الشراكة مع المدنيين، ضعيفة".

وأضاف أن "أكبر مشكلة تواجهنا الآن هو حرص عدد كبير من الأحزاب على عودة الشراكة، الجامعة العربية يجب أن تقف على الأقل موقف الاتحاد الافريقي وأن تصف الأمر كما هو عليه، أنه انقلاب وتطالب على الأقل بإطلاق سراح المعتقلين وإلغاء القرارات الانقلابية، نحن واقعيون ولا نتوقع منها أكثر من ذلك في دعم مطالب الشعب في تحول مدني ديمقراطي حقيقي دون أي مشاركة من العسكر".

فيما أثنى الكاتب سليمان على إرادة الشعب السوداني الذي أنجز العديد من الثورات الناجحة، وقال إنه "يحظى بدعم وتعاطف دولي كبيرين.. كما أنه راكم خبرات كبيرة في كيفية تنظيم الاحتجاجات والمناورة على الأرض والضغط عبر الاعتصامات والعصيان المدني والحملات الإعلامية، بظني أن هذا الانقلاب لن يستمر، وسوف يتم القضاء عليه في وقت ليس بعيد".

انقلاب سبقه "انقلاب فاشل"

وشهد السودان في 21 أيلول المنصرم محاولة انقلاب فاشلة من ضباط ومدنيين مرتبطين بنظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، الذي كان تاريخه حافلًا بتواطؤه مع جماعة الإخوان المسلمين، وحول العاصمة خرطوم قبلة لكل التيارات المتطرفة في التسعينات، مثل كارلوس الملقب بابن آوى، الإرهابي الأخطر في العالم وأسامة بن لادن مؤسس وزعيم تنظيم القاعدة السابق، وغيرهما من الإرهابيين.  

وقال الكاتب، عبدالجليل سليمان، في هذا السياق، إن البرهان "شرع منذ انقلابه وما يزال في إعادة جماعة الإخوان المسلمين التي حكمت السودان ٣٠ عامًا، فدمرته ودمرت علاقاته الخارجية، إلى الواجهة مرة أخرى ومعهم المتطرفون الدواعش، فقد أطلق سراح كل قيادتهم التي زحت بها الثورة في السجن، وإن كان أعاد بعضهم إلى المعتقلات مرة أخرى تحت ضغط الدول الإقليمية، لكنه في المقابل ما فتئ يعمل على تعيين كوادر الصف الثاني منهم في كل مفاصل الدولة".

وعن "الانقلاب الفاشل" يرى سليمان أن "هذه الانقلابات، مشكوك فيها، فلم يكشف عن طبيعتها ومدبريها"، مضيفًا "إن مثل هذا النوع من الانقلابات المفبركة، يكون الهدف منها تهيئة المناخ للانقلاب الحقيقي الذي قام به البرهان ٢٥ تشرين الأول/ أكتوبر، لا أكثر لا أقل".

في حين رأى رئيس حملة سودان المستقبل، عادل عبد العاطي، أن ما شهده السودان في شهر أيلول "لم يكن انقلابًا" وإنما "كان هناك تذمر وسط الضباط في سلاح المدرعات تجاه محاولات تفكيكه" وأضاف: "لم تكن هذه المرة الأولى التي يدّعي فيها العسكر وجود انقلاب فقد أعلنوا عن ثلاثة انقلابات قبل ذلك الانقلاب المزعوم، وحتى الآن لم يتم محاكمة أحد أو إدانة أحد في تلك الانقلابات المزعومة".

السيناريوهات المتوقعة

ووسط رفض شعبي وحديث عن وجود حل وشيك للأزمة السودانية، يتبادر إلى الذهن المسارات المتوقعة التي ستسلكها السودان في المرحلة المقبلة، ومخاطر هذا الانقلاب على الوضع السوداني في المستقبل القريب، وفي هذا السياق اعتبر الكاتب السوداني، عبدالجليل سليمان، بأنها "مهددات وجودية على السودان كدولة".

وأكمل: "الانقلاب حدث بتحالف للمسلحين ضد القوى السياسية المدنية، تحالف بين قائدي الجيش والدعم السريع وبين حركتي العدل والمساواة وتحرير السودان الموقعتين على اتفاق جوبا للسلام مع الحكومة الانتقالية، وبين هذه الجهات الانقلابية المسلحة من التناقضات التي تجعلها تلجأ إلى السلاح في مجابهة بعضها البعض إذا استتبت لها الأمور ونجح انقلابهما، حينها ستبرز المنافسة على السلطة والسلاح هو الحكم والفيصل في غياب القوى المدنية".

مبينًا أن "التكوين القبلي والجهوي لهذه الحركات والميليشيات المسلحة سيزيد من حدة التناقضات بينها، خاصة وأنها كانت تحارب بعضها البعض إبان النظام السابق".

وحذر سليمان من "أن هذا الانقلاب إن نجح، فإنه بداية لتفكيك السودان إلى دويلات هشة ومناطق قبلية يديرها لوردات الحرب وزعماء القبائل".

أما رئيس حملة سودان المستقبل ومؤسس الحزب الليبرالي السوداني، عادل عبد العاطي فيرى أن "الانقلاب خطر جدًّا على السودان أمنيًّا واقتصاديًّا، ففي الجانب الأمني تتضرر كل دولة تعاني من انعدام الاستقرار السياسي وتكون مفتوحة أمام كل الاختراقات والمشاكل الأمنية".

وبيّن عبد العاطي أن السودان سيخسر اقتصاديًّا كل يوم بسبب توقف الإنتاج والخدمات وقفل طريق الشرق ومحاصرة ميناء بورتسودان من قبل "حراك البجا" في الشرق والذي لم يستطع الانقلاب إيقافه".

وأضاف أنه "سيسبّب الكثير من الشرخ في الشارع السوداني، وعلى الرغم من قلة عدد مؤيديه، إلا أنه يزيد من معدلات التوتر السياسي، كما يسبب العزلة الدولية للسودان، فالولايات المتحدة أوقفت مساعداتها التنموية، بينما أعلن الرئيس ماكرون أن الاتفاق على إلغاء جزء من ديون السودان أصبح مهددًا بسبب الانقلاب". 

وتوقع عبد العاطي ثلاثة سيناريوهات على المدى القصير "الأول هو رجوع الشراكة بين العسكر والمدنيين وهذا هو الأقرب للتحقق، على الرغم من أنه ليس مطلب الشارع، الثاني هو أن يستمر قادة الانقلاب في سعيهم لتحويله واقعًا، وأن يحاولوا فرض إرادتهم، وهذا سيقودهم إلى مواجهات طويلة مع الشعب، الثالث هو أن تسفر الاحتجاجات الشعبية فضلًا عن الضغط الدولي وتحرك مجموعات في الجيش إلى إزالة قادة الانقلاب من المشهد، وهذا هو مطلب الشعب ولكنه صعب التحقق لعدم وجود القيادة التي تقود الحراك وتكون بعيدة عن تكتيكات التفاوض والمساومة مع الانقلابين".

(ح)

ANHA