زيادة التدهور الاقتصادي والفلتان الأمني.. عين على مناطق حكومة دمشق

صُنفت سوريا بأنها البلد الأول عربياً في ارتفاع معدلات الجريمة لعام 2021؛ لانتشار الفقر فيه وارتفاع معدلات البطالة. وسنستعرض في هذا التقرير، بالأرقام والشهادات الحية، ما آلت إليه الأوضاع في مناطق حكومة دمشق من فلتان أمني وتدهور اقتصادي.

زيادة التدهور الاقتصادي والفلتان الأمني.. عين على مناطق حكومة دمشق
الأحد 7 تشرين الثاني, 2021   05:26
حلب / محمد عبدو


يتوجّه حسين خليل (62 عاماً)، وهو اسم مستعار لأحد الموظفين المتقاعدين من مؤسسة الكهرباء العامة في حلب، كل مساء إلى العمل كنادل في المطعم الموجود في منشآت نادي الجلاء بمدينة حلب، وذلك لأن معاشه التقاعدي لا يكفي سوى لشراء 10 ليترات من زيت دوار الشمس كل شهر (20 دولار) بحسب ما أفاد.

حسين مثله مثل آلاف السوريين، الذين يلجؤون إلى العمل بدوامين؛ لتأمين لقمة العيش لأسرهم، في البلد الذي مزقته الحرب منذ ما يقارب الـ 10 أعوام.

تحدث حسين لوكالتنا عن صعوبة العيش في سوريا؛ نتيجة انخفاض الأجور وارتفاع أسعار المواد، الأمر الذي أدى إلى انتشار الفقر بشكل كبير.

وقال حسين خلال حديثه، إنه تعرض للنشل قبل بضعة أشهر، بعد عودته من المطعم الذي يعمل فيه ليلاً، من قبل عناصر يرتدون اللباس العسكري، وذلك بالقرب من مقر ما يسمى "الجيش الشعبي" الواقع بالقرب من حي الجلاء في المدينة وقال "حاميها حراميها".

/ar/uploads/files/2021/11/07/071818_2021-10-31-hlb-awdhaa-mnatq-hkwmh-dmshq-mn-alnahyh-alaqtsadyh-walamnyh-28329.webp

الفقر أصبح ظاهرة مرافقة لأكثر من 80% من أبناء الشعب السوري، بحسب إحصائيات الأمم المتحدة، وازداد معها معدل الجرائم والانتحار.

ولبحث أسباب انتشار الفقر في البلاد، والذي أدى بدوره إلى ارتفاع معدل الجريمة، أجرت وكالتنا لقاءً عبر إحدى مواقع التواصل الافتراضي مع الخبيرة الاقتصادية في الشأن السوري، نارين إبراهيم.

لماذا تدهور الاقتصاد السوري...؟

نارين بدأت حديثها بالإشارة إلى انهيار سوريا اقتصادياً، لدرجة يصعب تصديقها، فقد بلغت الخسائر بشكل تقديري ما يعادل550 مليار دولار، من عام 2011 وحتى نهاية عام 2020.

وعن الإجابة عن سؤال، لماذا تدهور الاقتصاد السوري؟ قالت نارين "إن الخسائر تعادل10 أضعاف حجم الناتج المحلي للبلاد عام 2010، وهنا نتحدث عن خسائر الناتج المحلي والدمار المادي التي تجاوزت الـ 65 مليار دولار، بالإضافة إلى خسائر الإنفاق العسكري وقطاع النفط والغاز".

أما عن هبوط قيمة الليرة، فأشارت نارين "في عام 2011، كان الدولار يعادل 47 ل. س، أما الآن، فقد تجاوز الدولار الواحد 3000 ل. س، فهبوط الليرة السورية؛ أدى إلى صعود هائل في الأسعار (تضخم بنسبة 1800%) أي ارتفعت الأسعار 180 ضعفاً".

وعن معدلات البطالة، فقد كشفت نارين إن هذه المعدلات قفزت 15%، من 2011 إلى نهاية 2020، فأصبحت أكثر من 47% في نهاية العام الماضي (أي أن نصف الشعب السوري بلا عمل).

وتابعت في هذا الصدد "الاقتصاد السوري خلال هذه السنوات فقد حوالي ثلاثة ملايين وسبعمائة ألف وظيفة. والأجور الحقيقية تعادل 30% من الأجور التي كانت نهاية عام 2010، وبما أن الخاسر الأول والأخير هو الإنسان السوري.

وترى نارين أن الأزمة الاقتصادية كانت موجودة قبل فرض قانون قيصر على سوريا، وبعد فرض هذا القانون ازداد الأمر سوءاً على المواطن السوري.

سوريا الأولى عربياً في ارتفاع معدلات الجريمة

تصدرت سوريا قائمة الدول العربية في ارتفاع معدل الجريمة، لتحتل المرتبة الأولى عربياً والتاسعة عالمياً، للعام 2021، وذلك بحسب موقع Numbeo Crime Index المتخصص بمؤشرات الجريمة حول العالم.

واحتلت مدينة دمشق المرتبة الثانية في ارتفاع معدل الجريمة في الدول الآسيوية، بعد مدينة كابول في أفغانستان وأتت بغداد في المرتبة التاسعة.

واستند تقرير Numbeo في تصنيفه لارتفاع معدل الجريمة إلى عدة مؤشرات، وهي مستوى الأمن الاجتماعي للمواطنين ومستوى الجريمة والسرقة، بالإضافة إلى النزاع المسلح والجريمة والتهديدات الإرهابية.

وبحسب الموقع، تعد سوريا من الدول التي يسجل فيها مؤشر الجريمة مستوى عالياً، إذ سجلت 68.09 نقطة من أصل 120 نقطة، في حين انخفض مؤشر الأمان إلى 31.91 %.

80 حالة انتحار من بداية العام و71 حالة وفاة في أسبوع العيد

بحسب الإحصائية الرسمية لحالات الانتحار في مناطق سيطرة حكومة دمشق منذ بداية العام الحالي، فقد بلغت ما يقارب الـ80 حالة انتحار في عموم البلاد.

وتشهد مناطق سيطرة حكومة دمشق وقوع العديد من جرائم القتل، إما بهدف السرقة أو بدوافع أخرى، في ظل الانفلات الأمني الذي تعيشه تلك المناطق، بالإضافة إلى ارتفاع في معدلات الانتحار، ويعدّ الفقر والأوضاع الاقتصادية السيئة في مقدمة الأسباب التي تدفع الشباب والفتيات إلى اتخاذ القرار بإنهاء حياتهم، فضلاً عن ظروف الحرب والبطالة والضغوط النفسيّة والاجتماعية.

المدير العام للهيئة العامة للطب الشرعي التابعة لحكومة دمشق، زاهر حجو، خلال لقاء مع جريدة الوطن السورية، قال إن الهيئة سجلت 71 حالة وفاة، ما بين جرائم قتل وانتحار وحوادث سير في المناطق الخاضعة لسيطرة حكومة دمشق خلال أسبوع عيد الأضحى، الذي وافق 19 من شهر تموز من العام الجاري.

وبحسب ما نقلته الصحيفة، فإن عدد الوفيات بسبب جرائم القتل بلغ 20 حالة، وسجل وفاة 39 شخصاً نتيجة حوادث السير، في حين تم تسجيل 12 حالة انتحار.

وتوزّع هذه الحالات في المحافظات هو على الشكل الآتي:

  • مناطق سيطرة الحكومة في محافظة الحسكة: 8 حالات قتل وهي أكثر المحافظات تسجيلاً لحالات القتل.
  • محافظة حلب: ثلاث حالات انتحار، و4 وفيات بسبب حوادث السير، وحالة وفاة واحدة نتيجة جريمة قتل.
  • محافظة حماة: 9 وفيات خلال أسبوع العيد؛ بسبب حوادث السير و3 وفيات نتيجة جرائم القتل وحالتا انتحار.
  • محافظة ريف دمشق: 7 وفيات نتيجة لحوادث السير وحالتا وفاة بسبب جرائم قتل وحالتا انتحار.
  • في العاصمة دمشق كانت الإحصائية كالآتي: خمس وفيات بسبب حوادث السير وحالتا انتحار.
  • محافظة درعا: حالتا وفاة بسبب حوادث السير، و4 وفيات نتيجة جرائم قتل، في حين لم يسجل فيها أي حالة انتحار.
  • محافظة حمص: تم تسجيل حالتي وفاة بسبب حوادث السير وحالة قتل وكذلك حالة انتحار واحدة.
  • محافظة طرطوس: ثلاث وفيات بسبب حوادث السير وحالة قتل.
  • محافظة اللاذقية تم تسجيل 4 وفيات نتيجة حوادث السير وحالتا انتحار.

في حين لم يُسجل في محافظتي القنيطرة والسويداء أي حالة وفاة، سواء جرائم قتل أم انتحار أو حوادث سير.

السرقات ازدادت وطالت حتى عناصر قوات الحكومة

لعل من أبرز الجرائم التي يخلفها الفقر هي السرقة، التي تتسبب بنتائج كارثية لكل من يتعرض لها، ونظراً للأوضاع التي تمر بها سوريا، فإن السرقات تجاوزت الحدود الطبيعية، لتطال حتى عناصر قوات حكومة دمشق.

فبحسب ما رصدت وكالتنا، بالاستعانة ببعض المصادر من راديوهات محلية، تبث أخبار السرقات في مدينة حلب، فإن المدينة تكاد لا تخلو يومياً من السرقات، سواء عبر تكسير نوافذ السيارات إلى اقتحام المنازل والتشليح في الطرق.

 فقد تم توثيق حصول 7 سرقات في أسبوع واحد بحي السريان فقط في مدينة حلب، وعلى الرغم من المطالب الشعبية بتسيير دوريات للشرطة، إلا أن هذه المطالب لم تتلقَ آذاناً صاغية من قبل الجهات المعنية.

ووفقاً لقانون العقوبات السوري، في المادة "620"، فإن عقوبة السرقة، التي تتضمن اقتحام البيوت ليلاً بفعل شخصين أو أكثر، تستوجب عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة من 15 إلى 20 عاماً.

وخلال توثيقنا للسرقات المرتكبة بمدينة حلب التقت وكالتنا العنصر (ع. ش)، وهو عنصر مسحوب للخدمة الاحتياطية لقوات حكومة دمشق، وأفاد (ع. ش)  خلال حديثه، بأنه وعلى الرغم من ارتدائه البدلة عسكرية إلا أنها لم تشفع له، عندما أصبح الموضوع سرقة.

فقد تعرض (ع. ش) لسرقة هاتفه، بينما كان متجهاً صباحاً إلى نقطته، على الطريق الواصل بين حي المحافظة ودوار عمر أبو ريشة في مدينة حلب.

سوريا من أكثر الدول مديونية في العالم

الخبيرة الاقتصادية في الشأن السوري، نارين إبراهيم، أكدت، خلال حديثها، أن الأرقام توضح ضخامة خسائر الناتج المحلي، ففي عام 2010 قُدّر الناتج المحلي في سوريا بـ 60 مليار دولار، أما في عام 2020، فقد كان الناتج المحلي في سوريا بالكاد يتجاوز الـ 21 مليار دولار، وهذا يعني أن الاقتصاد السوري انكمش بنسبة 64%، منذ عام2011 أي ما يعادل ثلث ما كان عليه في ذلك الوقت.

أما عن الديون الخارجية لحكومة دمشق، فقالت نارين إن لها وجه آخر لتداعيات الحرب، فالحكومة التي كانت ذات مديونية منخفضة أصبحت من أكثر دول العالم مديونية، وقالت "قدّر مستوى الدين العام، وفق مراكز البحوث بـ (208%) من الناتج المحلي الإجمالي، أي قفزت من (7% إلى 116%) حوالي 24 مليار دولار، عن الناتج المحلي لعام2010، فأدى كل ذلك إلى تلاشي قيمة الليرة السورية بشكل كامل".

 وأنهت نارين حديثها بالإشارة إلى أن كل هذه الخسائر التي ذكرت لم تشمل خسارة الدولة للعقول والطاقة البشرية؛ نتيجة الهجرة. واحتلال قسم كبير من أراضيها والدمار الهائل الذي طال البلاد وخروج مبالغ طائلة من الأموال من سوريا إلى الخارج، وتحويل المواطنين أموالهم إلى عملات أخرى. كل ذلك أدى إلى تراجع في المجال الزراعي والصناعي والتجاري والاقتصادي والسياحي.

وبحسب عدد من المحليين السياسيين، فإن الآثار التي خلفتها الحرب والسياسات الخاطئة المتبعة من قبل حكومة دمشق  لن تزول، ولن تستطيع الحكومة تجاوزها دون تغيير الذهنية المتبعة، والتي لا تقبل الحوار وتجد العسكرة حلاً لكل النزاعات.

ANHA