الواقع الثقافي في منبج.. انتصار القلم على الأفرع الأمنية والفكر المتطرف

 لكل مدينة تاريخها الذي يطرب أسماع المنصتين لصداه القادم عبر الأبيات الشعرية، ومدينة منبج واحدة من المدن التي خُلّدت بأقلام الشعراء عبر التاريخ، وطمرت بسياسة الجهل عبر الأفرع الأمنية، وعصف الفكر المتطرف بها، ومن ثم عادت الروح لها وسطع النور عليها بعد تحريرها.

الواقع الثقافي في منبج.. انتصار القلم على الأفرع الأمنية والفكر المتطرف
الجمعة 5 تشرين الثاني, 2021   06:36
منبج - نهاد كرعو

تعتبر الثقافة إحدى أهم أعمدة الشعوب عبر التاريخ ولهذا تسعى الأنظمة الحاكمة في منطقة الشرق الأوسط إلى القضاء على الثقافات الموجودة في المنطقة بهدف التحكم بها حسب مصالحها ومدينة منبج واحدة من المدن التي تم طمس تاريخها بعدما أصبحت ضحية للنظام البعثي والفكر الداعشي المتطرف، ولكن ظهور قوات سوريا الديمقراطية وتحريرها أعاد لها المجد ونفض عن كاهلها غبار قرون الجهل.  

وتعرف مدينة منبج بمدينة الشعراء نظراً للأسماء الكبيرة التي استوطنت بها وولدت فيها كالشاعر والفارس أبي الفراس الحمداني الذي كان شاعرها وحاكمها أيام حكم الدولة الحمدانية في المنطقة، وكذلك الشاعر البحتري الذي ولد فيها ويعتبر من صانعي المجد بالشعر لهذه المدينة إبان الحكم العباسي للمنطقة، والشاعر عمر أبو ريشة الذي ولد فيها يعتبر أبرز الشعراء في العصر الحديث، وآخرهم الأديب محمد منلا غزيل الذي أكرمه أبناء المدينة بإطلاق اسمه على المكتبة المركزية للكتب في مركز الثقافة والفن.

'تبقى للقصيدة حرمتها'

وكانت مدينة منبج قبل تحريرها من قبل قوات سوريا الديمقراطية وتعاون أبنائها معهم تعيش ظلاماً بسبب احتلال مرتزقة داعش وكان الفكر الجهادي سيّد الأحكام في المجالات الثقافية، وحاول القضاء على التلاحم بين المجتمع وحتى بين أفراد الأسرة نفسها، فبعضهم قتل آباءه باسم الدين والإسلام.

وسبق الفكر الداعشي المتطرف الفكر البعثي الذي حكم المدينة واستغل المركز الثقافي الوحيد في المدينة للمحاضرات ونشر الفكر البعثي وتدريب العملاء بين المجتمع، حيث كانت الأفرع الأمنية تقرأ القصائد قبل الشاعر والعناصر المتواجدون فيها هناك يسمعونها قبل الجمهور.

الرئيس المشترك لاتحاد مثقفي منبج أحمد اليوسف قال بأن "أيام حكم النظام البعثي كانت الأمسيات الأدبية بحاجة لموافقة الأفرع الأمنية المتواجدة في المدينة، أما اليوم فشعراؤنا أحرار وتبقى للقصيدة حرمتها، ولا يتدخل فيها أحد فكتّابنا أحرارٌ بما يقدّمون عبر أفكارهم، وحتى تنظيم الأمسيات الثقافية من حق اتحاد المثقفين بالتعاون مع الشعراء".

 أما عن الفكر الدعشي قال أحمد اليوسف بأن "مرتزقة داعش كانوا ينشرون ثقافة التفرقة ويروّجون لسياسة القتل وإراقة الدماء، وثقافة زرع الرعب وانتشاره بين الناس، بينما نحن الآن في اتحاد المثقفين نخلق ثقافة المحبة والسلام الديمقراطية للحرية وحرية التعبير والعدالة والمساواة بين أبناء المدينة".

تأسيس اتحاد المثقفين ودوره في مدينة منبج

ومرت مدينة منبج من الناحية الثقافية بمنعطفات خطيره قبل وصولها للواقع الحالي الذي تعيشه فقبل تحريرها من إرهاب مرتزقة داعش عانت من التطرف والهمجية والغوغائية، وتم طمس هوية الكتاب ومحاربة الثقافة، وتوقف التعليم والنشاط الثقافي، وحتى المثقفون تمت ملاحقتهم من قبل المجموعات المرتزقة، وهاجر الكثير منهم وأصبحت الحركة الثقافية في المدينة تعيش في ظلام دامس.

وبعد التحرير حاول أبناء مدينة منبج إعادة الروح إليها من الناحية الثقافية فتم تأسيس اتحاد المثقفين في عام 2018، وكانت الفكرة من تأسيس اتحاد المثقفين هو جمع كافة الكتاب في مؤسسة واحدة ليعبّروا عن رأيهم بحرية، وسبق الاتحاد لجنة الثقافة والفن، ولكن تأسيس الاتحاد جاء كخطوة ضرورية للارتقاء بالكتّاب الشباب، وتم وضع المكتبة المركزية التي تضم أكثر من 15000 كتاب تحت خدمة اتحاد المثقفين.

الرئيس المشترك لاتحاد مثقفي منبج أحمد اليوسف قال بأنه "بعد تحرير المدينة عملنا جاهدين وبمساعدة الإدارة المدنية في منبج وريفها واستطعنا أن نعيد النور للجانب الثقافي وتطويره، وكان تأسيس اتحاد المثقفين الخطوة المثالية للانطلاق نحو المجد المعهود والمنتظر للثقافة".

فعاليات اتحاد المثقفين

وتمكن اتحاد المثقفين في العامين الأخيرين من تنظيم أكثر من 80 فعالية ثقافية رغم الحظر الذي تم فرضه أكثر من مرة في المدينة بسبب ظهور فيروس كورونا الذي كان له آثار سلبية على أعمال الاتحاد.

شملت أعمال اتحاد المثقفين على الأمسيات الشعرية على تأسيس نادي المبدعين للأطفال الصغار لدعم المواهب في مجال الرسم والشعر والغناء، وتدريب الشعراء والشاعرات في مجال الأدب، وكذلك إقامة الندوات المناهضة للعنف ضد المرأة، والمشاركة في العديد من المهرجانات التي أقيمت في شمال وشرق سوريا.

الشاعرة الشابة آية حميد عبّرت لوكالتنا عن مدى سعادتها بوجود مؤسسة مثل اتحاد المثقفين تدعم المواهب الشابة وتساعدهم على تطوير مستواهم والوصول لتحقيق أحلامهم، لافتة إلى أن "الوضع الثقافي في نهضة فكرية بالمدينة في ظل وجود اتحاد المثقفين، وهناك إقبال كبير من الفئة الشابة على المجال الثقافي".

وأضافت: "ما يميز اتحاد المثقفين هو أنه يشجع جميع المواهب بدون استثناء حتى لو كان مستواهم متواضعاً وهذا ما يحتاجه جيلنا بعد الخراب الذي حل بالبلاد، ورسالتي للجيل الشاب أن تسلحوا بالعلم والمعرفة لأنه الطريق الوحيد الذي يمكن أن يوصلنا لما نريد".

(ج)

ANHA