​​​​​​​لبنان في "مهب الخليج"

يسعى لبنان دائمًا إلى إعادة كسب ود السعودية؛ ولكن قبل خمسة أشهر اضطر وزير الخارجية وقتذاك، شربل وهبة، للاستقالة، بعد أن استُفز في مقابلة تلفزيونية، ووصف السعوديين بالبدو بطريقة تحمل نبرة دونية، واليوم، تأتي تصريحات وزير الإعلام جورج قرداحي لتُلهب العلاقات مجددًا. فهل تتخلى السعودية عن لبنان نهائيًّا، وكيف سيتأثر عمل الحكومة جراء هذا التطور؟

​​​​​​​لبنان في "مهب الخليج"
الجمعة 5 تشرين الثاني, 2021   04:25
بيروت- زياد أبو غزالة

لم يلبث لبنان أن خرج من الفراغ الحكومي، ولو شكليًّا، حتى ضربه إعصار سعودي، وأوقعه في فراغ جديد مع دول الخليج، هو الأول من نوعه على مدار العلاقة بين الجانبين.

علاقة يبدو أنها تأخذ منحى جديدًا بأثمان سياسية واقتصادية باهظة، فجرتها تصريحات وزير الإعلام اللبناني جورج قرداحي قبل أن يشغل منصبه، وصف فيها حرب التحالف على اليمن بالعبثية، ورأى أن الحوثيين يدافعون عن أنفسهم.

تطورات كثيرة ومستجدات غير مسبوقة، أعقبت إعلان التصريحات، وتوالت خلال الأسبوع الماضي. آخرها، تأكيد وزير خارجية لبنان عبد الله بو حبيب بقاء حكومة نجيب ميقاتي بدعم دولي، وانتهاء أمر الخلية الوزارية المنوط بها معالجة الأزمة مع السعودية نتيجة فشلها، لأن الأزمة أصبحت أكبر من الوزارات وأكبر من لبنان بسبب عوامل خارجية وداخلية.

معطيات دفعت بو حبيب إلى وصف الموقف السعودي بالقساوة غير المفهومة، على اعتبار أن المشاكل بين الدول تُحلّ بالحوار وهو ما لم يحصل هنا، مؤكدًا أنه لن يكون مقبولًا إنهاء الأزمة الراهنة على حساب السعودية أو لبنان، وداعيًا جامعة الدول العربية إلى التحرك لعقد حوار. بالإضافة إلى هذه المجريات، قرداحي أعلنها صراحة أنه لا ينوي الاستقالة أبدًا. فيما دعا البطريرك الماروني بشارة الراعي رئيسي الجمهورية والحكومة إلى اتخاذ خطوات حاسمة لنزع فتيل الأزمة مع دول الخليج.

أما سعوديًّا، فقد أكد وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان أن تعامل بلاده مع حكومة ميقاتي غير مثمر، في ظل هيمنة "حزب الله". معطيات تزيد المشهد السياسي في لبنان تعقيدًا، في وقت لم تتخذ فيه السلطات إجراءات عملية بعد قرارات السعودية بحق لبنان، التي بلغت مستوى القطيعة الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية، وتبعتها الإمارات والبحرين والكويت.. ففي رد حاد حركته السعودية، التي أعلنت قبل أيام استدعاء سفيرها في لبنان للتشاور، وإمهال السفير اللبناني في أراضيها مهلة 48 ساعة للمغادرة.

ولم تكتفِ الرياض بهذا الإجراء الدبلوماسي، لتعلن وقف وارداتها إلى لبنان، في تعزيز للخناق الاقتصادي الذي تعيشه البلاد منذ أكثر من سنتين. وليزيد الطين بلة، استدعت كل من الإمارات والكويت والبحرين أيضًا سفير لبنان لديها، وأبلغته احتجاجها على تصريحات قرداحي. وفي إجراء متقدم أكثر، أعلنت أبو ظبي عودة بعثتها الدبلوماسية من لبنان، داعية رعاياها إلى مغادرته في أسرع وقت ومنع السفر إليه نهائيًّا. خطوات تقطع الشك باليقين، بوجود تصعيد خليجي على مستوى العلاقة مع لبنان المأزوم مع الخارج أصلًا.

وفي الدائرة الخليجية نفسها، ذكر المكتب الإعلامي لرئيس الحكومة اللبناني نجيب ميقاتي، أن لقاء جمعه بأمير قطر الشيخ تميم بن حمد على هامش مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي في مدينة غلاسكو، مشيرًا إلى أن تميم أكد أنه سيوفد وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني إلى بيروت قريًبا لبحث السبل اللازمة لدعم لبنان، واستكمال المباحثات في الملفات الراهنة، وبخاصة الأزمة اللبنانية الخليجية.

تصفية حسابات مع "حزب الله"

أرجع وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان جذور التوتر الطارئ على العلاقات مع لبنان إلى هيمنة "حزب الله". مضيفًا أن القضية أوسع بكثير من الوضع الحالي. ورأى الوزير أنه من المهم أن تصيغ الحكومة في لبنان أو المؤسسة اللبنانية مسارًا للمضي قدمًا بما يحرر البلاد من الهيكل السياسي الذي يعزز نفوذ "الحزب" وسطوته، فالإشكالية وفقًا للرياض تكمن في وكلاء إيران داخل الأراضي اللبنانية.

وختم فرحان بأن لا رأي لبلاده في شأن الحكومة اللبنانية ومصيرها، فالأمر متروك للشعب اللبناني. والحقيقة أن الشعب اللبناني هو الغائب الوحيد عن مسرح الحرب الإقليمية على أرضه، إلا من دفع الثمن بالدماء والفقر والإذلال.

وفي تشريح الأزمة الأخيرة، يبدو بأن الأمر لم يبدأ بتصريحات قرداحي ولا رفضه الاعتذار أو الاستقالة. إنما يرجع إلى حسابات سياسية كان مسرحها لبنان، لاستكمال معركة قديمة جديدة مع "حزب الله". وهذه المرة من بوابة "الحرب على اليمن عبثية".

طرفا الصراع، كلاهما يدرك ذلك، وكلاهما يشد الحبل إلى جهته، ومعه حلفاؤه. ومع الحليف الدائم الذي لا يستطيع أن يخرج من العباءة السعودية ولو احتجز فيها سابقًا بالإكراه، يحمّل رئيس تيار المستقبل سعد الحريري "حزب الله" مسؤولية الأزمة الدبلوماسية مع الرياض ومجلس التعاون الخليجي عمومًا، قائلًا إن "المسؤولية تقع على الحزب الذي يشهر العداء للعرب، وعلى العهد الذي يسلم مقادير الأمور لأقزام السياسة والإعلام والمتطاولين على كرامة القيادات العربية" بحسب تعبيره.

وفي الجانب الموازي، قال "حزب الله" إن تصريحات قرداحي عن حرب اليمن مشرّفة وشجاعة، معلنًا رفضه أي دعوة لإقالته. وندد "الحزب" بما وصفها الحملة الظالمة التي تقودها السعودية والإمارات، مشيرًا إلى أن هذه الدعوات اعتداء سافر على لبنان وكرامته وسيادته.

أمام هذا السيل العارم من الغضب، يبدو غريبًا، وربما مثيرًا للسخرية السياسية، المفارقات العجيبة الراهنة. ففي الوقت الذي تشن فيه دول الخليج بقيادة السعودية حملة قد توصف بالعداء للبنان بسبب "حزب الله"، فيما البلد المنكوب هو أحوج للدعم الدبلوماسي والاقتصادي أكثر من أي مرحلة سابقة، تشهد العلاقات بين السعودية وإيران مؤخرًا نوعًا من الانفراجة غير المعهودة. فالتقارب بينهما عكسته رغبتهما بمحادثات جدية تهدف إلى التوصل لحلول توافقية بشأن بعض القضايا الخلافية العالقة.

ومع أنه من غير المتوقع بلوغ الطرفين تفاهمات سريعة جراء التباين الحاد في المصالح والرؤى، إلا أنه بات أقرب تخفيض درجة الصراع بينهما، وتقديم تنازلات في الملفين السوري واليمني.

سيناريوات الحكومة اللبنانية

تتعدد المشاهد المحتملة لحكومة الميقاتي التي اجتمعت لمرات ثلاثة في أقل من شهر منذ تشكيلها، ثم أخفقت في عقد اجتماع منتصف الشهر الماضي، جراء مطالبة الثنائي الشيعي بعزل المحقق العدلي في جريمة تفجير مرفأ بيروت القاضي طارق بيطار.

فإلى جانب الأزمة الدبلوماسية التي خلفتها الردود الخليجية، أزمة حكومية لا مهرب منها تلوح في الأفق، وقد تؤثر على تماسك الحكومة؛ لأن نسيجها يعكس طبيعة المحاصصة والتوازنات السياسية في لبنان.

ومع انحلال خلية الأزمة إلى غير رجعة، وصعوبة التوافق بين القوى الوازنة في لبنان لرأب الصدع، تبدو السيناريوات المقبلة أكثر تعقيدًا، وتحيل الأمر إلى وساطة خارجية تكشف العجز اللبناني عن الصمود أمام العواصف السعودية.

ويستبعد مراقبون تراجع السعودية عن تصعيدها، أو حتى نجاح الوساطة الخارجية، فإذا كانت الوساطة فرنسية، ستقابل بالرفض؛ لأن الرياض تؤمن بوجود تواطؤ إيراني فرنسي، عزز حالة السطوة التي يعيشها "حزب الله" في لبنان. كما أن مصر لن تتدخل أبدًا دون موافقة الرياض وإملاءاتها.

وعليه، تدرك الحكومة اللبنانية أن مطالبة السعودية بإقالة قرداحي، تعني تفخيخ هذه الحكومة، فإما حكومة فيها وزير الإعلام نفسه، وإما فالكل يسقط. لكن ميقاتي يعرف أن تقاطع المصالح بين إيران وفرنسا والولايات المتحدة، والذي نجم عنه تشكيل الحكومة، ما يزال حقيقة قائمة، وحاجة إقليمية لمنع انفجار لبنان، ما يجعل حظوظ إسقاط الحكومة متدنية؛ لأنه ما من أحد قادر على تحمّل التبعات اللاحقة. كل هذا يؤكد أن لبنان يمر في مرحلة مصيرية، لا سيما مع دخول الانتخابات النيابية مربعًا حساسًا في خضم ما يحدث.

وفي المقابل، يستبعد توقف الرياض عن التصعيد دون غنائم إقليمية، لتتفاقم الأزمة في الداخل اللبناني، وتحول ربما الحكومة إلى حكومة تصريف أعمال أو تطيح بها وتسقطها وهو ما يذهب إليه عدد من المراقبين. ويبقى المحدد الأول والأخير لهذه النتائج وغيرها موقف "حزب الله" وتأثير الوساطات الخارجية.

وأيًّا تكن ألف باء الخيارات المتاحة كرهًا أو توافقيًّا، شيء واحد مؤكد في لبنان، وهو أن الأزمة الاقتصادية الخانقة المتواصلة منذ أكثر من عامين، يحمل وزرها الأكبر "حزب الله"، وكذلك الأمر حيال الأزمة الراهنة مع الخليج العربي. وسواء تصاعدت حدة المواجهة أم هدأت، فإن الشعب اللبناني بكل أطيافه ومشاربه، هو وحده من يتحمّل التبعات الصعبة لصراع الأفرقاء السياسيين على الحلبة اللبنانية وفي الخارج، مرّة بالاقتصاد ومرات بالسياسة.

(ي ح)

ANHA