كنيسة مار جرجيس..الجميع شارك في بنائها وتشهد على تاريخ من التآخي والعيش المشترك

تشهد كنيسة مار جرجيس في قرية دريجيك على تاريخ من التآخي بين السريان والمسلمين والإيزيديين، ومنذ أكثر من نصف قرن تعتبر مقصداً وعلامة على العيش المشترك بينهم بعد أن شارك الجميع في بنائها.

كنيسة مار جرجيس..الجميع شارك في بنائها وتشهد على تاريخ من التآخي والعيش المشترك
الخميس 4 تشرين الثاني, 2021   06:30
قامشلو – ريناس رمو

منذ أن تعرف الإنسان على الأديان والمعتقدات وهو يقوم ببناء دور عبادة خاصة له من أجل ممارسة الطقوس الدينية وارتبطت دور العبادة للأديان بمعتقد واحد، إلا أن مشاركة أشخاص من أديان مختلفة في بناء دور عبادة لدين واحد حدث لافت في التاريخ البشري.

في قرية دريجيك التي تبعد 2 كم شمال ناحية تربه سبيه بمقاطعة قامشلو يعيش السريان والمسلمون والإيزيديون منذ زمن بعيد، تشاركوا في كافة مفاصل الحياة في قريتهم قبل أن تبدأ موجة الهجرة الكبيرة من القرية وتكاد تخلو من السريان والإيزيديين.

مع وصولك للطرف الشمالي من القرية من دون شك لا بد لك أن تلاحظ صليباً أبيضاً يعلو فوق كنيسة صغيرة تتربع على مساحة من مساحات القرية.

الكنيسة التي تحولت من كنيسة سريانية لمقصد جميع المكونات، الجميع يخشع عند دخولها ويعملون على حمايتها والاهتمام بها، رغم وجود أسرة سريانية تتكفل بمهام رعايتها.

قصة البناء....

كانت قرية دريجيك خلال القرن الماضي الطريق الرئيس الذي يربط ناحية تربه سبيه بقرى منطقة جرح وآليان في الريف الشمالي منها، ويسكنها عشو ماروكي السرياني ونظراً لصعوبة ظروف الحياة وبعد صدور قانون الإصلاح الزراعي من أثناء حكم جمال عبد الناصر (1958- 1961) حل الفقر بالعديد من العائلات التي كانت تقطن منطقة الجزيرة وفقدانها لمصدر رزقها الوحيد (أراضيهم الزراعية)، اضطر الكثير منها إلى السفر إلى الداخل السوري ومنهم إلى دول الجوار.

 كان المواطن السرياني عشو ماروكي من بين هؤلاء الناس الذين هاجروا، وتوجه إلى لبنان بداعي العمل وإعالة نفسه وعائلته إلا أن أهالي القرية وجدوه عاد بعد سنوات وأخبر أهالي قريته إنه جاء لبناء كنيسة.

يقول معاذ عزيز، من مسلمي قرية دريجيك  (بعد طلب من ابنته الصغيرة التي رافقتنا داخل الكنيسة أن تخلع حذائها قبل الدخول إلى قاعتها)، فإن عشو أخبر أهالي القرية أنه كان يرى خلال فترة مكوثه في لبنان "أحلام" للقديس مار جرجيس يطلب منه العودة وبناء كنيسة في مكان منزله الواقع في الطرف الشمالي الشرقي من القرية.

الجميع شارك في بنائها...."خيرا وديرا"

جميع أهالي القرية وبمختلف مكوناتهم ساعدوا عشو في بناء الكنيسة لضعف الإمكانيات المادية لديهم، في حين يتداول إيزيديو القرية حتى الآن عبارة "ديرا وخيرا" باللغة الكردية والتي تعني بناء كنيسة عمل للخير، حيث كانوا يرددون وهم يعملون في نقل وبناء ألواح اللبن التي بنيت منها الكنيسة في بدايتها.

وأضاف معاذ إنه وإيماناً بالعيش المشترك وبعيداً عن الطائفية في قرية دريجيك التي عرفت منذ التاريخ بتعايشها المشترك وحب الخير للآخر قام أهالي القرية من الكرد المسلمين والإيزيديين والمسيحيين ببناء الكنيسة بسواعدهم والإمكانات التي كانت تتوفر في ذلك الوقت وتم بناء غرفتين من اللبن في عام 1971، قبل أن يتم ترميمها، وبناء غرفة من الإسمنت لاحقاً لإقامة الصلوات.

ويقول معاذ إنه وبحسب معمّري القرية و"حين حفرت أركان الكنيسة لعملية البناء وجد حينها صليباً قديماً وهذا ما يثبت أن تحت منزل عشو كانت تتواجد كنيسة قديمة تعود إلى الآشوريين".

الإيزيديون والمسلمون يقصدون الكنيسة ويساعدون في التبرعات

شهدت قرية دريجيك خلال أعوام التسعينات موجة هجرة كبيرة نحو الدول الأوربية، ولم يبق فيها سوى بعض العائلات القليلة، إلا أن الجميع ما زال يقصد الكنيسة كأول محطة زيارة له حين زيارته للقرية، في حين يتبرعون للكنيسة لترميمها وتأمين مستلزماتها.

يذكر جورج ماروكي حفيد عشو والمسؤول عن رعاية الكنيسة حالياً، أن الشبان الإيزيديين المتبقين في القرية أيضاً يعملون على حماية الكنيسة في فترة غيابه ويقصدونها دائماً.

بينما يذكر شبان إيزيديون ومسلمون من ناحية تربه سبيه أنهم يتذكرون تفاصيل زيارتهم السنوية لكنيسة مار جرجيس في طفولتهم وإشعالهم الشموع مع ذويهم طلباً للرحمة ونشر الخير والسلام.

وما تزال أعمدة كنيسة مار جرجيس في قرية دريجيك مثال التعايش المشترك بين المكونات إلى اليوم الحاضر ويعود الفضل في استمرارها إلى مؤسسها عشو ماروكي ليكمل ابنه يعقوب حماية الكنيسة والاهتمام بها بعده حتى وافته المنية ودفن في ساحة الكنيسة بجوار والده، واليوم يقوم حفيده جورج بإكمال المسيرة بعد جده ووالده.

والقديس جرجيس أو مار جرجيس ويسمى أيضاً جاورجيوس أو جريس أو جورج وجرجة في العربية الفصحى. هو قديس حسب معظم الكنائس الشرقية والغربية وهو واحد من المساعدين المقدسين الأربعة عشر حسب التقاليد الكاثوليكية. يحتفل به يوم 23 أبريل نيسان من كل عام. ومعنى اسمه الزارع أو الفلاّح.

(سـ)

ANHA