هل لبنان أمام حرب أهلية في وجه تحقيقات المرفأ؟

في أعقاب المعركة السياسية المتعلقة بالتحقيق في تفجير مرفأ بيروت، لتحديد المسؤول عن دماء أكثر من 200 شخص سقطوا في الجريمة، سقط سبعة آخرون بينهم ربَّة منزل لم ترفع السلاح في وجه أحد. وأخطر ما في الأمر أن الأرض لم تبلع الدماء بعد، والنفوس ما تزال محتقنه.

هل لبنان أمام حرب أهلية في وجه تحقيقات المرفأ؟
السبت 23 تشرين الأول, 2021   02:33
بيروت

في لبنان، تقع الجريمة، فيعلو المجرم فوق القانون، ثمّ تتعطل التحقيقات، وفي الطريق إلى إقصاء القاضي، تقع جرائم الاقتتال الداخلي وتعاد صور الحرب الأهلية إلى الذاكرة وإلى المنطقة نفسها والشارع نفسه.

اشتعلت بيروت كما اشتعلت في أيامها الغابرة عام 1975، تصارعت الدويلات داخل الدولة، وفي تعبير أدقّ تناحرت الدول المسلحة داخل الدويلة الهشة التي لم يعد لها من ماء الوجه سوى أنها تمكنت أخيراً من تشكيل حكومة بعد شهور طويلة جداً من الفراغ السياسي، فقط لتحصل على بعض من المعونة الدولية.

إلى ساحة حرب، تحولت بيروت بطرفة عين وحقن سياسي حرّك الشارع على وتر طائفي. بدأت الحكاية بخروج تظاهرة لأنصار "حزب الله" و"حركة أمل" باتجاه القصر العدلي للمطالبة برحيل المحقق العدلي القاضي طارق بيطار، المسؤول عن ملف تفجير المرفأ، وفي منطقة الطيّونة، وقعت الاشتباكات العنيفة مع أنصار حزب القوات، وكان الخميس الدموي، والطرفان، كلاهما يتبرأ من الرَّصاصة الأولى، ولا شيء معلوم ومؤكد حتّى اللحظة سوى أن رصاصة الغدر كانت في خاصرة الوطن من أبنائه.

لم تكن رصاصة عادية، بل رصاصات قنص ورشاشات وقذائف ثقيلة، خيّمت على بيروت المنكوبة لأكثر من خمس ساعات متواصلة، في منطقة الطيونة التي تفصل بين منطقتي الشياح ذات الأغلبية الشيعية ومنطقة عين الرمانة ذات الأغلبية المسيحية.

هكذا تُساق الأمور في بلدٍ لم يتحلل يوماً من ردائه الطائفي، تتفوق الحصانات النيابية والشخصنة السياسية على المصلحة الوطنية العامَّة، وعلى دماء كل من كانوا ضحية إرهاب الدولة ضد مواطنيها.

ساعات قاسية جداً عاشها اللبنانيون، حبسوا أنفاسهم على سيناريو الحرب الأهلية الثانية، حرب بالإمكان أن تبقى ماضياً انقضى لو أن لا مرجعية في البلاد غير القانون، ولا صوت أعلى من صوت القضاء. ولكن في ظلّ الاتهامات بتسييس التحقيقات التي يقودها بيطار، فإن تفجير الأوضاع بهذا الشكل هو البطاقة الوحيدة في أيدي من لا يريد للحقيقة أن تظهر. ولعل الحقيقة غداً تضيع في زحمة 100 ألف مقاتل على أتم الجهوزية، أعلن عنهم أمين عام "حزب الله" حسن نصر الله في رسالة فتح فيها النار على سمير جعجع زعيم حزب القوات.

التحقيق أم الحصانات، لمن ترجح الكفة؟

يتسع لبنان لطبقة حاكمة طائفية عريضة، ويضيق على إجراء قضائي. ثم يتسع لتشاحن سياسي وعسكري ثمّ يضيق مجدداً. وفي انتظار استكمال التحقيقات في أحداث الطيونة الأخيرة، جولات من المناكفات السياسية والقضائية تبلغ نقطة اللاعودة، وتضيع أي احتمال للخروج من الأزمة على خير. مشهد معقد للغاية، ويرتبط بمسار التحقيقات في تفجير المرفأ ومصير المحقق العدلي طارق بيطار، في ظل تعليق عمل الحكومة، وتأكيدها بأن عودتها للوضع الطبيعي يترتب على حل معضلة بيطار قبالة إصرار الثنائي الشيعي على إزاحته نهائياً عن الملف واستبداله. مع الأخذ بعين الاعتبار عودة العمل بالحصانات النيابية مع انعقاد الدورة الثانية للمجلس النيابي، لتنتهي النتيجة إلى تعطل إجراءات بيطار الخاصة بالنائبين نهاد المشنوق وغازي زعيتر، واستحالة اتخاذ أي موقف قضائي بحقهما. 

حكومياً، أكد رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي أنه لن يدعو إلى جلسة قبل إيجاد حلّ للمشكلة، مشيراً إلى أن حكومته لن تتدخل في أي ملف يخص القضاء، أو أي استفزاز أحد الأطراف المعنية. وأضاف ميقاتي أن مجلس الوزراء لن ينعقد بغياب مكوّن لبناني عنه، وأن العمل جار بعد أحداث الخميس الدامي على الحلول السلمية والمنطقية لتستأنف الحكومة عملها. وبهذا يبدو جلياً التلاصق بين موقف ميقاتي وتصاعد موقف "حزب الله" و"حركة أمل" ضد المحقق العدلي وإعلانهما مقاطعة وزرائهما لجلسات الحكومة قبل تغيير بيطار.

هكذا إذاً، تمضي عجلة الضغط السياسي على طريق القاضي بيطار، بنية سحق التحقيقات وإنهائها بزعم التسييس وغياب النزاهة. يأتي هذا فيما من المقرر أن يجتمع مجلس القضاء الأعلى في لبنان مع بيطار للاستماع إلى رأيه حول مسار التحقيق. الذي يقول فيه وزير العدل اللبناني هنري خوري "إن القاضي طارق بيطار هو السيد فيه ويحق له استدعاء من يريد".

بيطار.. القاضي الذي يحقق ضد التيار

مغرداً خارج السرب، يستكمل المحقق العدلي طارق بيطار عمله كما يريد، وكما أراد منه أهالي ضحايا تفجير مرفأ بيروت. فسياسة الحشر في الزاوية، والعصا في الدولاب تحت تهديد الانفجار الأمني، لم تنفع في تعطيل مكابح التحقيق الذي يصر بيطار على السير فيه مهما كلفه ذلك من أثمان.

وبالفعل هذا ما حدث، فقد كشفت مصادر أن القاضي طارق بيطار موجود في مكتبه داخل قصر العدل، وقد استأنف عمله كمحقق عدلي في جريمة انفجار مرفأ بيروت بشكل طبيعي بعد تبلغه قرار الغرفة الأولى في محكمة التمييز، رفض طلب الرد المقدم بحقه من قبل النائبين علي حسن خليل وغازي زعيتر.

وبالتوازي أعلن مسؤول في الجهاز القضائي اللبناني أن القاضي بيطار حدد 29 تشرين الأول/ أكتوبر موعداً لجلستي استجواب النائبين المشنوق وغازي زعيتر، بعد أن كان أصدر في وقت سابق مذكرتي توقيف بحق علي حسن خليل ويوسف فنيانوس.

إجراء يناطح تهديدات "حزب الله" والحملة المستعرة ضده. ومع استئناف الجلسات النيابية، فإن الوزيرين طالبا بالحصانة التي كانت غطاء يحميهما من الاستجواب في الفترة السابقة. ما يدل على أن المرحلة المقبلة ستكون أكثر حساسية وأكثر خطورة، مع تمسك كلا الطرفين بموقفه وتعهده، بألا يقبل التنازل أبداً في أي حال من الأحوال.

وليس شيء محدد من السيناريوات مطروح في خضم هذه الأحداث الساخنة، فكل الخيارات واردة، والآفاق لحل سياسي باتت شبه معدومة، إن لم تكن معدومة أصلاً، وإن أخوف ما يخافه اللبنانيون أن تنتقل ساحة المعركة مجدداً إلى الشارع حيث يدفع أبناؤهم الثمن دوماً.

(ز غ)

ANHA