الرقة في الذكرى الرابعة للتحرير.. من عاصمة لـ "الخلافة" إلى الملاذ الآمن لكل السوريين

آلاف المنازل ومئات الأبنية وعشرات الجسور وبنية تحتية سليمة والمياه في جميع أحياء المدينة، والكهرباء بنسبة 65% وعشرات المشاريع وأكثر من 100معمل، في مدينة كانت مدمرة قبل 4 أعوام، مدينة الرقة التي أفشلت جميع الرهانات الداخلية والخارجية، تقف على ساقيها من جديد بسواعد أبنائها وتكاتفهم مع الإدارة المدنية الديمقراطية في الرقة.

الرقة في الذكرى الرابعة للتحرير.. من عاصمة لـ "الخلافة" إلى الملاذ الآمن لكل السوريين
الإثنين 18 تشرين الأول, 2021   21:39
 الرقة-خالد الجمعة- أحمد العساف

إبان تحرير مدينة الرقة من مرتزقة داعش، وصفت وسائل إعلام خارجية ومحلية نقلاً عن مراسليها، أن الرقة لا يمكن أن يسكنها أحد؛ للدمار الهائل الذي حلّ بها، إلا أنه كان لأهالي الرقة رأي آخر، ما إن أعلن عن تحريرها حتى بدأت قوافل العائدين تزدحم على مداخل المدينة للعودة إلى الديار وإعادة إعمارها من جديد.

وحررت قوات سوريا الديمقراطية مدينة الرقة بتاريخ 17تشرين الأول 2017، بعد معركة طاحنة استمرت 166 يوماً، تمكن خلالها مقاتلو ومقاتلات قوات سوريا الديمقراطية من تحرير مدينة الرقة بشكل كامل، وإعلان النصر في الـ 20 من تشرين الأول 2017.

وفي هذا الملف، سنتحدث عن التطورات التي شهدتها المدينة خلال الأعوام الـ 4 الماضية في كافة المجالات، وكيف أصبحت الرقة الملاذ الآمن بعد أن كانت عاصمة الخلافة المزعومة لداعش، وكيف ساند أهلها مجلس الرقة المدني وعملوا معاً ليعيدوا إعمار مدينتهم.

اليوم، وبعد مرور 4 أعوام على تحريرها من مرتزقة داعش، تشهد الرقة حركة إعمار واسعة جداً ونهضة عمرانية حديثة على كافة المستويات التجارية والصناعية والخدمية، وأصبحت الملاذ الآمن لعشرات الآلاف من النازحين الذين قصدوا المنطقة طلباً للأمان وهرباً من القصف والموت في مناطق الداخل السوري.

وبحسب إحصائية لمجلس الرقة المدني لعام 2020؛ فقد بلغ عدد سكان المدينة 785 ألف نسمة، فيما بلغ عدد النازحين في المخيمات النظامية والعشوائية والنازحين المقيمين في منازل ضمن مدينة الرقة ما يقارب الـ 81 ألف نازح من مختلف المناطق السورية.

بداية العمل بعد التحرير

بدأ مجلس الرقة المدني العمل وسط مدينة وصلت نسبة الدمار فيها إلى ما يقارب الـ 90%، ونسبة 100% للبنية التحتية بدون كهرباء ومياه وصرف صحي، جميعها كانت خارج الخدمة ناهيك عن السواتر الترابية والكتل الإسمنتية التي كانت تسد الطرقات الفرعية والعامة في كافة أحياء المدينة.

قام مجلس الرقة المدني بإزالة السواتر التربية من الطرق العامة؛ لتسهيل الحركة أمام العمال والآليات للعمل داخل المدينة بشكل عام.

وكانت العقبة الأهم أمام مجلس الرقة المدني هي جنود داعش المدفونين (الألغام) حيث عمل مرتزقة داعش على زرع الآلاف من الألغام داخل المدينة إلى جانب العديد من حقول الألغام على أطراف المدينة، إلا أن فريق إزالة الألغام في قوى الأمن الداخلي عمل بكل جد على تفكيك جميع هذه الألغام.

بسط الأمن والأمان

وبعد تحرير مدينة الرقة، عملت قوى الأمن الداخلي على بسط الأمان في المنطقة بشكل عام وتأمينها لدخول الأهالي إليها وكان لقوى الأمن الداخلي دور كبير على مدى السنوات الأربعة الماضية.

ويقول الإداري في هندسة الألغام، يوسف العمر، أن عدد الألغام التي تم تفكيكها ضمن مدينة الرقة وريفها بلغ أكثر من 14874 لغماً وعبوة ناسفة، بالإضافة إلى إتلاف أكثر من 70 ألف و729 عبوة ناسفة وحزام وقنبلة، وعمل فريق إزالة الألغام في قوى الأمن الداخلي على تفكيكها جميعاً لتسهيل حركة الإعمار أمام مجلس الرقة المدني.

وخلال احتلال مرتزقة داعش لمدينة الرقة أنشأوا العديد من المقابر الجماعية في ريف المدينة، أغلبها من المدنيين الذين تمت تصفيتهم، وأعداد كبيرة من المرتزقة أنفسهم الذين تم القضاء عليهم خلال الاقتتال الداخلي الذي حدث بين مرتزقة داعش قبل تحرير المدينة.

وبعد تحرير مدينة الرقة تأسّس فريق الاستجابة الأولية بتاريخ 9 كانون الثاني 2018، ويضمّ 5 أقسام "فريق الإطفاء وفريق الإسعاف وفريق الغواصين وفريق الطب الشرعي (انتشال الجثث) وفريق إزالة الأنقاض".

ويعدّ فريق الاستجابة الأولية من الأجهزة المهمة التي تم إنشاؤها في منطقة الرقة، بعد تحريرها من مرتزقة داعش على يد قوات سوريا الديمقراطية، ويعتمد عمل الفريق الأساسي على التدخّل في أوقات الطوارئ ومساعدة المدنيين، فيما يلعب دوراً مهماً في الكشف عن المقابر الجماعية لضحايا مرتزقة داعش.

وخلال لقاء مع مدير فريق الاستجابة الأولية، ياسر الخميس، قال لوكالتنا: "اكتشفنا 34 مقبرة جماعية إلى الآن، عملنا على 28مقبرة منها، وتم انتشال 6100جثة منها في مدينة الرقة وأريافها، وتم التعرف على 700 جثة منها فقط عن طريق ذويهم".

وأوضح ياسر الخميس "سيذهب فريق انتشال الجثث لتلقّي التدريب من قبل فريق أرجنتيني للتعرف على كيفية التعامل مع الجثث وكيفية التعرف عليها عن طريق جهاز فحص الـ DNA لأن سجّل المفقودين كبير جداً، وهناك وعود بتقديم جهاز فحص الـ  DNA في الفترة المقبلة".

أهم المشاريع الخدمية التي تم العمل عليها بعد التحرير

لا يخفى على أحد أن مدينة الرقة قد تضررت بشكل كبير من الحرب، إلا أنها شهدت نهضة عمرانية واسعة نتيجة التسهيلات التي قدمها مجلس الرقة المدني لأهالي الرقة، حيث عمل على العديد من المشاريع الكبيرة التي حسّنت الواقع الخدمي في المنطقة. وتحدث الرئيس المشترك للجنة الإدارة المحلية والبلديات في مجلس الرقة المدني، أحمد الخضر، لوكالتنا وقال: "منذ بداية التحرير كان أهم عمل لدينا هو إزالة الأنقاض وترحيلها وفتح الشوارع. وتم إزالة أكثر من 5 مليون م3، بالإضافة إلى تأهيل شبكات مياه الشرب كونها مصدر الحياة، واليوم مدينة الرقة وريفها بشكل كامل تصلها مياه الشرب".

وأضاف أحمد الخضر: "عملت لجنة الإدارة المحلية والبلديات على إعادة تأهيل 12جسراً في مدينة الرقة وريفها من أصل 60 جسراً مدمراً وأهمها كان جسر الرقة القديم الذي يربط بين ريف الرقة الجنوبي ومدينة الرقة وتمت إعادة تأهيله بجهود ذاتية من قبل مجلس الرقة المدني". 

وعمل مجلس الرقة المدني على تأهيل العديد من الطرقات في ريف الرقة، بالإضافة إلى عمليات تعبيد جميع شوارع مدينة الرقة العامة وعدداً من الشوارع الفرعية، بالإضافة إلى الطريق المؤدي إلى الريف الشمالي والغربي.

ولتأمين الخدمات لأهالي ريف الرقة أسس مجلس الرقة المدني 15بلدية في أرياف الرقة وتم دعمها بمعدات للنظافة والخدمات وإنشاء مكاتب فنية في كل بلدية.

وأضاف أحمد الخضر: "قمنا بإنشاء دائرة للصرف الصحي في مدينة الرقة مهمتها مراقبة شبكات الصرف الصحي في مدينة الرقة بشكل كامل وإعادة تأهيل الشبكات المتضررة بشكل فوري، بالإضافة إلى دائرة البيئة التي تهتم بالحدائق ومنصفات الطرق وتعمل على زراعة الأشجار".

وعملت لجنة الإدارة المحلية على إعادة تأهيل 12حديقة رئيسة في مدينة الرقة، و75 حديقة فرعية خلال الأعوام الأربعة الماضية.

وحوّل مجلس الرقة المدني دوار النعيم وسط مدينة الرقة من ساحة للقصاص، إبان احتلال مرتزقة داعش إلى منفذ للحرية، وما إن تغيب الشمس حتى تجد ساحة الدوار تعج بالأهالي والأطفال.

وبيّن أحمد الخضر أن نسبة وصول الكهرباء إلى الأهالي في مدينة الرقة وصلت إلى أكثر من 75% بعد أن كانت مقطوعة بشكل كامل، وسط ضرر كبير في شبكات الكهرباء في المدينة، أما أرياف الرقة فقد عادت إليها الكهرباء بشكل كامل".

وعملت بلدية الشعب في مدينة الرقة على إنارة كافة الشوارع الرئيسة في مدينة الرقة لتلافي وقوع الحوادث المرورية ليلاً وإعطاء المدينة منظراً جميلاً في الليل.

واختتم أحمد الخضر حديثه بالقول: "قمنا بمنح 1230 رخصة بناء جديدة، و1122 بناء مدمر بشكل كامل، و5390 رخصة مزاولة مهنة لأصحاب المحال التجارية في مدينة الرقة".

التعليم

من أولويات مجلس الرقة المدني بعد إزالة الأنقاض وإزالة السواتر الترابية كان التعليم، حيث عملت لجنة التربية والتعليم على إعادة العملية التربوية إلى مدينة الرقة بعد انقطاع دام أكثر من 5 سنوات، وحقق المجلس إنجازاً كبيراً في مجال التربية والتعليم، حيث تمكن منذ العام الأول بعد التحرير من افتتاح المدارس في مدينة الرقة وريفها.

وبلغ عدد المدارس في مدينة الرقة وريفها 400 مدرسة، تضم أكثر من 116 ألف طالب/ة من مختلف المراحل التعليمية و5420 معلم/ ة، حيث تم ترميم 90 مدرسة منها بشكل كلي، فيما تم ترميم 201 مدرسة منها بشكل جزئي.

وعملت لجنة التربية والتعليم التابعة لمجلس الرقة المدني على فتح دورات تدريبية للمعلمين والمعلمات في مدينة الرقة وريفها لتطويرهم ووضع خطط جديدة للتعليم في مدينة الرقة وريفها.

وأثرت جائحة كورونا بشكل عام على القطاع التعليمي في جميع أنحاء العالم، وكان للرقة أيضاً نصيب من هذا الضرر، حيث أُغلقت المدارس فترات طويلة بسبب جائحة كورونا، إلا أن العملية التربوية في مدينة الرقة حققت نجاحاً كبيراً على الرغم من التحديات التي واجهتها.

وافتتحت هيئة التربية والتعليم خلال العام الحالي جامعة الشرق في مدينة الرقة وريفها، وفتحت باب التسجيل أمام الطلبة، ومن المقرر أن يبدأ الدوام فيها خلال الأيام القليلة القادمة.

تطور كبير في الواقع الصحي

شهد الواقع الصحي في مدينة الرقة وريفها تطوراً كبيراً، وسرعة في عودة العديد من المشافي الخاصة والعامة وأهمها مشفى الرقة الوطني أحد أكبر المشافي في مدينة الرقة، الذي يقدم الخدمات على مدار الـ 24 ساعة.

ويضم المشفى الوطني العديد من الأقسام مثل الداخلية والحروق وقسم الطوارئ والإسعاف وقسم الكلية، بالإضافة إلى تقديم اللقاحات المجانية لأمراض اللاشمانيا وشلل الأطفال والتهاب الكبد الوبائي.

ويوجد في مدينة الرقة ثلاثة مشافي عامة وهي "المشفى الوطني ومشفى الأمراض النسائية والتوليد والأطفال، ومشفى الهلال، تقدم الخدمات المجانية لأهالي الرقة.

وخلال العام المنصرم، تمكنت لجنة الصحة في مجلس الرقة المدني من إحضار جهاز الطبقي المحوري الذي كانت تفتقر إليه المنطقة بشكل كامل، بالإضافة إلى افتتاح قسم آخر للتصوير الشعاعي وافتتاح مخبر عام مركزي يقدم الخدمات المجانية لأهالي الرقة وريفها.

ونظراً للتسهيلات التي يقدمها مجلس الرقة المدني؛ افُتتح العديد من المشافي الخاصة في مدينة الرقة، وبلغ عددها 7 مشافي، فيما بلغ عدد المراكز الصحية والمستوصفات27 مركزاً ومستوصفاً تتوزع في مدينة الرقة وريفها.

ومن التحديات التي واجهتها لجنة الصحة في مجلس الرقة المدني هو جائحة كورونا التي ضربت المنطقة مثل باقي المناطق في شمال وشرق سوريا، وعليه عملت لجنة الصحة على تعقيم الشوارع الرئيسة والفرعية أثناء الحظر الكلي الذي يتم فرضه بين الحين والآخر منذ بداية جائحة كورونا.

وافتتحت لجنة الصحة مركزاً للحجر الصحي تقدم فيه الخدمات الصحية والرعاية الطبية اللازمة للمصابين بفيروس كورونا.

الاقتصاد والزراعة

يعتمد أهالي الرقة بشكل أساسي على الزراعة في معيشتهم، وشهد القطاع الزراعي، خلال الأعوام الـ4 الماضية، تطوراً كبيراً في الإنتاج والمساحات المزروعة مقارنة بالسنوات الماضية، نتيجة الأعمال الخدمية التي قامت بها لجنة الزراعة من إصلاح قنوات الري ومضخات مياه الري في أرياف الرقة.

إلا أن دولة الاحتلال التركي عملت على محاربة المنطقة اقتصادياً وقامت بتخفيض نسبة مياه نهر الفرات الواردة لسوريا والعراق من 500م3 في الثانية إلى 200م3 في الثانية، ما أثر بشكل سلبي على الزراعة خلال العام المنصرم، وسبّب استياءً كبيراً لدى أهالي الرقة.

وتشهد مدينة الرقة حركة اقتصادية واسعة بشكل كبير في كافة المستويات، حيث افتتح فيها أكثر من 100معمل، منها معمل لمياه الشرب ومعامل للبلاستيك والمنظفات ومعمل المواد البيتونية، وغيرها من المعامل.

وإبان احتلال داعش، كان المرتزقة قد سلبوا جميع أدوات المعامل الضخمة التي كانت في مدينة الرقة مثل معمل السكر ومحلج القطن وتم شحنها إلى تركيا من قبل المرتزقة.

علاقة تركيا مع داعش

منذ بداية الأزمة السورية، عملت دولة الاحتلال التركي على التدخل في الشؤون السورية، موهمةً العالم أجمع أنها تود مساعدة السوريين، إلا أنها كانت تعمل لتحقيق مصالحها لاحتلال المنطقة وإعادة المشروع العثماني الذي نشر الجهل في المنطقة 400 عام.

وسهّلت دولة الاحتلال التركي عمليات دخول مرتزقة داعش إلى سوريا والعراق، وكانت الممول الرئيس لمرتزقة داعش، وأراضيها تعدّ المعبر الرئيس لعناصر مرتزقة داعش والإمدادات الطبية والغذائية، وفتحت مستشفياتها لعلاج جرحى المرتزقة.

دلائل كثيرة أثبتت تعامل ودعم دولة الاحتلال التركي لمرتزقة داعش ومنها شراء النفط السوري من مرتزقة داعش إبان سيطرتهم على المنطقة.

وفي هذا الصدد، التقت وكالتنا نائب الرئاسة المشتركة لمجلس الرقة المدني، حسن مصطفى، الذي قال: "تحرير الرقة كان بمثابة ضربة كبيرة لداعش، أولاً ولدولة الاحتلال التركي ثانياً؛ لأنها كانت الداعم الأساسي لمرتزقة داعش طوال فترة وجودهم في المنطقة".

وأضاف حسن مصطفى: " أصبحت مدينة الرقة بعد تحريرها، حاضنة لكل السوريين وملجأ الأمان بعد أن كانت أخطر منطقة في العالم في ظل وجود مرتزقة داعش في المنطقة".

وأشار حسن مصطفى "تركيا كانت تدعم مرتزقة داعش وتتبادل معهم الصفقات التجارية، حيث تأخذ تركيا النفط السوري وتقدم لمرتزقة داعش الدعم اللوجستي والعسكري عن طريق فتح الطرقات أمام المرتزقة".

وأوضح حسن مصطفى أن تضحيات شهداء قوات سوريا الديمقراطية وتكاتف أهالي الرقة مع مجلس الرقة المدني له الفضل الكبير فيما قدمه المجلس من إنجازات ومشاريع في المنطقة بشكل عام".

واختتم حسن مصطفى حديثه بالقول: "مجلس الرقة المدني مستمر بتقديم الخدمات في مدينة الرقة وريفها بشكل دائم وسنعمل بكل طاقاتنا حتى تعود مدينة الرقة أفضل مما كانت عليه في السابق".

والجدير بالذكر، أن مناطق الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا تشهد حصاراً خانقاً من كافة الجوانب، بالإضافة إلى تهديدات مستمرة من قبل دولة الاحتلال التركي التي احتلت العديد من المناطق في شمال وشرق سوريا، وسط صمت دولي مستمر حيالها، بالإضافة إلى الحصار الخانق الذي تعاني منه المنطقة اقتصادياً بعد إغلاق معبر تل كوجر.

(ك)

ANHA