​​​​​​​الانتخابات العراقية.. انقطاع للأمل بالتغيير ومرآة للواقع الهشّ في المنطقة - تم التحديث

على الرغم من الزخم الذي مُنح للانتخابات التشريعية العراقية الخامسة منذ سقوط البعث، والأولى منذ اندلاع التظاهرات الشعبية؛ إلا أن نتائج هذه الانتخابات أظهرت مقاطعة شعبية واسعة. فما هي الأسباب؟ وهل ستختلف النتائج باختلاف من سيشكّل الحكومة؟

​​​​​​​الانتخابات العراقية.. انقطاع للأمل بالتغيير ومرآة للواقع الهشّ في المنطقة - تم التحديث
الخميس 14 تشرين الأول, 2021   03:47
مركز الأخبار - يحيى الحبيب

كشفت النتائج الأولية للانتخابات التشريعية العراقية عن مقاطعة واسعة بين العراقيين خاصة من فئة الشباب.

مخيّبة للآمال

وأظهرت نتائج الانتخابات، التي قاطعها ما يقارب الـ 60% من الناخبين العراقيين، وفق أرقام المفوضية العليا للانتخابات، أن المواطنين فقدوا الثقة بالأحزاب الطائفية.

ودعا نحو 25 مليون شخص يحقّ لهم التصويت إلى الاختيار بين أكثر من 3200 مرشح. لكن نسبة المشاركة الأولية بلغت نحو 41%، من بين أكثر من 22 مليون ناخب مسجل، وفق ما أعلنته المفوضية العليا للانتخابات، صباح الاثنين.

وتمثّل هذه النسبة مقاطعة قياسية في خامس انتخابات يشهدها العراق منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003.

يذكر أنه في العام 2018، بلغت نسبة المشاركة 44,52%، وفق الأرقام الرسمية، وهي نسبة اعتبرها البعض مضخمة حينذاك.

واعتبرت البعثة الأممية لمساعدة العراق، الاثنين، أن نسبة المشاركة في الانتخابات النيابية المبكرة التي جرت الأحد "مخيّبة للآمال" بالنسبة لكثيرين.

كما أضافت البعثة الأممية أن الانتخابات جاءت لتحقيق مطلب طالما عبّر عنه العراقيون على مدى عامين، مشيرًا إلى أن الأمم المتحدة ستواصل الوقوف إلى جانب جميع العراقيين. كما أشادت البعثة بالمفوضية العليا المستقلة للانتخابات وبجهود قوات الأمن العراقية يوم الاقتراع.

الأستاذ الجامعي والباحث السياسي العراقي، الدكتور صادق العيساوي، تحدث حول ذلك، قائلًا: "المقاطعة أمر طبيعي في ظل الظروف التي تحيط بالشعب العراقي من انعدام ثقة بالطبقة السياسية المبنية على أساس طائفي، وهذا ما أدى إلى عزوف كبير عن الانتخابات كونها غير مجدية".

وأوضح العيساوي أن "إعادة التجربة اللبنانية في العراق أثبتت فشلها بتقسيمات طائفية عرقية".

ويلات ما قبل الغزو وبعده.. المحاصصة تنهش بالعراقيين

وبعد وصول صدام حسين إلى دفة الحكم في العراق الذي يتميز بثروة نفطية كبيرة، وكونه ينحدر من الأقلية السنية، قام بقمع وتهميش المكونات الأخرى كالشيعة والكرد، حيث جردهم من حقوقهم، واستعمل معهم العنف المفرط، ما مهد الطريق لتقسيم العراق طائفيًّا.

وبعد الغزو الأميركي للعراق في العام 2003، ابتكرت الولايات المتحدة نظام "المحاصصة الطائفية"، بحيث تتوزع المناصب الرئاسية في البلاد بين المكونات والأطياف على أسس طائفية، ولا يزال الحكم السياسي في هذا البلد مبنيًّا، وفق هذا النظام الذي يرى فيه كثيرون مشكلة وليس حلًّا لأزمات العراق.

ويرى المراقبون أن نظام المحاصصة تسبب باستشراء الفساد المالي والإداري في العراق بعد العام 2003، وتعني المحاصصة أن الكتل والأحزاب الفائزة في الانتخابات النيابية تتقاسم المناصب الحكومية، وبموجب هذه المحاصصة أيضًا يتولى رئاسة الجمهورية كردي، ويتولى رئاسة الوزراء شيعي، وتكون رئاسة البرلمان من نصيب السُنّة، وقد أبرز ذلك ظاهرة الفساد في البلاد.

وبالإضافة إلى موضوع الفساد، أدى الاحتقان الطائفي والقومي إلى تهيئة الأرضية لتنامي المجموعات المتطرفة، وكان أبرزها "داعش" ففي 29 يونيو/ حزيران 2014، أعلن المتحدث باسم داعش أبو محمد العدناني في تسجيل صوتي عن قيام ما أسماه بالدولة الاسلامية، ومبايعة أبي بكر البغدادي لتزعمها.

وبالإضافة إلى ذلك، ظهر عدد كبير من الفصائل الشيعية بحجة مقاومة الولايات المتحدة الأميركية وقتال الإرهاب.

ولم تتوقف المحاصصة على الطوائف والقوميات فقط، بل إن هذه الطوائف والقوميات انقسمت هي ذاتها إلى أجزاء، حسب تبعيتها للدول المتدخلة في العراق.

ففي السُنّة هناك أحزاب تابعة للسعودية وتركيا وقطر والولايات المتحدة، وبعضها مقربة من إيران، أما الشيعة فحالها مشابه للسُنّة، والكرد ينقسمون إلى حزبين، الحزب الديمقراطي الكردستاني برئاسة مسعود البرزاني، الذي يسيطر على هولير والمقرب من السُنّة، وخصوصًا تركيا، والاتحاد الوطني الكردستاني في السليمانية والمقرب من إيران.

رسائل من الشعب إلى الطبقة السياسية الحاكمة

وحول الرسائل التي وجهها الشعب العراقي إلى الطبقة السياسية الحاكمة، قال الباحث العراقي: "هذه المقاطعة وجهت العديد من الرسائل، فالمقاطعة أرسلت إلى العالم عدم اكتراث الشعب العراقي بالطبقة السياسية الموجودة وهذا يضعف العراق خارجيًّا وفوز المستقلين والبعض من متظاهرين تشرين أرسل رسالة أقوى ووقعها كان أشد على السلطة".

وجاءت هذه الانتخابات المبكرة في أعقاب انتفاضة شعبية أطلق عليها اسم ثورة تشرين وشهدت أعمال عنف وسقوط ضحايا، وحول إمكانية عودة التظاهرات إلى الشارع، رأى الباحث العراقي أنها "ستقل وتيرتها إلا إنه وبعد عام من ذلك وحسب برنامج الحكومة ومدى تطبيقه على الواقع من حيث الخدمات، فإن كان ليس بالمستوى المطلوب فالشارع هو الحكم".

"صانع الملوك" يعود إلى الواجهة

وكشفت النتائج الأولية عن حصول التيار الصدري على أعلى نسبة من المقاعد تصل إلى 69 مقعدًا وتلاه تحالف تقدم برئاسة رئيس البرلمان الحالي محمد الحلبوسي، ثم دولة القانون برئاسة رئيس حزب الدعوة الإسلامي نوري المالكي، وثم الحزب الديمقراطي الكردستاني برئاسة مسعود البرزاني، حتى لحظة إعداد التقرير.

والنسبة المرتفعة التي حققها التيار الصدر قد تؤدي إلى تغيير معادلة السلطة، ويمكن أن يمهد الطريق أمامهم إلى خطف منصب رئاسة الوزراء باعتبارهم "الكتلة الأكبر" في البرلمان، خصوصًا مع تراجع حظوظ منافسيهم في تحالف "الفتح" الذي تشير النتائج الأولى إلى خروجه خالي الوفاض تمامًا.

الصدر نقطة تقارب بين مصالح المتدخلين

صعود التيار الصدري لن يؤدي إلى حدوث تغيير إيجابي على المستوى الشعبي بقدر ما يمثل نقطة التقاء بين الأطراف المتدخلة في العراق فهو على الرغم من أنه تيار شيعي؛ إلا أنه أظهر ابتعاده خلال الفترة الماضية عن فصائل الحشد الشعبي وعن معاداة الوجود الأميركي. كما أنه لم يعادي إيران، بالإضافة إلى أنه أوصل رسائل إيجابية عديدة إلى الدول العربية والخليجية والغربية.

وقالت صحيفة "وول ستريت جورنال" إن التشكيل الفعلي لحكومة جديدة قد يستغرق أسابيع من المساومة السياسية مع عدم وجود زعيم واضح، فيما سيواجه زعيم التيار، مقتدى الصدر، منافسة شرسة من المنافسين السياسيين الشيعة والمتشددين الموالين لإيران الذين يرغبون في دفع البلاد إلى التقارب حول طهران.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين قولهم إن "حكومة جديدة يسيطر عليها الصدر قد لا تتخذ خطوات لتسريع الانسحاب الأميركي الكامل، على الرغم من أنه تاريخيًّا كان أحد الخصوم الرئيسين للولايات المتحدة".

وكانت صحيفة "واشنطن بوست" قد قالت في تقرير لها سبق الانتخابات إنه "على الرغم من علاقة الصدر المشحونة مع الغرب على مدى السنوات الماضية، من المحتمل أن يحظى بدعم ضمني على الأقل، من واشنطن لو فاز في الانتخابات".

وذكرت أن "الصدريين سلكوا في الأشهر الأخيرة مسارًا أكثر حذرًا من الأحزاب العراقية المتحالفة مع إيران، والتي دعت إلى طرد ما تبقى من القوات الأميركية في العراق".

انطلاقًا من التجربة العراقية.. أين يكمن الحل؟

وعلى الرغم من مرور أعوام على الإطاحة بنظام صدام حسين، الذي دائمًا ما يصفه معارضوه بالديكتاتور والمجرم، واستبداله بـ "نظام ديمقراطي"، لا يزال العراقيون يدفعون ضريبة اجتياح العراق، من أرواحهم وأمنهم واقتصادهم وخدماتهم.

 ومنذ ذلك الوقت يحصد الإرهاب أرواح العراقيين، وتعيش أغلب مناطق العراق من شماله إلى جنوبه أوضاعًا معيشية صعبة، دفعتهم للنزول إلى الشوارع باحتجاجات عارمة منددة بسوء الخدمات، وتردي الوضع الاقتصادي، وانتشار البطالة، وسيطرة الجماعات المسلحة على مناطقهم.

وفي خلاصة كل ذلك، وانطلاقًا من التجربة العراقية واللبنانية واليمنية وصولًا إلى أفغانستان وسوريا وغيرها من الأزمات والجبهات المندلعة في مختلف مناطق ودول العالم تبيّن بالدلائل والبرهان أن الحل لا يكمن بكتابة دساتير تقسم النفوذ بين الطوائف والقوميات التي ستتقاتل فيما بينها، بل أن الحل يكمن عبر مشروع الأمة الديمقراطية.

(م)

ANHA