رفع الدعم ينهش الفئة الأكثر فقراً في لبنان  

ينطوي رفع الدعم الحكومي عن المحروقات على مخاطر كبرى تهدد الاستقرار الاجتماعي للبنان، في ظل غياب أي نظام للمساعدة الاجتماعية أو إجراءات مرتقبة، أو حتى نوايا حكومية لتقديم منح أو معونات اجتماعية، أو وضع خطط لدعم الأسر اللبنانية الأكثر عوزاً على المدى الطويل.

رفع الدعم ينهش الفئة الأكثر فقراً في لبنان  
الإثنين 11 تشرين الأول, 2021   03:01
بيروت – زياد أبو غزالة

يعود رفع دعم أسعار المنتجات الأساسية في لبنان بنتائج كارثية على الفقراء والمحتاجين، وستتضرر منه بشدة الفئات الاجتماعية الأكثر فقراً في البلاد، ما لم تتخذ الحكومة إجراءات تخفف من حدة الأزمة المعيشية التي ستتولد عن رفع دعم أسعار السلع الاستهلاكية الأساسية.

الرواتب بدل مواصلات!

بعد رفع الحكومة اللبنانية الدعم عن المحروقات، بطبيعة الحال ارتفعت تسعيرة النقل العام، لتصل في بعض الأماكن إلى 20 ألف ليرة لبنانية. وهو ما سيؤثر في راتب الموظف صاحب الدخل المحدود، الذي لا تتجاوز يوميته الـ 50 ألفاً، وبالتالي هو بحاجة لدفع نصف راتبه مواصلات.

الأستاذ أيمن اليوسف، معلم في مدرسة خاصة، يقف حائراً بين أمرين أحلاهما مُرّ؛ إما الانتقال إلى مكان عمله - الذي يبعد 40 كلم عن منزله - عبر سيارته الخاصة، ودفع راتبه بدل وقود، وإما أن يدفع مواصلات لتوفير القليل.

ويقول الأستاذ يوسف لوكالتنا: "أسكن في منطقة الناعمة وعملي في بيروت، اضطر إلى النزول من منزلي في السيارة إلى الطريق العام، ثم الانتقال بالمواصلات، فإن لم أفعل ذلك، سأدفع راتبي بنزين للسيارة".

ويضيف: "أتقاضى راتباً لا يكفيني لقوت يومي، كان يساوي ألف دولار، ولكن بعد ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة اللبنانية، أصبح لا يتجاوز الـ60 دولاراً، أصرفه على المواصلات أم على شؤون منزلي؟!".

المشي رياضة.. وتوفير

في لبنان، لا فرق بين أستاذ المدرسة والعامل اليومي، كلاهما يقع في المشكلة ذاتها، رواتب قليلة، وتكلفة مواصلات عالية، فحال الأستاذ أيمن لا يختلف عن عدنان الشامي؛ الموظف في قسم الأمن بمستشفى في صيدا، والذي يبعد عن منزله عشرات الكيلومترات.

ورغم امتلاكه سيارة خاصة، يقول الشامي لوكالتنا: "أفضّل المشي من منزلي إلى عملي وبالعكس، عن دفع راتبي بدل مواصلات، في وقت تعطيني المؤسسة 10 آلاف ليرة بدل نقل، وأنا بحاجة إلى 30 ألفاً، أنا أفضّل المشي على ذلك، فالمشي رياضة.. وتوفير".

"حكمة" الشامي النابعة عن فقر وضيق بالعيش في لبنان، تنسحب على الكثير من أقرانه أصحاب الدخل المحدود، الذين ينتظرون رفعه كما رفع الدعم عن المحروقات والأدوية والسلع الغذائية، أم أن الأمر سيتوقف على هذا الحد؟! فالمواطن اللبناني يعيش أسوأ كارثة اقتصادية في تاريخه، فوضع العمال والموظفين أصبح كارثياً في ظل تراكم الأزمات، والرواتب التي لا تزال تُحسب على دولار 1515 ليرة، مع استمرار احتساب الحد الأدنى للأجور بـ 675 ألف ليرة أي نحو 34 دولاراً شهرياً فقط.

وتؤكد الأوضاع الاقتصادية في لبنان، أن الحد الأدنى المقبول لعيش لائق هو 7 ملايين ليرة، أي ما يعادل 400 دولار، فالنقل اليومي للموظف بات يكلف بين 40 إلى 50 ألف ليرة، أي أن الموظف عليه أن يدفع مليون و300 ألف ليرة مواصلات في الشهر، واشتراك 5 أمبير يكلف أكثر من مليون ونصف مليون ليرة، ما يعني أنه فقط بين مواصلات وتأمين كهرباء، ينبغي على اللبناني أن يدفع شهرياً نحو 3 مليون و300 ألف ليرة، في وقت لا يتجاوز راتبه مليونين، فكيف سيؤمن احتياجاته الأخرى؟

دعوات رفع الحد الأدنى للأجور وتصحيح شطور الأجر، تقابلها دعوات إلى تثبيت سعر صرف الدولار، ومحاولة تخفيضه، وأن يكون سعره طبيعياً. 

فواتير الكهرباء خيالية

ما إن رفع الدعم عن المحروقات حتى ارتفعت فاتورة المولدات الخاصة، وباتت قيمة الفواتير تفوق الحدّ الأدنى للأجور، وترك الدولار في السوق السوداء يتحكم بأسعار المازوت.

أصحاب المولدات – كما كل شهر - يطلبون الفواتير، لكن هذه المرة تجاوزت الرواتب الشهرية للمستهلكين، الذين بدورهم وجدوا أنفسهم مرغمين إما على الدفع أو على التخلي عن التيار الكهربائي.

بعض المناطق اللبنانية، طالب أصحاب المولدات دفع الفواتير بالدولار، نظراً – بحسب قولهم – لشرائهم مادة المازوت بالدولار، ما أجبر المستهلك على الدفع بالدولار إن كان يتقاضى راتباً بالدولار، أو التوجه للسوق السوداء وشراء الدولار، إن كان راتبه باللبناني، وعلى كِلا الحالتين، يعيش أزمة تضاف إلى أزماته المتلاحقة.

نسبة كبيرة من المستهلكين وفي عدة مناطق لبنانية، يشكون من قلة عدد ساعات التغذية، مقابل ارتفاع كبير بفواتير الكهرباء، ما دفع البعض منهم إلى قطع اشتراك الكهرباء، والاكتفاء بالشمع، فيما الآخرون ذهبوا إلى وسائل أخرى، منها البطاريات و"اليو بي أس UPS"، لكن هذا الحل أيضاً، بحاجة إلى عدد من ساعات الكهرباء، للتخزين قبل توليدها أثناء انقطاع الكهرباء!

ضربة قاضية للصادرات

يحتل استخدام الفيول والمازوت بين 5 في المئة و45 في المئة من الكلفة التشغيلية في المصانع، تختلف النسبة حسب نوع الصناعة وتعدد خطوط الإنتاج، وبالتالي ارتفاع أسعار المحروقات بعد رفع الدعم ستكون متفاوتة بين المصانع، حيث تعمل بعض المصانع الكبرى نحو 16 ساعة يومياً، وفي ظلّ التقنين القاسي في إنتاج الكهرباء في مؤسسة كهرباء لبنان، تكون بعض المصانع عرضة لارتفاع أكبر في تكاليفها، حسب ساعات تشغيل مولداتها الخاصة.

ارتفاع أسعار الوقود أثّر بشكل كبير على كلفة التصنيع، مقابل انخفاض القدرة التنافسية للصناعة اللبنانية، الأمر الذي يخفض التصدير، فالمصانع التي يشكل استخدام الطاقة فيها نحو 40 في المئة من كلفتها، لن تتكمن من الاستمرار، وقد تقفل مصانع عدّة من هذه الفئة في نهاية المطاف.

ومنذ تسعينيات القرن الماضي، ربطت الليرة اللبنانية بالدولار الأمريكي بمعدل 1507 ليرات مقابل الدولار، لكنها فقدت نحو 70 في المئة من قيمتها منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2019، ما أدخل البلد في أسوأ أزمة اقتصادية تشهدها منذ عقود.

ويعيش لبنان أسوأ أزماته منذ الحرب الأهلية بين 1975 و1990، مع ازدياد الأزمات السياسية والاقتصادية، خلال العام الأخير، كما أن تسارع الأحداث يشير إلى مرحلة تراجع جديدة في مؤشرات الاقتصاديْن الكلي والجزئي.

وخلال الأشهر الماضية، تتابعت اللكمات على اقتصاد لبنان، بدءاً من الاضطرابات السياسية، وفشل سداد الديون الأجنبية، وانهيار العملة وارتفاعات قياسية للتضخم، إلى فشل الاتفاق على قرض من صندوق النقد الدولي.

(ح)

ANHA