مناطق سيطرة حكومة دمشق.. الأزمة الاقتصادية تتفاقم والسخط يزداد

تتعمّق الأزمات أكثر فأكثر في مناطق سيطرة حكومة دمشق مع فقدان المحروقات والأغذية، وما زال الناس يتذكرون الشتاء الماضي وكيف قضوه في الظلمة والبرد، ويخشون أن يكون شتاء هذا العام أقسى عليهم، مع وجود حكومة تحاربهم في لقمة عيشهم، وتترك المجال أمام الحيتان الكبيرة لابتلاع ما تبقّى من كرامة الشعب السوري.

مناطق سيطرة حكومة دمشق.. الأزمة الاقتصادية تتفاقم والسخط يزداد
الخميس 23 يلول, 2021   03:34
اللاذقية – عادل عمر

فصل الشتاء على الأبواب، حاملٌ معه البرد الذي ضرب السكان بشدة طيلة الأعوام الماضية. شتاء جديد يحلّ، ومناطق سيطرة حكومة دمشق تعاني من نقص في مواد الطاقة. وربما سيكون هذا الشتاء أقسى، لأن مناطق سيطرة حكومة دمشق تعاني نقصاً حاداً من منتجات الوقود وخاصة الغاز والديزل، إضافةً إلى مجموعة الأزمات الأخرى، وخصوصاً غلاء أسعار المواد الغذائية وعدم توفرها، في وقت تستمر الليرة السورية بالتدهور أمام العملات الصعبة.

"هناك أحياناً معارك تنتهي بالموت بين أشخاص ينتظرون في طابور للحصول على الغاز والديزل والخبز. الشرطة تفضّهم بإطلاق النار في الهواء"، حسبما أفاد مالك، وهو موظف حكومي يعيش في مدينة اللاذقية.

فيما تقول كاميلا، وهي مواطنة من مدينة اللاذقية: "الناس هنا يستحمّون مرة أو مرتين فقط في الأسبوع، بسبب نقص المياه الدافئة والكهرباء".

ووصفت نور، وهي طالبة مسيحية، كيف يتعامل السكان مع نقص الكهرباء والغاز خلال فصل الشتاء، قائلةً: "الناس يغطّون أنفسهم باستخدام بطانيات إضافية ويرتدون المزيد من الملابس. إذا كنت محظوظاً وكان لديك مساحة في منزلك، يمكنك حرق بعض الأخشاب".

وتقول نور بأنها محظوظة، لأنها على الأقل تمتلك اسطوانة غاز إضافية، ولكنها لا تريد أن تفرّط بالأسطوانة التي تملكها "لأنني لست متأكدة من أنني سأتمكّن من الحصول على أسطوانة أخرى قريباً".

نقص الوقود وتبعاته

ولا تسبب أزمة الوقود في مناطق سيطرة حكومة دمشق، مشاكل فقط في فصل الشتاء، بل انعكس فقدان الوقود على مناحي الحياة المختلفة، فهذا النقص أثّر بشكل كبير على وسائط النقل العام، التي يستخدمها على نطاق واسع السوريون الفقراء والطبقة المتوسطة، ممن لا يستطيعون تحمّل تكاليف السيارات الخاصة أو سيارات الأجرة.

ويضطر الكثيرون الاعتماد على المشي بدلاً من ذلك. بسام، طالب من حماة يدرس في اللاذقية، يمشي عادة إلى الجامعة، على بعد 25 دقيقة، بسبب نقص الحافلات. ويقول في هذا السياق: "من الأفضل السير بدلاً من انتظار سرفيس لمدة ساعة أو ربما ساعتين".

ويضيف بسام: "إن السائقين يشكون دائماً من أن الحكومة لا تزوّدهم بما يكفي من الوقود"؛ فبعض السائقين يتوقفون ببساطة عن العمل، في حين يشتري آخرون الوقود من السوق السوداء بأسعار مضاعفة، وحينها يطالب السائقون بأجرة أكبر بكثير من الأجرة المعتمدة.

وحددت وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك في حكومة دمشق، مؤخراً تعرفة نقل الركاب بوسائط النقل العامة العاملة بين مختلف مراكز المحافظات، عقب تعديل سعر ليتر المازوت، ليصبح 500 ليرة بدلاً من 180 ليرة. وهذا الرفع في سعر المازوت جعل تعرفة النقل كبيرة جداً مقارنة مع ما يتقاضاه الموظفون، حيث يبلغ متوسط راتب الموظف 100 ألف ليرة شهرياً.

ولا تتوقف تأثيرات فقدان الوقود وارتفاع ثمنه، إن وجد، على تعرفة النقل، والوقوف ساعات طويلة بانتظار سيارات النقل العام، بل يجبر على التفاعل الجسدي بين الذكور والنساء. فعندما تأتي الحافلة، فإن المنافسة للحصول على مقعد تصبح شرسة، مما يخلق لحظات متوترة.

وفي هذا السياق، يقول بسام مازحاً: "لا أعرف كيف أصف لكم المشهد عندما يبدأ تدافع الرجال والنساء، في مجتمع محافظ، للحصول على مقعد في الحافلة.. يتدافع الناس كما لو كنت ذاهباً إلى الجنة".

كما لم تتوقف التأثيرات على التدفئة والنقل، بل وصلت إلى مادة الخبز، فارتفاع الأسعار ألقى بظلاله على سعر الخبز، فالأفران التابعة لحكومة دمشق تبيع ربطة الخبز بسعر 300 ليرة للربطة الواحدة، في حين أن المواطنين لا يحصلون عليها مع وجود تجار الأزمات.

ولذلك يضطر المواطنون لشراء الخبز من خارج مخابز الحكومة، وهنا يحصلون على ربطة الخبز بسعر يتراوح بين 500 – 1000 ليرة، وهذا السعر كبير جداً ويفوق القدرة الشرائية لغالبية المواطنين في مناطق سيطرة حكومة دمشق، الذين فقدوا مصادر دخلهم نتيجة الحرب، أو باتت رواتبهم لا تساوي شيئاً مع تدهور سعر صرف الليرة السورية أمام العملات الأجنبية.

محاولات ترقيعية لا تجدي نفعاً

وأمام الكمّ الكبير من الأزمات، حاولت حكومة دمشق توزيع منتجات غذائية مدعومة (أسعار أقل من السوق) مثل السكر والأرز باستخدام البطاقات الذكية. حيث تم طرح هذه البطاقات في آب / أغسطس 2019، لبيع المنتجات النفطية في البداية مثل البنزين والديزل، وبعد ذلك غاز الطهي.

وبموجب هذه البطاقات، كان باستطاعة حاملها شراء 60 ليتراً من البنزين أسبوعياً للسيارات الخاصة، و150 ليتراً لسيارات الأجرة، و400 ليتراً من الديزل في السنة، واسطوانة غاز طبخ واحدة شهرياً للعائلة الواحدة، ولكن حتى الحصول على هذه الكميات أصبح حلماً بالنسبة للمواطنين العاديين.

أما البطاقات الذكية لبيع المنتجات الغذائية فجرى تعديلها، وتسمح اللوائح الجديدة للأسرة الواحدة بشراء ما يصل إلى 3 كيلوغرامات من الأرز، 4 كيلوغرامات من السكر، وكيلوغرام واحد من الشاي شهرياً- وهي كميات غير كافية لأسرة سورية نموذجية.

وفي هذا السياق تقول لبنى، وهي موظفة لدى حكومة دمشق وتعيش في اللاذقية: "الناس لا يستطيعون حتى شراء البرغل. أما القهوة والشاي فيعتبران ترفاً الآن".

وأضافت: "الأشخاص الذين يعانون من فقر مدقع ينتظرون حتى نهاية اليوم، بقايا الخضروات الفاسدة تقريباً، لأخذها من المتاجر. في مدينة اللاذقية شاهدت أطفالاً ونساء يفتشون بين القمامة بحثاً عن الطعام".

حكومة دمشق غير قادرة على التعامل مع الأزمة

ودائماً لا تسعى حكومة دمشق لمواجهة الحقائق، وإنما تهرب من المشاكل إلى الأمام، فتجار الحرب هم الذين يتحكمون بالمحروقات والمواد الغذائية، ولكن حكومة دمشق تعاقب غيرهم، إذ إنها اتخذت خطوات عقابية، مما جعل التجارة بأي عملة أخرى يعاقب عليها بالحبس سبع سنوات مع الأشغال الشاقة. حيث داهمت الشرطة وأغلقت العديد من المتاجر في اللاذقية، ومعظمهم من صغار التجار الذين يكافحون من أجل البقاء على قيد الحياة. في حين يتحرك التجار الكبار (الحيتان) بكل حرية، ويتعاملون بأي عملة يرغبون بها وبكميات كبيرة جداً دون أن يتعرضوا للملاحقة.

وبطبيعة الحال، لا يعتقد السوريون الآن، أن حكومة دمشق تستطيع التعامل مع الأزمة، ويرون الخطوات الأخيرة مجرد خياطة على جرح متسع. ويشبهون الأزمة السورية بالحفرة العميقة جداً، ويقولون إن حكومة دمشق بعد سقوطها في هذه الحفرة لا تستطيع الخروج منها.

وفي هذا السياق، يقول (م.ص)، وهو أستاذ تاريخ: "سوريا دولة فاشلة، أسوأ من الصومال". ويتابع: "الجميع يؤمن أنه لا يوجد شيء يمكن إصلاحه هنا (مناطق سيطرة حكومة دمشق). ومخططات معظم الناس المستقبلية هي مغادرة هذه المنطقة أو مساعدة أطفالهم على مغادرتها".

تأثير سياسات دمشق أكبر من تأثيرات قانون قيصر

وكان للعقوبات الاقتصادية التي فرضها الاتحاد الأوروبي منذ بداية الأزمة، وكذلك أميركا، خصوصاً قانون قيصر، اعتباراً من منتصف عام 2020، دور في المصاعب الاقتصادية في سوريا. وأصبح هذا التأثير ملموساً على المدى المتوسط والطويل، وفقاً للخبراء الاقتصاديين، مما حال دون إعادة الإعمار وعودة الاستثمارات الأجنبية المباشرة وبالتالي تحسين أوضاع البلاد اقتصادياً.

ولكن تأثيراتها كانت ثانوية إلى حد كبير بالنسبة لآثار السياسات العسكرية والاقتصادية التي تنتهجها حكومة دمشق منذ بداية الأزمة. وقد شعر الناس بهذه العوامل بشكل حادّ في مجال مواد الطاقة والغذاء.

الناس محبطون وخائفون

ولكن رغم ذلك، فالناس محبطون، وخائفون جداً من فعل أو قول أي شيء، وعشر سنوات من العيش تحت سيطرة حكومة دمشق الأمنية، جعلت الناس مخدرين. الناس الذين كانوا شجعاناً بما فيه الكفاية للتعبير عن آرائهم، إما قتلوا في الحرب أو تركوا الديار.

ويشير الشارع في مناطق سيطرة حكومة دمشق، من خلال أفكار تم التعبير عنها في العلن أو السر، أنه من غير المرجح أن تظهر انتفاضة شعبية ثانية في مناطق سيطرة حكومة دمشق في الوقت الحالي. ويأمل الناس في أن يؤدي الضغط الاقتصادي الهائل إلى "انتزاع الأموال في نهاية المطاف من آلة الحرب"، أو أن يؤدي انخفاض قيمة الرواتب إلى انتفاضة شعبية كبيرة تؤدي إلى انهيار الحكومة من الداخل.

(ح)

ANHA