مناطق سيطرة حكومة دمشق.. لا عودة إلى الوضع الطبيعي

مع تركز الأموال بأيدي أمراء الحرب وتقاسم الخيرات السورية بين الروس والإيرانيين، وحكومة لا تبحث إلا عن البقاء في سدة الحكم، تتبدد آمال السوريين في عودة الأمن والاستقرار وحياة طبيعية لا تلفها الغموض والتفكير بكيفية تأمين رغيف الخبز ليوم الغد.

مناطق سيطرة حكومة دمشق.. لا عودة إلى الوضع الطبيعي
الأربعاء 22 يلول, 2021   03:52
دمشق – مريم علي

أدى النقص الحاد في الوقود واسطوانات الغاز والشاي والسكر والأرز والخبز، إلى ظهور طوابير طويلة من المواطنين لتصبح شوارع دمشق مسرحًا للصراع اليومي بين السوريين الفقراء.

وعلى الرغم من الاستياء المتزايد، إلا أن السكان خائفون من القبضة الأمنية التي تفرضها حكومة دمشق، علاوة على أنهم منهمكون بكيفية إيجاد حلول للمشاكل الاقتصادية التي يعانون منها، لدرجة أنهم لا يملكون فرصة للتفكير في السياسة والمناقشات مثل الإصلاحات والسلطة، وسقف ما يمكن أن يفكروا به اليوم، هو تنظيم شوارع أطول كي لا تخرج الطوابير أمام الأفران والمؤسسات الاستهلاكية ومراكز توزيع اسطوانات الغاز إلى حيث تسير السيارات الفارهة لتجار الأزمات والمسؤولين وأولادهم.

مصادرة منازل وحرمان الشعب من أماكن الاستراحة

وفي خضم الأزمات المتواصلة التي تعاني منها مناطق سيطرة حكومة دمشق وانشغال الناس بكيفية تأمين احتياجاتهم الضرورية، يقوم ذوو النفوذ في الحكومة سرًّا أو علنًا بمصادرة منازل ومتاجر من يصفونهم بالمعارضين للحكومة، أو شرائها تحت الضغط، مستفيدين من غياب أصحابها.

ومؤخرًا انتشر الحديث عن شراء عقارات في الغوطة الشرقية، وخصوصًا في ترما وسقبا وجسرين وكفر بطنا والمليحة وزبدين وبيت سوا وحمورية. ويجري الحديث عن قيام مجموعات إيرانية بشراء العقارات هناك، وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، فقد تم شراء 500 شقة ومحل تجاري في ترما فقط، خلال الفترة الأخيرة.

ولم تقتصر المصادرة على منازل المواطنين، بل بدأت مصادرة الشوارع والتكايا والأماكن التي كان يراها المواطنون متنفسًا لهم للهروب من الأزمات الخانقة التي يعانون منها.

وفي هذا السياق، أصبحت التكية السليمانية مكانًا محظورًا على المواطنين السوريين، إلا في ساعات محددة مسبقًا وفي مكان جلوس محدد النطاق، وبإشراف أمني وحراسة مشددة، خصوصًا بعدما بدأت أعمال الترميم التي يرى السوريون فيها هزلًا وكذبًا.

وفي هذا السياق، تساءل المواطن (م.ب): "لماذا أهملت الشوارع الرئيسة والفرعية، وتركت مليئة بالحفر والقاذورات والبيوت الآيلة للسقوط، واهتمت بحفر أرض التكية السليمانية؟ هل من أجل التنقيب عن الذهب؟".

والتكية السليمانية تقع وسط مدينة دمشق، بالقرب من متحف دمشق الوطني وجسر فكتوريا، وجامعة دمشق وفندقي “الفورسيزونز” و”سميراميس”، وهي عبارة عن بناء متكامل يضم مسجدًا ومتحفًا وسوقًا للمهن اليدوية والتراث ومدرسةً، وكان مقصدًا للناس من أجل الاستراحة والتمتع بمنظر التكية الجميل.

والتكية السليمانية ليس المكان الوحيد الذي تم منع الناس من زيارته، فعلى ضفاف نهر بردى، الربوة، التي كانت تعتبر سابقًا المتنفس الوحيد لفقراء سوريا، أصبحت اليوم مأجورة، بعد أن استثمرت الضفتان على امتدادهما "من قِبل مجهول"، وأصبح الجلوس على طاولة في أحد المنتزهات يكلف الأسرة السورية 50 ألف ليرة، قبل طلب أي شيء.

الشارع الموازي للنهر يشهد حركة مرور كثيفة؛ بسبب تنقل السيارات الفاخرة والباهظة الثمن إلى جانب السرافيس وسيارات الأجرة.

وتقول المواطنة نغم: "معظم الذين يمرون من طريق الربوة يشاهدون السيارات الباهظة ومن خلفها ألعاب. من أين لهم هذا الترف. الوضع أبعد ما يكون عن الطبيعي".

مافيات اقتصادية

عدد جماعات المافيا الاقتصادية الموالية لحكومة دمشق آخذ في الازدياد، ويقول من سُرقت ممتلكاتهم أثناء الحرب إنهم لا يشكّون في أن هذه المافيات كانت مجموعات "الدفاع الوطني" وهي التي قد سرقت ممتلكاتهم، لكنهم يخشون أي مواجهة معها.

والدفاع الوطني، هي مجموعات مسلحة شكلتها حكومة دمشق، وأطلقت عليها اسم القوات الرديفة في إعلامها الرسمي، من أجل أن تتهرب من الجرائم التي ارتكبتها هذه المجموعات في العديد من المدن السورية. وهذه المجموعة متهمة بارتكاب جرائم وعمليات سرقة على نطاق واسع في المناطق التي دخلت إليها.

ولأن معظم المناطق التي كان يسيطر عليها المسلحون المحليون المناهضون لحكومة دمشق من المسلمين السنة، فقد أطلق على مكان بيع المسروقات التي تم تعفيشها من قبل الدفاع الوطني، اسم "السوق السنية". ولكن لم يكن المعارضون لحكومة دمشق ضحايا لهذه المجموعات المرتزقة، بل حتى أنصار حكومة دمشق أنفسهم تعرضوا للابتزاز على يد هذه المجموعات، ولم يكونوا في مأمن من نهب ممتلكاتهم.

دمار على مد البصر

نظرة من قاسيون، وبقدر ما تستطيع العين أن ترى، فإن المباني المدمرة وأكوام الأنقاض تحكي قصة عشر أعوام من الألم. متجر خليل لا يزال مدمرًا أيضًا. ويتذكر قائلًا: "قبل الحرب، كانت لدينا حياة جيدة. مع زوجتي، كان لدينا طفلان، كنت أدير محل بقالة صغير في داريا. لم نكن أغنياء، لكننا عشنا بشكل جيد، ولم نفتقر إلى أي شيء".

أما المواطن أحمد الذي يبلغ من العمر (65 عامًا)، فيقول: "بقيت في المنزل مع زوجتي، ولكن أرسلت أولادي البقية إلى خارج منطقة سيطرة حكومة دمشق. هنا في هذا المنزل ولدت وهنا سأموت".

ويؤكد أحمد أنه قبل بداية الأزمة، كان صناعيًّا، وكانت لديه مزرعة وسيارة، ويضيف: "الآن ليس لدينا شيء، كل شيء قد دمر بسبب الحرب. ولولا المال الذي أرسله لي أولادي لكنا تضورنا جوعًا حتى الموت".

تنافس روسي - إيراني

ويقول المتابعون للشأن السوري إن حكومة دمشق ليست هي التي تدير شؤون المناطق الخاضعة لسلطتها، إذ تتولى روسيا وإيران، أكبر داعمين للحكومة طيلة عمر الأزمة المستمرة منذ 10 سنوات، عملية الإدارة كل حسب مصالحهما. وهذا أدى إلى تحويل سوريا إلى مناطق نفوذ بين الروس والإيرانيين، وتقسيم المكاسب بينهما عبر توقيع اتفاقات كبرى لاستخراج النفط والفوسفات وبناء الموانئ والمطارات.

وفي مثال على هذه السيطرة، زادت مؤخرًا، واردات الأدوية والسلع الكهربائية من إيران إلى سوريا. كما بنت إيران مجمعًا جديدًا للرعاية الاجتماعية في دمشق في آذار/ مارس الماضي. كما ذكرت وسائل إعلام ان إيران تحاول بناء مجمع تجاري مكون من 12 طابقا في دمشق. حيث سيكون مقرًّا لـ 24 شركة إيرانية.

كما بدأت روسيا وإيران ببناء العديد من مطاحن الدقيق في مناطق سيطرة حكومة دمشق، إذ أعلنت شركة روسية عام 2017 أنها حصلت على إذن لبناء أربعة مطاحن دقيق في محافظة حمص مقابل 84 مليون دولار. كما صدّرت روسيا مليون طن من القمح إلى سوريا بين عامي 2017 و2019.

أما إيران فتسعى من خلال الاستثمارات إلى تعزيز وجود وموقع وكلائها في سوريا، حيث اشترى الإيرانيون معظم المباني حول ضريح زينب في دمشق.

وبدأ الإيرانيون بالاستثمار في سوريا، ومن أمثلة ذلك، قيام رجل أعمال إيراني مقرب من طهران بتوقيع عقد استثماري مع حكومة دمشق، لمدة سبع سنوات، يتضمن نشر مواقف سيارات مأجورة في قلب دمشق مقابل مبلغ مالي يقدّر بـ2.1 مليار ليرة، سيعود إلى محافظة دمشق، في حين يقدر ما سيجنيه المتعاقد سنويًّا بأكثر من سبعة مليارات ليرة.

قطاع التعليم ساحة جديدة للتنافس الروسي الإيراني

ولم يقتصر التنافس الروسي الإيراني على المجال الاقتصادي، بل وصل إلى قطاع التعليم، حيث استطاعت روسيا، فرض اللغة الروسية كلغة ثانية في مدارس حكومة دمشق بدلًا من الفرنسية. وأجرت العام الماضي أول امتحانات تدريب على اللغة الروسية في المدارس الثانوية.

ومن جانبها، تحاول إيران تدريس اللغة الفارسية رسميًّا في مدارس حكومة دمشق. ففي العام الماضي، وخلال إعادة بناء بعض المدارس في مناطق سيطرة دمشق، دعا وزير التعليم الإيراني (السابق) محسن حاجي ميرزاي إلى إدخال اللغة الفارسية في النظام التعليمي. وفي هذا السياق، نظمت بعض المدارس الابتدائية والثانوية التي أعادت إيران بناءها في محافظتي دير الزور والرقة فصولًا لتعليم اللغة الفارسية في برامجها التعليمية.

إن الأزمة التي تعيشها سوريا منذ 10 سنوات، سمحت بظهور طبقة ثرية جديدة في سوريا، معظمهم من أمراء الحرب الذين حققوا الثروة عبر سرقة قوت الشعب الذي يبحث عن رغيف خبز ليسد جوعه ويبقى على قيد الحياة.

(ح)

ANHA