"الوقود الإيراني" للبنان.. حلّ مشكلة أم تعميقها ؟

سادت لبنان مؤخّرًا مخاوف من رداءة جودة المحروقات الإيرانية التي تشق طريقها عبر البحر قادمة من طهران، لا سيما في أعقاب الحديث عن المشكلات التي خلفها البنزين الإيراني في فنزويلا وخصوصاً في محرّكات السيارات. بالتوازي مع ذلك، ما يزال القلق مسيطراً من احتمال فرض عقوبات أميركية على لبنان بسبب استقدام "حزب الله" بواخر المحروقات الإيرانية.

"الوقود الإيراني" للبنان.. حلّ مشكلة أم تعميقها ؟
الجمعة 17 يلول, 2021   02:10
بيروت- زياد أبو غزالة

فيما تشق باخرة الوقود الإيرانيّة طريقها إلى لبنان، تعلو الأصوات فيه محذرة من رداءة المحروقات، على غرار ما حدث في فنزويلا، البلد المنعّم عالميًّا بأكبر احتياط نفط، والغارق في الوقت نفسه بالذي أغرق لبنان، في ظل ما يسمّى "العهد القويّ".

فبواخر النفط الإيرانية التي دخلت إلى فنزويلا لمساعدتها في وجه العقوبات الأميركية القاسية على قطاع المحروقات، تبين لاحقاً سوء جودتها. وكانت النتيجة أن البنزين الإيراني سريع التبخر ومُضر بمحركات المركبات. وبينما كان متوقعًا أن يكون تدخل طهران إيجابيًا في هذه المرحلة، بدت الأصداء مخيّبةً للآمال مع الحديث عن أن الوقود الإيراني غير مطابق للمواصفات.

وتكبر المخاوف أكثر، فصحيح أن الوقود الإيراني دخل فنزويلا في ظلّ العقوبات المفروضة، إلا أنه لم يحل المشكلة بعد، ولم يقضِ على ظاهرة طوابير البنزين المنتشرة جراء تردي الأوضاع في البلاد. واقع زاد قلق اللبنانيين من احتمال استمرار أزمتي البنزين، والكهرباء المرتبطتين بمادة المازوت، حتى بعد المساعدات الإيرانية.

أيام قليلة متبقية، وغالباً يتبعها الجواب الفصل عن هذه المعضلة، فباخرة الوقود الإيرانية الأولى وصلت إلى سورية، وفقاً لأمين عام "حزب الله" حسن نصر الله، الذي أعلن في السّياق الجهات المستفيدة وآليّة التوزيع.

وبانتظار اتضاح الصورة، أعلنت خبيرة النفط والغاز في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لوري هايتايان، أنه على الرغم من رداءة المحروقات الإيرانية التي قدمت لفنزويلا، لا يمكن الجزم برداءة الشحنة المخصصة للبنان، ولكنها تبقى أحد المخاطر، لا سيما أنه سيتم إفراغ الباخرة في سورية، ونقلها براً عبر صهاريج إلى لبنان. وأشارت الخبيرة إلى أن الدولة اللبنانية ستكون عاجزة عن إجراء الاختبارات اللازمة للبنزين، وذلك لأن المحروقات لن تُفرغ في موانئها الرسمية، بخلاف ما يجري في العادة.

تعذر إجراء الفحص اللازم، سيكون له أثر سلبي كبير في حال كان الحديث عن رداءة المحروقات أمراً صحيحاً. وهو ما لن يتحمله اللبنانيون، فالأعباء المادية بلغت الذروة وألقت عليهم بكل ثقلها، وآخر ما ينتظره الناس أن يصبح تعطل محركات سياراتهم عبئاً جديداً يضاف إلى قائمة الأعباء الراهنة. طبعاً مع تمدد مشكلة رئيسة وهي تضرر قطاع النقل البري فوق الضرر الذي يعانيه أصلاً جراء احتكار المحروقات ورفع الدعم عنها بالكامل وغلاء أسعار قطع الغيار.

وفي مقابل هذا، يرى متخصصون ألا خطر على المركبات إن كان البنزين الإيراني 92 أوكتان، مشيرين إلى أن لبنان كان يستورد النوع نفسه خلال تسعينيات القرن الماضي. تطمينات سرعان ما أبدى أصحابها مخاوف موازية بسبب استحالة إجراء الدولة اللبنانية التحاليل المطلوبة للشحنات المقرر دخولها بطريقة تعد غير رسمية تفقدها شرعيتها.

بواخر النفط الإيرانية إلى السوق السوداء

يدور في فلك أزمة المحروقات اللبنانية سؤال واحد اليوم: على أي سعر ستباع مادتا البنزين والمازوت والإيراني؟ هل ينقسم السعر إلى سعرين، رسميّ للدولة وآخر للوقود الإيراني؟

تتسع حلقة المخاوف عند اللبنانيين الذين يعانون الأمرّين، أما السيناريوات المحتملة فاثنان لا ثالث لهما، ويبدو أن المرجح هو سعران وسوقان. فإذا تحرر سعر المحروقات وفق سعر صرف الدولار في السّوق الموازية، ودخلت المحروقات الإيرانية في الوقت نفسه إلى لبنان عبر سورية، سينتج سعران، الأول للدولة اللبنانية، والثاني للمحروقات الإيرانية المهرّبة من بوابة دمشق.

على المقلب الآخر، يمكن أن تباع المحروقات الإيرانية وفق سعر السوق الموازية بعد رفع الدعم، وبسعر أقل للمضاربة على الشركات المستوردة.

ليست المشكلة في الأسعار فحسب، وإنّما في القضية نفسها، فالمازوت الإيراني وفقاً للتقديرات لن يحل أبداً مشكلة الكهرباء في لبنان، بل سيرقّع الأزمة ويؤجل الغرق الشامل في العتمة ما أمكن، إلى حين إيجاد الحلول لرفع الدعم عن المحروقات أو تخفيضه.

 

النفط الإيراني، وقود العقوبات المحتملة

من جودة المحروقات الإيرانية مروراً بتورطها في السوق السوداء وصولاً إلى فوبيا العقوبات الأميركية. صورة تعكس مشهد المساعدات الإيرانية إلى لبنان، في ظل ما يمكن تسميته انتصار "حزب الله" إعلامياً. انتصار استعرضه نصر الله في أكثر من معرض، للإطلالة من موقع المنقذ والمخلص من النافذة الإيرانية. لكن هذه النافذة قد تسمح بنفاذ الغضب الأميركي إلى البلاد المنكوبة أصلاً جراء الارتهان الخارجي ونظام المحاصصة والطائفيّة.

وتكرس الطائفية اليوم ما صار يطلق عليه عصر الشيعية السياسيّة، بعد أن طوى الحزب حقبتي السنيّة والمارونيّة السياسية طوال محطاته السابقة واللاحقة. تفوق بميزان مختل لصالح طهران، قد يدفع لبنان ثمنه باهظاً مع دخول المحروقات الإيرانية بشكل فعلي إلى الأراضي اللبنانية.

وبالوقوف عند الموقف الأميركي، فواشنطن كانت قابلت موضوع تفريغ حمولة أولى البواخر الإيرانية بالسماح للبنان باستيراد الغاز المصري وتأمين مصادر الكهرباء عبر الأراضي السورية والأردنية، من دون فرض أي عقوبات على لبنان حتى اللحظة. ولعلّ هذا يرجع إلى أن الإدارة الأميركية ترى أن الدولة اللبنانية لم تكن المسؤولة عن استقدام سفن المحروقات من طهران، والأمر تم بقرار من "حزب الله" بمعزل عن الحكومة وتجاوز لكل المؤسسات الرسمية.

وبالإضافة إلى أن واشنطن لا تحمل الحكومة اللبنانية المسؤولية عن البواخر الإيرانية، فإنها قابلت تدخل طهران بزيادة المساعدات للبنان، وكان آخرها إعلان الرئيس الأمريكي جو بايدن عن تقديم مساعدات للجيش اللبناني بقيمة 47 مليون دولار، فبدت واشنطن بصورة المساعد للبنان وليست من يفرض العقوبات والحصار عليه.

وسواء فرضت واشنطن حزمة عقوبات على لبنان أم لم تفعل، لا يختلف اثنان في أن استقدام بواخر النفط إلى لبنان يمكّن اليد الإيرانية فيه، ويفتح سجلات جديدة بحسابات سياسية لا سقف لها. وهو ما يورط لبنان في أزمات معقدة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً لم يشهد مثيلاً لها في أحلك الفترات التي مر بها.

(ي ح)

ANHA