​​​​​​​درعا نقطة البداية للصفقات الدولية.. هل ستسير إدلب على خطاها؟

أغلق ملف درعا مجددًا، لكن هذه المرة كان الثمن أكبر وتراوح بين الابتزاز الروسي للدول العربية والغربية بالوجود الإيراني وخط الغار الذي يمر من حدود درعا الإدارية. فهل انتهت مشكلة درعا وما هي المنطقة التي ستسير على خطاها؟

​​​​​​​درعا نقطة البداية للصفقات الدولية.. هل ستسير إدلب على خطاها؟
الأربعاء 15 يلول, 2021   03:05
يحيى الحبيب

تحدثنا في مقال سابق حول درعا الواقعة جنوب سوريا والحدودية مع كل من الأردن وإسرائيل عن مدى قذارة المخططات الدولية بخصوص سوريا، ومدى انحطاط هذه القوى التي تتشدق بالديمقراطية وحماية حقوق الإنسان.

أهمية بالغة وانتهازية دولية

وتعتبر المنطقة الجنوبية بالغة الأهمية من الناحية الأمنية لإسرائيل، وهنا يمكن القول إن روسيا استثمرت ذلك بمقايضة الولايات المتحدة الأميركية والغرب وإسرائيل.

ورغبت هذه الأطراف في وقت سابق بوقف تمدد القوات الإيرانية في المنطقة، وجرت عدة اجتماعات حول ذلك أبرزها قمة القدس والتي توصلت إلى اتفاق بين روسيا وإسرائيل والولايات المتحدة حول إبعاد القوات الإيرانية مسافة 80 كم عن الحدود الإسرائيلية.

هذه القوى الدولية، أكملت مسارها في درعا هذه المرة أيضًا، حيث لم تحرك ساكنًا على مدار شهرين وأكثر من القصف والحصار من قبل قوات حكومة دمشق والمدعومة من إيران علنًا، بمرافقة صمت روسي على مبدأ "الصمت علامة الموافقة".

الأردن يقود الحراك

ارتفع صوت القوى الدولية، خلال الأيام الأولى من التصعيد، إلا أنه خفت بالتزامن مع حراك دولي وإقليمي كان محوره الأردن.

وخلال احتدام التصعيد من قبل قوات حكومة دمشق وقوات موالية لإيران، حطت طائرة الملك الأردني عبد الله الثاني بن الحسين في الولايات المتحدة، حيث التقى الرئيس جو بايدن، وأطلق من هناك تصريحات لافتة للانتباه حول بقاء بشار الأسد في الحكم.

وخلال مقالنا السابق وضعنا أحد الخيارات، وهو أن تسمح روسيا لدمشق وإيران بالتحشيد وتهديد المحافظة، لكي تقايض الولايات المتحدة والدول العربية مجددًا بشأن سوريا، وخصوصًا العقوبات الاقتصادية التي باتت تثقل كاهل حليفتها دمشق، بالإضافة إلى التعامل مع الأخيرة.

وخلال زيارة العاهل الأردني تلك إلى الولايات المتحدة، تحدثت تقارير أنه نقل رسالة روسية إلى بايدن.

وكشفت صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية أن الملك الأردني عبد الله الثاني عرض على الرئيس الأميركي جو بايدن، خلال زيارته إلى الولايات المتحدة، الانضمام إلى فريق عمل يسعى للاتفاق على خريطة طريق للحل في سوريا.

وقالت الصحيفة إن الملك عبد الله دعا بايدن إلى الانضمام إلى الفريق الذي يضم روسيا وإسرائيل والأردن ودولًا أخرى، بهدف الاتفاق على خريطة طريق للحل في سوريا "تضمن استعادة سيادتها ووحدتها".

وبحسب الصحيفة، يتطلب تطبيق هذه الخريطة تعاون الولايات المتحدة وروسيا وبشار الأسد.

وأوضحت الصحيفة وقتها أن العمل بخريطة الطريق قد يبدأ في وقت مبكر من هذا الخريف في حال وافقت واشنطن.

وكان الملك الأردني قد قال في تصريحات صحفية في وقت سابق، إن بلاده ستعمل مع الأشقاء العرب على "إعادة سوريا للحضن العربي".

وأضاف أن التوصل إلى حلول لمساعدة سوريا سيساعد المنطقة بكاملها والأردن على وجه الخصوص.

وعقب ذلك، توجه الملك الأردني إلى موسكو والتقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وتحدثا عن تطبيع الأوضاع في سوريا.

الحراك السياسي وخط الغاز يغلقان ملف درعا

وتخشى كل من الأردن وإسرائيل ومن ورائهم الغرب من وصول القوات الإيرانية إلى حدودهما وهذا ما تستغله على ما يبدو موسكو لابتزاز الدول الغربية والعربية.

إغلاق ملف درعا، جاء بالتزامن مع الموافقة الأميركية على مرور الغاز المصري والكهرباء الأردنية إلى لبنان عبر حدود درعا الإدارية.

وتمر الأنابيب من درعا في طريقها إلى شمال حمص، ومن هناك إلى مدينة طرابلس في شمال لبنان.

وربطت صحيفة "التايمز" البريطانية بين تصعيد دمشق في الجنوب السوري بأزمة الوقود في لبنان مع السياسة الخارجية لإدارة الرئيس الأميركي.

وأشار محلل شؤون الشرق الأوسط في الصحيفة ريتشارد سبنسر إلى أن القتال تزامن مع التواصل غير المتوقع لواشنطن مع دمشق.

وجاء التواصل من خلال السفيرة الأميركية في لبنان دوروثي شيا، والتي اقترحت حلًّا لمشكلة الوقود في لبنان التي تشلّ الحياة اليومية.

وبموجبه يتم إلغاء بعض العقوبات الأميركية على دمشق كي ينقل الغاز الطبيعي المصري إلى لبنان من خلال أنابيب الغاز الموجودة بين الأردن وجنوب سوريا.

مسعى روسي قديم لشرعنة دمشق وفك الحصار عنها

وعبر توقيع هذا الاتفاق، كسرت حكومة دمشق ولأول مرة العزلة العربية والدولية المفروضة عليها، حيث ظهر وزير الطاقة لديها إلى جانب وزيري الطاقة الأردني والمصري.

وبالإضافة إلى ذلك، تحدثت وسائل إعلامية عن زيارة مرتقبة لوفد رفيع المستوى من دمشق يترأسه وزير الدفاع إلى الأردن.

وعلى الرغم من تحقيق روسيا لتقدم عسكري على الأرض عبر دعم قوات حكومة دمشق، إلا أنها لم تتمكن من استثمار ذلك سياسيًّا؛ بسبب العزلة الدولية المفروضة على دمشق والعقوبات الاقتصادية التي تمنعها من استثمار سيطرتها.

هذا الحراك العربي الذي تقوده الأردن ومصر برضى أميركي – روسي بالضرورة يشير إلى أن هناك تطورات تطرأ على الأزمة السورية.

عودة دمشق إلى الحضن العربي ورفع الحصار السياسي والاقتصادي عنها كما ترغب به روسيا، لن يكون أيضًا بتلك البساطة، فهناك الهواجس العربية من الوجود الإيراني والتركي في سوريا.

كما أن هاتين الدولتين ستجلبان المزيد من الصداع لروسيا نفسها، حيث لن تسمح إيران بالاستفادة من خط الغاز دون أن تحقق شيء، كما أن تركيا لا تزال تماطل بتنفيذ التفاهمات في الشمال السوري وخاصة مسألة استعادة الحركة التجارية على الطرق الدولية.

الوجهة ستكون إدلب أم الباب؟

هذه التطورات تزامنت مع تصعيد من قبل قوات حكومة دمشق وروسيا باتجاه إدلب، وحديث بعض التقارير عن إمكانية عمل عسكري على محور جبل الزاوية.

الذريعة الروسية للقيام بذلك موجودة، والفائدة من ذلك كبيرة، حيث تطمح دمشق وروسيا بعد سيطرتها على الجنوب السوري لاستعادة حركة الترانزيت من تركيا إلى الأردن والخليج العربي عبر الطريق الدولي الآتي من شمال غرب سوريا، وهو ما يتطلب السيطرة على كامل إدلب.

هذه العوامل، ليس بالضرورة، أن تتم بالعمل العسكري الكبير ضد تركيا أو إيران، لكن هذا قد يتم ضمن إطار المحادثات التي تجريها الدول العربية مع تركيا وإيران.

ودون الرجوع إلى مآسي السوريين، باتت مسارات الطرق الدولية وحركة الترانزيت هي التي تحسم مصير المناطق السورية وتحرك العمليات العسكرية.

وفي هذا الإطار ستكون دمشق ومن ورائها روسيا أمام عوائق لإعادة الحركة الاقتصادية، من صادرات وواردات وحركة الترانزيت من تركيا حتى الأردن عبر الأراضي السورية، وصولًا إلى دول الخليج ومصر.

العائق الأول هو السيطرة على المسافة الأطول من الطريق الدولي، والتي تقع بين مدينة مورك في ريف حماة الشمالي ومنطقة الراشدين التي تعتبر إحدى ضواحي مدينة حلب الغربية، حيث تستخدم دمشق الآن الطريق الثانوي والذي بات يعرف بطريق خناصر، إلا أن هذا الطريق الضيق والذي يعتبر طريقًا زراعيًّا لا يمكن الاعتماد عليه لإعادة الزخم للحركة التجارية.

وسيكون العائق الثاني هو تفعيل الحركة التجارية بين مناطق ريف حلب الشمالي (على الحدود التركية) الواقعة تحت سيطرة المرتزقة ومدينة حلب، كما أن معبر أبو الزندين الواقع جنوب مدينة الباب يُعدُ مثاليًّا في حال تم تفعيله للحركة التجارية، كونه يقع على طريق رئيس يربط مدينة الباب بمدينة حلب.

فائدة اقتصادية لجميع حكومات المنطقة

وفي حال تمكُّن دمشق وروسيا من إعادة الحركة التجارية، فهذا سيعود بالمكاسب الاقتصادية على كل من دمشق وحلفائها وتركيا والأردن وحتى لبنان والعراق.

وبحسب التقارير، فإن حجم الصادرات السورية التي تمت عبر معبر نصيب خلال العام 2010 وصل إلى نحو 1100 مليون طن، بقيمة تصل إلى أكثر من 35 مليار ليرة سورية، بينما كان حجم الاستيراد عبر المعبر 1141 مليون طن بقيمة تصل لنحو 47 مليار ليرة سورية، أي أن قيمة المبادلات التجارية للمعبر تجاوزت ملياري دولار وفقًا لسعر الصرف المعمول به عام 2010.

وفي حال عودة الحركة التجارية وفتح الأردن لمعبر نصيب ستكون الصادرات السورية وحركة الترانزيت قادرة مجددًا على الوصول إلى أسواق الخليج ومصر بكميات أكبر وكلفة لا تقارن مع كلفة الشحن الجوي والبحري، فضلًا عن إعادة تنشيط حركة تجارة الترانزيت القادمة عبر المرافئ اللبنانية أو مرفأ طرطوس.

هذه الفائدة ستعود على لبنان أيضًا، والذي عانى اقتصاده من خسائر كبيرة، حيث إن صادراته وحركة الترانزيت من مرافئه عبر الأراضي السورية إلى دول الخليج توقفت نهائيًّا.

تركيا أيضًا التي تبحث عن عودة علاقاتها مع الدول العربية، وخصوصًا الخليجية ومصر، وبات اقتصادها يترنح، وباتت تبحث عن فائدة اقتصادية من عودة الحركة التجارية هذه.

فك العزلة السياسية والاقتصادية عن دمشق، وإعادة تنشيط حركة الترانزيت وغيرها، كلها ملفات تقابل بعضها.

جميع هذه الملفات تنتظر لقاء مسؤول الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي الأميركي بريت ماكغورك، ونائب وزير الخارجية الروسي سيرغي فريشنين، والمبعوث الرئاسي ألكسندر لافرنييف، بالإضافة إلى ما قد أبلغه بوتين للأسد خلال لقائهم الأخير.

لم ولن تنتهي القصة

في النهاية، كان الضحية أهل درعا ومعهم كل السوريين الذين تعرضوا على مدار سنوات الصراع السوري لسياسات كشفت مدى قذارة المخططات الدولية بخصوص سوريا، ومدى انحطاط هذه القوى التي تتشدق بالديمقراطية وحماية حقوق الإنسان، وما إلى هنالك من مصطلحات تخاطب العواطف، ولا تجد لها سبيلًا على أرض الواقع.

لكن السؤال الأهم، هل انتهت أزمة درعا بشكل كامل؟ لا، لم ولن تنتهي، فعلى الرغم من تلاقي المصالح في درعا وأهميتها، إلا أنها لن تصل إلى أهمية أفغانستان التي وعقب 20 عامًا، أنقلب الوضع فيها.

هناك الكثير من أهالي درعا لا يزالون حاقدين على حكومة دمشق، والأغلبية يرون أنهم خارجون من هذه الحرب خاسرين، وهذا ما ستستغله القوى الإقليمية عندما تختلف.

وكما فشلت التسويات الروسية السابقة في إنهاء الأزمة في درعا، والتي كانت مثالًا عن أزمة سوريا بشكل عام، سيبقى الجمر تحت الرماد قابلًا للاندلاع في أي وقت وظرف مناسب.

(ح)

ANHA