​​​​​​​سوسن بيرهات.. الزهرة التي تفتحت بين ربوع الشهادة

"أخشى أن أستشهد قبل تحرير عفرين" هذه العبارة قالتها المناضلة سوسن بيرهات، قبل استشهادها بساعات، ليتحول العهد الذي قطعته على نفسها إلى عهد لسائر أبناء الشعب الكردي.  

​​​​​​​سوسن بيرهات.. الزهرة التي تفتحت بين ربوع الشهادة
​​​​​​​سوسن بيرهات.. الزهرة التي تفتحت بين ربوع الشهادة
​​​​​​​سوسن بيرهات.. الزهرة التي تفتحت بين ربوع الشهادة
​​​​​​​سوسن بيرهات.. الزهرة التي تفتحت بين ربوع الشهادة
​​​​​​​سوسن بيرهات.. الزهرة التي تفتحت بين ربوع الشهادة
​​​​​​​سوسن بيرهات.. الزهرة التي تفتحت بين ربوع الشهادة
الإثنين 13 يلول, 2021   20:33
حلب-حنان محمد

تاريخ الكرد مليء بالمقاومة والصمود والنضال من أجل الحرية، سوسن بيرهات اسم معروف في كافة أرجاء كردستان وخاصة في روج آفا كردستان، تلك الشخصية لم تتوانَ يوماً عن التضحية في سبيل الحفاظ على أرضها.

من هي سوسن بيرهات؟

ولدت المناضلة سوسن محمد الاسم الحركي "سوسن بيرهات" في قرية أومارا التابعة لناحية شرا بمدينة عفرين في 1 كانون الثاني/ يناير عام 1976، وسط عائلة مكونة من 6 فتيات وهي الإبنة الرابعة بينهن.

عند إتمامها عامها الثاني، توجهت الأسرة إلى حي الشيخ فارس بمدينة حلب، وذلك لصعوبة تأمين مستلزمات الحياة اليومية في القرية، حيث درست الابتدائية والإعدادية في مدرسة مي زيادة في منطقة هُلّك التابعة للأحياء الشرقية.

ترعرعت المناضلة سوسن في كنف عائلة وطنية، إذ تعرّفوا على فكر وفلسفة القائد عبد الله أوجلان عام 1987، وانخرطت مع أسرتها في الأعمال الجبهوية، حيث اتخذت مكانتها مع شقيقتين لها أصغر منها في فرقة آكري للرقص الفلكلوري وسعت إلى تطويرها.

اتسمت المناضلة سوسن بوجه باسم متفائل وصوت شجي مازال عالقاً على مسامع أبناء الحي، إلى جانب شخصيتها القوية التي لا تعرف الخوف منذ طفولتها إذ كانت تنجز كافة المهام الموكلة إليها بجدارة، فكانت دائمة القول "أنا لا أخاف طالما أتعلم وسأنجح حتماً".

/ar/uploads/files/2021/09/13/183954_alham-mhmd.webp

بهذا الصدد، تستذكر شقيقة المناضلة "سوسن" إلهام محمد، شخصيتها التواقة للعيش حياة حرة رافضةً العيش وفق عادات المجتمع البالية، والتي استمدت تلك القوة من شخصية والدتها.

وفي عام 1990 ذهبت المناضلة سوسن مع فرقة آكري للمشاركة في احتفالية 15 آب في لبنان وهناك التقت بالقائد عبد الله أوجلان، وقررت الانضمام إلى حركة التحرر الكردستاني، إلا أن القائد أوجلان رفض مطلبها، وطلب منها العودة إلى سوريا واستكمال تعليمها، مؤكداً بأن الثورة تحتاج إلى الفئة المثقفة.

أكملت المناضلة سوسن تعليمها وانتقلت لمرحلة التعليم الثانوي، ودرست في مدرسة التجارة في حي الجميلية بمدينة حلب، وبعد حصولها على شهادة الثانوية التجارية، وبرغبة وإصرار من والدها، أكملت تعليمها في المعهد التجاري، وبعد مرور ثلاثة أشهر من دوامها قررت التوقف والالتحاق بحركة التحرر الكردستاني عام 1995.

تقول شقيقتها إلهام: "إن قرارها بالانخراط في صفوف حركة التحرر الكردستاني، كان أمراً محسوماً بالنسبة إليها، حيث جاءت إلى والدي لتخبره بأنها قد أتمت تعليمها، كما أوصاها القائد، وأنها ستسلك طريق الحرية لخلاص شعبها من الاضطهاد".

في تلك الفترة كثفت المناضلة سوسن أعمالها الجبهوية في حي الشيخ مقصود والأحياء الشرقية في مدينة حلب، من الناحية السياسية والثقافية، إلى جانب إعطاء دروس اللغة الكردية لأبناء الحي بشغف وحب كبير، دون الاكتراث لما تمارسه الحكومة السورية من ضغوطات على مناضلي حركة التحرر الكردستاني.

/ar/uploads/files/2021/09/13/184021_fatmh-hsn.webp

تقول صديقتها المقربة والإدارية في مجلس المرأة في ديوان العدالة الاجتماعية فاطمة حسن "كان أغلب حديث المناضلة سوسن عن فكر القائد أوجلان ودور المرأة الريادية في المجتمع وكيفية تحرير كردستان، كما كانت تشدد على الحفاظ على لغتنا الأم وضرورة تعليمها لنا لحمايتها من الاندثار".

دور العملية الفدائية في تغيير مسار حياتها

أثارت العملية الفدائية التي قامت بها المناضلة زيلان في 30 حزيران عام 1996 حافزاً لدى المناضلة سوسن للتمسك بالقضية الكردية والعمل على خلاص الشعوب المضطهدة من السياسات القمعية التي تمارسها الدول الرأسمالية بحقهم.

حيث شكلت فرقة غنائية مع العازفين باسم الشهيدة زيلان، وذلك خلال أسبوعين، وكان جميع أعضاء الفرقة من النساء تخليداً لذكراها، ليتم تقديم أول عرض لهم في ذكرى استشهادها الأول بمشاركة كبار الفنانين آنذاك.

شغل الفن حيزاً كبيراً في حياة المناضلة سوسن، وخاصة الفن العفريني، حيث اعتبرت الفن جزءاً من الثورة، وإن الفن الناجح هو من يقود الثورة لمسارٍ أفضل.

وبعد العملية الفدائية للشهيدة زيلان، ذهبت إلى كوباني. وهناك استلمت مهام الإدارة، وبعد عامين عادت إلى مدينة حلب لتودع عائلتها في 4 نيسان، وذهبت لتلقي التدريبات في دمشق. وفي شهر أكتوبر عام 1999 اتجهت إلى جبال كردستان لتتلقى تدريباتها هناك، وقبل رحيلها نظمت عائلتها وأصدقاؤها حفلة لتوديعها.

تستذكر فاطمة مطالب المناضلة سوسن منها قبل انضمامها "طلبت مني استكمال أعمالي الجبهوية، كون الحركة تحتاج لنساء رياديات لم يرضخن لعادات المجتمع، وعاهدتها بدوري أن أفعل ما بوسعي في سبيل القضية الكردية".

وأضافت "كانت تتطرق خلال حديثها إلى سياسات الدول الرأسمالية وكيفية وقوف ثورة الحرية أمام تلك الأنظمة لتحرير كردستان، إلى جانب حديث القائد ومطالبه من المرأة بأن تكون صاحبة إرادة وإصرار".

بصمتها في معارك حي الشيخ مقصود

بعد أن تلقّت المناضلة سوسن تدريباتها ضمن صفوف الكريلا، والتي دامت 15 عاماً، وأثناء ثورة روج آفا عادت المناضلة سوسن إلى حي الشيخ مقصود لتشارك في المقاومة، التي كان يبديها الأهالي أمام مرتزقة الاحتلال التركي، والتي ساهمت في إنشاء دعم شعبي للقوى العسكرية وفق مبدأ حرب الشعب الثوري.

وشاركت القيادية سوسن في المعارك التي دارت في الحي بين أعوام 2014، 2016 وكانت مصدر المعنويات للمقاتلين وقدمت جهوداً جمّة لحماية الحي، إذ كانت لها بصمة في معركة حي الشيخ مقصود.

/ar/uploads/files/2021/09/13/184009_hmzh-hlb.webp

يستذكر المقاتل في وحدات حماية الشعب حمزة حلب المناضلة سوسن قائلاً: " في يوم ميلاد القائد، وبينما كانت القذائف تنهال على الحي، قامت المناضلة سوسن بجمع المقاتلين لزراعة الأشجار وعقد حلقات الدبكة".

وأضاف حمزة: "لم تقبل المناضلة سوسن أي مشاركة عادية في المعارك، بل كانت تأخذ مكانها في خطوط الجبهة الأولى، إذ كان المقاتلون يستمدون من عزيمتها القوة والإرادة".

سوسن مؤسسة أول كتيبة HPC-JIN

وفي 25 حزيران عام 2015 ساهمت المناضلة سوسن مع نساء الحي في تشكيل كتيبة في قوات حماية المجتمع (المرأة) باسم الشهيدة كله سلمو تخليداً لذكرها، والتي ضمت 60 امرأة من عرب وكرد وتركمان، وكانت أول كتيبة نسائية لتنطلق فيما بعد إلى قامشلو مروراً بعفرين.

اشتهرت المناضلة سوسن بحبها للزراعة وخاصة زراعة الورود والأزهار، حيث ملأت نقطتها بالعديد من أنواع الورود والأزهار وخاصة زهرة (السوسن).

يقول المقاتل حمزة: " قبل رحيل المناضلة سوسن من الحي أعطتني سلاحها لكي أواصل النضال لحماية المكتسبات التي تحققت بفضل دماء الشهداء، وما زلت محتفظاً به إلى الآن، وأتعهد بالسير على خطاها للوصول إلى مبتغاها".

استكمال مسيرتها النضالية في روج آفا

غادرت حي الشيخ مقصود عام 2016 بعد تحريره واتجهت إلى قامشلو لتلقي التدريبات لبضعة أشهر، وذهبت بعدها إلى مقاطعة الشهباء لتحرير المنطقة من مرتزقة داعش.

أثناء شنّ الدولة التركية هجماتها على مقاطعة عفرين، كان جُلّ ما تتمناه هو الذهاب إلى عفرين لتشارك في مقاومة العصر. ولكن وضعها الصحي شكّل عقبة أمام تحقيق ما تتمناه، إلا أنها كانت تتواصل مع عائلتها وأصدقائها بشكل متواصل، لتطمئن على مدينتها ولرفع معنوياتهم في المقاومة.

وبعد احتلال عفرين وخروج الأهالي من مدينتهم والتوجه إلى مخيمات النزوح في الشهباء، قطعت المناضلة سوسن عهداً على نفسها بتحرير أرضها لعودة أبنائها إليها والعيش بكرامة.

بهذا الصدد تقول شقيقة الشهيدة سوسن إلهام محمد "كان جُلّ ما تتمناه هو تحرير عفرين من الاحتلال التركي ومرتزقته وتحقيق مشروع الأمة الديمقراطية، وأبت أن تعيش في المنازل في مقاطعة الشهباء حيث نصبت لنفسها خيمة لتعيش كبقية أبناء جلدتها".

وبعد تدهور وضعها الصحي ذهبت إلى كوباني، وبعدها شاركت في مقاومة الكرامة في سري كانيه، لتنتقل فيما بعد إلى الطبقة وبعد مرور عام اتجهت إلى تل تمر.

استشهادها..

شاركت المناضلة سوسن في جميع الحملات العسكرية في روج آفا، وعملت كعضوة في المجلس العسكري لوحدات حماية المرأة والمجلس العسكري لقوات سوريا الديمقراطية.

وفي 19 آب/أغسطس في تمام الساعة السادسة مساءً، شنّت الدولة التركية غارة جوية على مقر مجلس العلاقات في مجلس تل تمر العسكري، ارتقى على إثرها 4 مقاتلين إلى مرتبة الشهادة، ومن ضمنهم الشهيدة سوسن بيرهات.

"أخشى أن أستشهد قبل تحرير عفرين"

تقول شقيقة الشهيدة سوسن إلهام محمد: "قبل استشهادها بأربع ساعات اتصلت بي وهنأتني على تلقّي التدريب الأيديولوجي، وشددت على مواصلتي للأعمال التنظيمية في الشهباء، كما طلبت مني أن أودع عائلتي وأن أحافظ عليهم".

وبعد مرور ساعتين على إنهاء المكالمة مع شقيقتها، تحدثت لرفيقتها بأنها تخشى أن تستشهد وهي لم تحرر بعد مدينتها عفرين، ولم تفِ بالوعد لأهلها بعودتهم لأرضهم.

أشارت إلهام إلى نضال الشهيدة سوسن، من خلال الوقوف أمام أعداء الكرد والإنسانية، حيث أثبتت للعالم أجمع مدى شجاعة المرأة العفرينية وتمسكها بالقضية الكردية.

وأكدت في نهاية حديثها على مدى فخرها بشهادة شقيقتها، والمكتسبات التي حققتها خلال مسيرتها النضالية في روج آفا وأجزاء كردستان، معاهدةً على السير على خطاها للوصول إلى مبتغاها بتحرير عفرين وباقي المناطق المحتلة من الدولة التركية.

وتم نقل جثمان الشهيدة سوسن بيرهات إلى مقاطعة الشهباء مروراً بمسقط رأسها في حي الشيخ مقصود والأشرفية، المكان الذي عاشت فيه وقاومت فيه أثناء حصار الحي من قبل مرتزقة الاحتلال التركي. حيث استقبل أهالي حلب جثمانها بحفاوة ووُري جثمانها الثرى في مزار شهداء مقاومة العصر في ناحية احرص.

(ك)

ANHA