مواصلات لبنان.. تصل إلى الهاوية والحكومة عاجزة

تشهد أسعار المحروقات في لبنان ارتفاعاً كبيراً، حيث بلغت صفيحة البنزين نحو135 ألف ليرة، بعدما كانت بنحو 40 ألف ليرة، إضافة إلى شح كبير في المادة، إذ يصطف المواطنون في طوابير طويلة للحصول على كميات قليلة من البنزين والمازوت، ما أدى إلى انفلات سوق النقل بشكل كبير.

مواصلات لبنان.. تصل إلى الهاوية والحكومة عاجزة
الجمعة 10 يلول, 2021   23:29
بيروت- زياد أبو غزالة

لم تترك الأزمة الاقتصادية في لبنان شيئًا إلَّا وأتت عليه. أطاحت بكلّ مقومات الحياة من خبز ودواء وكهرباء ووقود ومواصلات. ففي طريق السقوط الحر، تعطّل قطاع حيويّ في اقتصاد البلاء وبدأ الشّلل يتسلّل إليه.

لا يكفي اللبنانيون همًّا أن دولتهم لم تؤمن لهم مواصلات عامّة، ليغرقوا في متاهة النقل البري الذي لا غنى عنه أبداً. لكنّها دوّامة الأزمة المالية الّتي بدأت بالدولار ووصلت إلى مركبات الأجرة من غير أن تنتهي.

منذ الحرب الأهلية، وقطاع النقل البري في لبنان يعاني الصعاب، لكنه لم يشهد قط واقعاً مماثلاً لما هو عليه اليوم. فانهيار العملة الوطنية لصالح الدولار الأميركي، وكلّ ما تبع ذلك من تداعيات على جيب المواطن، وصولاً إلى رفع الدعم بالكامل عن المحروقات، كان الضربة القاضية التي قسمت ظهر البعير، وحولت هذا القطاع من متنفّسٍ اقتصادي إلى عبء حقيقي بكل ما للكلمة من معنى. عبء على أصحاب المركبات، وعبء على المواطنين، الذين أصبحوا بسوادهم الأعظم عند خط الفقر أو تحته.

وفي وقت يحتل فيه قطاع النقل البري مكانة مهمة في دول العالم، يستغيث القطاع في لبنان بلا مجيب، والأخطر من ذلك كله، ما يعبّر عنه المثل اللبناني الدّارج "الطّاسة ضايعة" فلا أحد يعرف من يدير هذا القطاع ومن المسؤول عنه. فالأمر وبدون مبالغة تحوّل إلى بازار، المنتسبون إليه يعملون فيه بما يرونه مناسباً دون قيود أو شروط، وفي غياب الدولة التّام إلّا عن حرق شعبها بالبنزين والمازوت المخبَّأ في صهاريج الاحتكار.

في يوم ما في قديم الزّمان، كانت أجرة النَّقل في سيّارة الأجرة لا تتعدى 2000 ل.ل، حلّت الأزمة الاقتصادية، وبالتوازي حل العطل في كابح التسعيرة، إلى أن وصلت إلى أرقام جنونية غير مسبوقة، ووقفت على أعتاب الـ20 ألف ل.ل، ربّما لتنطلق صاروخيًّا من جديد. والغلاء الفاحش نفسه يحدث أيضاً في الفانات العموميَة التي تربط بين المناطق، وبين بيروت وباقي أوصال لبنان، وعلى ما يبدو لن تنتهي الأزمة إلا وقد قطعت أوصال البلاد.

سائقو الأجرة... تعبوا وأتعبوا جيب المواطن

ككل الأشياء المتضررة في لبنان، تضرر قطاع النقل البري، دون تلقي أي شكل من أشكال الدعم من الوزارة والمسؤولين المعنيين. ولعلّ أكثر القطاعات الاقتصادية تأثراً بالانهيار الراهن هو قطاع النقل، وفي نظرة سريعة إلى ارتفاع سعر صفيحة البنزين من 40 ألف ل.ل إلى 130 ألف ل.ل جراء رفع الدعم الكامل عن أسعار المحروقات.

ليس رفع الدعم وحده من قطع الهواء عن هذا القطاع الحيوي، وإنما الاحتكار، الكارثة الأكبر في لبنان. كارثة كشفت حجم الأزمة الفعلية وتخطيها مستوى الاقتصاد والسياسة إلى المستوى الأخلاقي بين فئات الشعب الواحد، وكأن الأمر عبارة عن مافيات صغيرة تدور في فلك مافيا كبرى. هكذا تسبب احتكار المحروقات في وقف الإمدادات الحيوية عن وسائل النقل العام لتعذر شرائها أو الحصول عليها، حتى مع امتداد طوابير الذل على طول الأراضي اللبنانيّة.

فسائق الأجرة الذي لا يسعفه الحظ في الحصول على حصة يومية من البنزين لتأمين انتظام عمله، ربما يتمكن من شرائها من السوق السوداء بسعر مضاعف وربما لا يستطيع، وهو الأغلب. وفي كلتا الحالتين، يقع سائق الأجرة العمومي في ورطة كبيرة تكبل يديه عن الاسترزاق وسداد مصاريفه وتأمين قوت عياله.

ولا تتوقف معاناة سائقي الأجرة عند هذا الحد، فإن أي خلل يصيب شيئاً ما من المركبة، يكبد صاحبها الملايين بعد أن كان الأمر لا يتجاوز المبلغ الزهيد.

كلّ هذا يسقط بثقله على أبناء قطاع النّقل البري، ويكلفهم فاتورة باهظة يسددونها على حساب مصدر رزقهم الوحيد.

ويروي سائق الأجرة الخمسينيّ أحمد عيتاني لوكالتنا، الصعاب الّتي واجهها خلال الأشهر الأخيرة ويقول: "صار الوضع صعباً للغاية، كان العمل مربحًا، أمّا اليوم فالعمل لا يزيد على أن يكون ذلًا وفقرًا" ويتابع عيتاني: "لا أعرف، ربما أتوقف عن العمل قريباً، أنا أنتظر ساعات طوال أمام محطات الوقود للحصول على البنزين، فلا يتبقى غير ساعة أو ساعتين من باقي النهار لأحصل به رزقي، الأمر لم يعد مجديًا".

المعاناة نفسها يتحدث عنها الشاب علي غندور: "منذ ثلاث سنوات وأنا أعمل على سيارة عمومية، أستأجر المركبة من صاحبها وأكدّ اليوم بطوله لآكل من عرق جبيني. أما اليوم فلم أعد أستطيع سداد الأجرة، وصاحب السيارة يطالب باستعادتها"، ويضيف بحسرة المخذول في بلاده: "لقد ذلونا".

والحال ليس أحسن مع المواطن سامي قرة حيث يتحدث عما جرى له بحيرة كبيرة قائلًا: "لقد اضطررت لتغيير دولاب السيارة الأسبوع الماضي، دفعت ما يزيد على مليون ل.ل، كيف يمكن هذا وأنا لا أحصّل المليون شهرياً، وكيف سأحصل هذا المبلغ وأنا لا أعمل إلا عندما أحصل على البنزين بعد انتظار طويل أمام المحطات، وإذا تسنى لي ذلك أكون محظوظاً".

ويكمل قرة: "لم تعد المصلحة مربحة، "مش جايبة همها"، اعتمدت تسعيرة الـ20 ألف ل.ل لأعوض الخسارة التي أتكبدها يومياً، كل هذا بسبب الغلاء والاحتكار، يجب حلّ المشكلة جذرياً، فلا نحن ولا المواطنين بإمكاننا التّحمّل بعد".

هذا ما يفسر واقع الحال، الكلّ متعب، والكلّ مظلوم، والكلّ بات شاقاً عليه أن يتحمل المزيد، فيما الطبقة الحاكمة تمدد عمرها من عرق الناس ودمائهم بلا مسؤولية تجاه ما يحدث.

ويصف المشهد الراهن رئيس اتحادات ونقابات قطاع النقل البري في لبنان بسام طليس، خلال تصريح له الأسبوع الماضي وصف فيه تعرفة النقل "بالفوضى، مؤكداً ضرورة الاستعجال في إيجاد حل مع حكومة تصريف الأعمال لدعم القطاع، حتى تعود التعرفة إلى السعر السابق، أي 6000 ليرة لبنانية.

مشيراً إلى أنه لا يمكن إلزام السائق بهذه التعرفة بينما يضطر لشراء البنزين من السوق السوداء".

قطاع المواصلات، تقوده دولة متهورة

كغيره من القطاعات في لبنان، لم يلق قطاع المواصلات دعماً حقيقياً حتى اللحظة. فالانهيار المتكرر صار يمر أمام قصر بعبدا والقصر الحكومي مرور الكرام، دون أن يلقى آذاناً صاغية.

كارثة اجتماعية وإنسانية تضرب واحداً من أكثر المرافق الحيوية والاقتصادية، دونما أي تدابير عاجلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

وفيما تحترق المزيد من البطاقات الضامنة في البلد المنكوب، تتصارع الطبقة الحاكمة على الحقائب الوزارية، وتغفل عن أهم حقيبة ألا وهي المواطن.

حكومة تصريف الأعمال لم تجد حلولاً بعد، ووزارات الأشغال العامة والنقل، والمالية، تعلن عجزها عن تثبيت تعرفة تكون منصفة إلى حد ما، والفوضى ما تزال سيد الموقف، والمصلحة العامة تترنح بين سائق الأجرة والمواطن.، وصار الكل خاسراً. ولا شيء يسد الخلل، ولا حتى القرارات الصادرة غير النافذة، من تخصيص مبلغ 500 ألف ل.ل بدل غيار قطع، أو دعم السيارات العمومية ببونات البنزين بسعر 40 ألف ل.ل للصفيحة و30 ألفاً للمازوت.

(ي ح)

ANHA