في ظل الأزمة.. مؤسسات لبنان بلا عمل مؤسساتي

تتجمد أطراف الدولة اللبنانية وتنعدم الحياة فيها، مع نفاذ الانهيار الاقتصادي إلى أعمدة البناء المؤسساتي، في حالة سجلت الأخطر في تاريخ البلاد.

في ظل الأزمة.. مؤسسات لبنان بلا عمل مؤسساتي
السبت 4 يلول, 2021   01:11
بيروت- زياد أبو غزالة

بعد أشهر طويلة من الإعصار السياسي والاقتصادي الشديد، خلع السقف عن القطاعات كافة، وصارت الأزمة المستمرة أشبه بالسمّ السائل يتمدد داخل أوردة البلد المنكوب وتملؤها.

وفي المحصلة، الشلل يصيب المؤسسات والإدارات العامة والرسمية، والمؤسسات الخاصة، ويضرب مصالح اللبنانيين المرتبطة بها، في ظل غياب أنظمة مؤسساتية حديثة تضمن استمرارية العمل في الأزمات.

ففي المشهد، جُرّدت المؤسسات من الحصانة. فطال الشلل مختلف الوزارات والمستشفيات والمؤسسات الرسمية والخاصّة جراء انقطاع  التيار الكهربائي والتقنين القاسي لمولدات الكهرباء، بالإضافة إلى شح غير مسبوق في المستلزمات الأولية. هذا طبعاً إلى جانب إضرابات الموظفين المتواصلة احتجاجاً على فقدان أكثر من 95 % من قدرتهم الشرائية، بعدما حلّق  سعر صرف الدولار إلى أرقام صادمة لم يتوقعها الشعب اللبناني يومًا.

كل ما يحدث اليوم في لبنان صادم جداً، على الرغم من أن البلاد مرت سابقاً بحرب أهلية طاحنة ووقعت مرات عدة في شباك العدوان الإسرائيلي. إلا أن هذه الأزمة هي الأعنف، حيث لا وقود لها إلا المواطن.

هذا المواطن المغلوب على أمره في كل شيء وصلت معاناته بعد لقمة العيش وحبة الدواء إلى أن يعجز عن استصدار المعاملات من أحد مراكز الأمن العام ببيروت جراء انقطاع الكهرباء. وهو ما حدث في وزارة الخارجية أيضاً وللسبب نفسه. وانسحب الحال إلى مطار رفيق الحريري الدولي في العاصمة، حيث صار غرفة ضيقة مظلمة، تتوقف صناديق الجمارك عن العمل لساعات جراء نفاد الأوراق والحبر. الوضع ليس أفضل في وزارة المالية حيث تعرقلت معاملات استيفاء الرسوم.

المستشفيات هي الأخرى، لم تكن بمعزل عن العاصفة الاقتصادية، فتوقفت أقسام كاملة في خمسة مستشفيات جامعيّة، وأغلقت مستشفيات أخرى. وعلى سبيل المثال لا الحصر، توقفت أجهزة التكييف في مستشفى رفيق الحريري الجامعي الحكومي، جراء انقطاع الكهرباء لأكثر من 21 ساعة يومياً، وفقاً لإدارة المستشفى. كما تأجلت العمليات الجراحيّة الطارئة في عدد من المستشفيات بسبب غياب التيار الكهربائي.

الأمر نفسه يسري على المحاكم المدنية ومختلف قصور العدل، حيث سادت أجواء من الفوضى عطلت إنجاز المعاملات الطارئة ومحاكمة الموقوفين جراء الشح في الأوراق ونماذج مذكرات التوقيف. ولا يقف الأمر عند هذا الحد فحصول المواطنين على إخراجات القيد اللازمة صار صعباً جداً، وربما يكون شبه مستحيل خلال الأشهر المقبلة. لا سيما في المناطق النائية عن مركز العاصمة، حيث يصعب سد الشح في الأوراق والمستلزمات.

انهيار المؤسسات على رؤوس الناس

لا يمكن بحال من الأحوال الحديث عن انهيار المؤسسات في لبنان، بمعزل عن أوضاع النّاس وأحوالهم. فشلل المؤسسات المختلفة ترك ندبة كبيرة في جيوب الأفراد العاملين بها. وبالتالي تقلصت القدرة الشرائية إلى أقصى حد لها. ليست فقط بسبب الإغلاق القسري، وإنّما جراء تدهور سعر العملة الوطنية مقابل الدولار الأميركيّ. عاملان قاسيان فرضا على الناس فرضاً فسحقا ما تبقى من أمل بعيش كريم في بلادهم.

مؤسسات تجاريّة ضخمة أغلقت أبوابها جراء انقطاع البنزين والمازوت، وآخرها على سبيل المثال مركزا "سيتي مول" و"سيتي سنتر". وبالطبع تداعيات ذلك أخطر بكثير من الخبر نفسه، فآلاف الموظفين من مختلف الجنسيات باتوا اليوم بلا عمل، وبلا مأوى من أعتى انهيار اقتصادي يضرب لبنان.

الصاعقة الاقتصادية لم تصب فقط المؤسسات الكبيرة والعريقة، فبطبيعة الحال ضربت بادئ ذي بدء المؤسسات الخاصة الصغيرة، والمشروعات المتوسطة، والمحال والمتاجر الصغيرة. ولم يكن أصحابها الوحيدين المتضررين من الإغلاق، وإنما جميع العاملين فيها. وهو ما وسّع رقعة الانهيار وعزز آفة الفقر والعوز. والحديث هنا يطول على المحال الغذائية والتجارية والمطاعم والمقاهي التي كانت في مهب الريح على امتداد الأراضي اللبنانية دون استثناء، عدد جاوز المئات منذ بدء الأزمة الاقتصادية نهاية العام ألفين وتسعة عشر.

بهذه الوتيرة المتسارعة، أثر انقطاع مادتي البنزين والمازوت وانقطاع التيار الكهربائي في أن تصبح المؤسسات والمشروعات أثراً بعد عين، بعدما تعب أصحابها طوال سنوات وعقود لتكون على ما هي عليه. فلا شيء في لبنان عاد في مأمن مما يحدث، والمعطيات وفقاً للإحصاءات المحلية صادمة ومخيفة، فنسبة البطالة ارتفعت إلى أكثر من خمسة وثلاثين في المئة. ووصلت نسبة  البطالة إلى خمسين في المئة عند الرجال، و55% عند النساء، و70% عند الخريجين، وكلها مؤشرات قابلة للزيادة خلال الأشهر المقبلة. كذلك تآكلت القدرة الشرائية بنسبة تسعين في المئة. والحقيقة الكارثية أن 70% من الشعب اللبناني أصبح في وضع صعب، والسواد الأعظم منه يصنّف حالياً تحت خط الفقر، وما كانت تسمى الطبقة الوسطى لا حقيقة لوجودها في الوقت الراهن.

الشلل الاقتصادي بلا علاج

يئن الشعب اللبناني كما لم يئن من قبل، ولا آذان صاغية حتى اللحظة. فالتركيبة الطائفية للنظام السياسي في لبنان تبدو كأنها قدر ملازم لا خلاص منه.

المحاصصة والتوزيع الطائفي والمناكفات الحزبية، كلها تضرب أوجاع المواطنين عرض الحائط. وبدلاً من تنفيذ وعود رئيس الحكومة السابق سعد الحريري بشأن النشاط الاقتصادي الواعد، وآلاف الوظائف المرتقبة، يعاني اللبناني ويكاد يموت وهو ينتظر في الطوابير، بل مات البعض حقاً وهو منتظر.

لم يكتف الطاقم السياسي في لبنان بخراب البلد وهده على رؤوس ساكنيه، بل يقف بكل عناد حائلاً أمام المساعدات الدولية الموعودة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وإنعاش الاقتصاد من جديد. وأقل الشروط المطلوبة، وهي تشكيل الحكومة عجز عنه الساسة اللبنانيون مجتمعون، وهو ما ينذر بمزيد من القوة الدافعة في مرحلة السقوط الحر.

هكذا وبكل أسف، يخرج لبنان من دائرة الاقتصاد الحر ويدخل قهراً في متاهة السقوط الحر، والنظام المصرفي الذي كان نظاماً يتغنى به، صار عيباً مشيناً في تاريخ لبنان الحديث. ولا أحد ضحية سوى الناس الذي يتجرعون الأمرين في العتمة.. مرّة إذا اختلف الساسة.. ومرّات إذا اتفقوا.

(ي ح)