​​​​​​​بوادر انقسام في ليبيا.. تكرار لسيناريو حكومة فايز السراج

بدأت بوادر الانقسام تظهر في المشهد الليبي بشكل واضح مع دعوة الدبيبة لحضور جلسة مساءلة في البرلمان ورفضه الحضور، ما يشير إلى أن ما يجري هو تكرار لسيناريو حكومة السراج التي تشكلت لدفع الأزمة الليبية إلى الحل، ولكنها أضافت إليها عقدًا أخرى.

​​​​​​​بوادر انقسام في ليبيا.. تكرار لسيناريو حكومة فايز السراج
الإثنين 30 آب, 2021   01:11
القاهرة - أماني عزام

تتزايد الضغوط على حكومة الوحدة الوطنية التي يقودها عبد الحميد الدبيبة، بعد مطالبة 11 نائبًا من رئاسة البرلمان سحب الثقة من الحكومة، بسبب استمرارها في إهدار المال العام خارج البلاد وعدم تنفيذ تعهداتها بتحسين الخدمات العامة داخل ليبيا، إلى جانب تجاوز صلاحياتها وتدخلها في المجال العسكري.

ووجّه الموّقعون على البيان خطابًا إلى رئيس البرلمان عقيلة صالح، ذكروا فيه أن الحكومة لم تلتزم بما تعهدت به أمام البرلمان في جلسة منح الثقة شهر آذار/مارس الماضي، وأصبحت تنفق الأموال بمبالغ تقدر بالمليارات في دولتي تركيا وتونس، دون أن يظهر تحسن في الخدمات التي زادت في التدهور".

وأكد النواب أن غياب التنسيق والإدارة الذي لازم الحكومة منذ تشكيلها يثبت فشلها في إدارة الدولة وفي تحقيق جزء يسير من احتياجات المواطن.

وأعقب ذلك مطالبة 29 نائبًا من إقليم برقة بسحب الثقة عن حكومة الدبيبة، متهمين إياها بأنها لم تقدم أبسط الخدمات للشعب الليبي.

وقال النواب في بيانهم إن "رئيس الحكومة الليبية المؤقتة يتعامل مع إقليم برقة بمبدأ العقاب والهزيمة وأصبح طرفًا في الصراع".

كما اتهموا حكومة الدبيبة بعدم الالتزام بخريطة الطريق المنصوص عليها في الاتفاق السياسي.

صالح يدعو الحكومة إلى جلسة مساءلة

وبعد مطالبات النواب، دعا رئيس مجلس النواب الليبي، عقيلة صالح، رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة لحضور جلسة لمساءلة الحكومة، وطلب صالح من رئيس الحكومة الرد على استفسارات النواب وحضور جلسة الاستجواب المزمعة إجراؤها اليوم 30 آب/ أغسطس الجاري.

وتسلم الدبيبة طلبًا رسميًّا لحضور جلسة مساءلة الحكومة للرد على استفسارات النواب.

ولاحقًا، هدد رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح بأن "المجلس سيسحب الثقة من الحكومة إذا لم تحضر جلسة الاستجواب".

ووجه صالح انتقادات لحكومة الدبيبة، مشيرًا إلى أنها "فشلت في توحيد المؤسسات، وتوفير متطلبات المواطنين من الغذاء والدواء والكهرباء والمصالحة الوطنية والاستعداد للانتخابات"، مضيفًا أن "مجلس النواب سيقرر بقاء حكومة الدبيبة أو رحيلها بعد الاستماع إليها".

/ar/uploads/files/2021/08/29/183500_salh-afhymh.webp

وفي هذا السياق، قال صالح أفحيمة، عضو مجلس النواب الليبي، وعضو اللجنة التشريعية بمجلس النواب، ومقرر لجنة شؤون النازحين والمهجرين، في حديث خاص لوكالتنا، إن مجلس النواب وجه دعوة رسمية لاستجواب الحكومة وفق صحيح القانون واستنادًا إلى المادة 188 من القانون رقم 4 لسنة 2014.

/ar/uploads/files/2021/08/29/183445_rdhwan-alfytwry.webp

ومن جانبه، قال المحلل السياسي الليبي، رضوان الفيتوري في تصريح خاص لوكالتنا "هناك تغوّل من حكومة الدبيبة مما دفع مجلس النواب لدعوتها إلى جلسة مساءلة، ومن ضمن مهام البرلمان وصلب عمله مساءلة الحكومة عن ما أنفقته".

الدبيبة لن يحضر

وأعلنت حكومة الوحدة الوطنية في ليبيا أن رئيسها عبد الحميد الدبيبة لن يحضر جلسة المساءلة المقررة في البرلمان اليوم الاثنين.

وقال المتحدث باسم الحكومة، محمد حمودة، إن "رئيس الوزراء لن يحضر جلسات البرلمان هذا الأسبوع".

وأضاف حمودة، في تصريحات إعلامية، أن "الحكومة أبلغت رئاسة مجلس النواب بذلك وأنهم ربما يحضرون في وقت لاحق".

ويأتي موقف الحكومة غداة تصريحات أكد خلالها الدبيبة، أنه سيكون خارج البلاد الاثنين القادم الذي حدده مجلس النواب لاستجواب الحكومة.

وفي كلمة وجهها للشعب الليبي بعد رفضه حضور جلسة مساءلة أمام البرلمان، ادعى الدبيبة أن "البرلمان عرقل عمل الحكومة لأسباب واهية وغير صحيحة".

وأضاف أن حكومته أعدت "برنامجًا تنمويًّا من أجل ليبيا" مدّعيًا بأن "البرلمان الليبي عطل بشكل متعمد خطط الحكومة".

وفي هذا السياق، قال رضوان الفيتوري، إن "الدبيبة لن يحضر لأنه مدان تمامًا وهناك ضغوطات على رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، وإغراءات لعدم مساءلة الدبيبة"، لكنه أكد بأن الأمور وصلت إلى نهايتها.

 

ومن جانبه، قال صالح أفحيمة في حديثه لوكالتنا "كنا نتوقع من الحكومة أن تحترم القانون وتمثل أمام البرلمان وتقدم ما يطلبه المجلس من أجوبة حول الاستفسارات التي وضعها أعضاء مجلس النواب، لكن ما حدث هو أن السيد رئيس الحكومة توجه بكلمة للشعب أدت إلى تصعيد الموقف، قابلها تصعيد آخر من السيد رئيس مجلس النواب بدعوة إلى جلسة خاصة لسحب الثقة من الحكومة".

ثمانية ملفات خلافية

إن الخلاف الأخير بين حكومة الوحدة الوطنية، ومجلس النواب، والتي استدعت الدعوة لعقد جلسة لمساءلة الحكومة أمام البرلمان، يخفي وراءه خلافات عديدة لم تجد لنفسها طريقًا إلى الحل منذ تشكيل الحكومة.

/ar/uploads/files/2021/08/29/183637_mhmd-salh-altrhwny.webp

وفي هذا السياق، قال المحلل السياسي والعسكري الليبي، محمد صالح الترهوني، في حديث لوكالتنا، إن هذه الخلافات قائمة بالأساس حول 8 ملفات رئيسة، كان يفترض أن تنجزها الحكومة، إلا أن ذلك لم يحدث، لأن حكومة الوحدة فشلت في مهامها بشكل ذريع.

وأول الملفات التي أخفقت فيها الحكومة بحسب الترهوني، يتعلق بمواجهة وباء كورونا والوضع الصحي في البلاد، والجميع تابع ما حدث في المستشفيات خصوصًا الكارثة التي حدثت في مصراتة، وسوق الجمعة وكارثة حي الأندلس.

وثانيها متعلق بملف الكهرباء، إذ أن الدبيبة خاطب المسؤولين في قطاع الكهرباء وكأنهم هم المسؤولون وحدهم عن الأزمة، وكانت المحصلة أن الحكومة لم تنجز أي تقدم في هذا الملف.

ثالثها، السطو على المال العام، ويقول الترهوني في هذا السياق: "الدبيبة أصدر قرارًا بتعيين محمد الضراط، مديرًا للمصرف الليبي الخارجي، وبعد وقت قصير من تعيينه، صدرت وثيقة تثبت وجود تلاعبات ومخالفات مالية جسمية، والتي من بينها شراء فلل والسطو على المال العام".

رابعها متعلق بالميزانية، فملف الميزانية أيضًا بحسب الترهوني، أخفقت فيه الحكومة بشكل كبير، إذ لم يتم إعداد ميزانية تحظى بقبول النواب، خصوصًا في أبواب الطوارئ والاستقرار، ولم تقبل الحكومة بالملاحظات التي قدمت من قبل النواب على هذه الميزانية.

والخامس، مرتبط بالملف العسكري، حيث لم يستطع الدبيبة إحراز أي تقدم في ملف إخراج المرتزقة الأجانب من البلاد، كما أنه لم ينجح في التوافق مع لجنة 5+5 بل حاول السطو على جهودها في فتح الطريق الساحلي في المرة الأولى، كما أن الدبيبة يصطحب معه محمد الحداد في كل زيارته خصوصًا إلى روسيا وتركيا بصفته رئيس الأركان وهو منصب لم يتم التوافق عليه من قبل اللجنة، أو حتى خلال الاتفاق السياسي.

سادسًا، علاقته بتركيا، ويقول الترهوني في هذا السياق: "تم تعيين صلاح النمروش قائدًا لمنطقة عسكرية في الغرب الليبي، والذي يبدو أنه جاء بإيعاز من تركيا للحفاظ على المنطقة القريبة من قاعدة الوطية تحت يد الأتراك، كما أن حكومة الوحدة الوطنية فشلت أيضًا بشكل كبير في ملف المصالحة الوطنية".

سابعًا، ومن أحد أهم أسباب تعقيد العلاقة بين الحكومة والبرلمان، هو فشل حكومة الدبيبة في معالجة ملفات خطيرة ومنها الهجرة غير الشرعية التي تشكل شواطئ الزاوية وزوارة والقره بولي والخمس أهم مراكز انطلاقها نحو أوروبا وإيطاليا تحديدًا، حيث يوجد على رأس هؤلاء مهربون مطلوبون للقضاء الوطني والدولي مثل المهرب المشهور بالعمو، والبيدجا والمهرب الفأر، وهؤلاء وغيرهم يمارسون نشاطاهم في مناطق سيطرة مباشرة لحكومة الدبيبة، وهؤلاء المهربون بحسب الترهوني "يتمتعون بعلاقة وغطاء حسن من القوات التركية المحتلة لقاعدة الوطية الليبية".

ثامنًا وأخيرًا، هو ملف "الإرهاب ومحاولة اغتيال قيس سعيّد" بحسب الترهوني الذي قال "ملف الإرهاب وداعش الذي بدأ يعيد نشاطه ويرتب صفوفه في المنطقة الغربية خاصة صبراتة والزاوية والوطية وهي ما تقع تحت السيطرة الفعلية للمحتل التركي، وقد شاهدنا تداعيات محاولة اغتيال الرئيس التونسي قيس سعيّد انطلاقَا من قاعدة الوطية غرب ليبيا".

ويرى المحلل السياسي والعسكري الليبي، محمد صالح الترهوني، أن هذه الملفات الشائكة على الأرض تعقّد من عمل حكومة الدبيبة وتجعله في قفص اتهام مباشر.

واتفق المحلل السياسي الليبي، رضوان الفيتوري مع الترهوني حول فشل الحكومة في تأدية واجباتها تجاه الشعب الليبي، وقال الفيتوري في تصريحه لوكالتنا "إن حكومة الدبيبة تتحجج بعدم إقرار الميزانية من قبل البرلمان، وهي أنفقت قرابة 70 مليار دينار دون أن تولي الخدمات أية أهمية".

وأضاف: "إن الحكومة تسحب من البنك المركزي مباشرة منذ بداية 1 ديسمبر الماضي مبالغ طائلة، ولكن هذا مخالف للقانون لأنه قانون موضوع لحالة طوارئ، ووضع لتسيّر الحكومة أعمالها وليس لسحب هذه المبالغ الطائلة".

/ar/uploads/files/2021/08/29/183704_nadr-alhwny.webp

أما الصحفي الليبي، نادر الهوني، فيرى أن ما يحدث هو عبث واستنزاف للمال العام من قبل هذه الحكومة المؤقتة والتي من المفترض أن تكون أبرز مهامها هو السير بالبلاد إلى الاستحقاق الانتخابي (انتخابات برلمانية ورئاسية) ولكن للأسف وعلى الرغم من تصريحات رئيسها على العلن والتي ترحب بالانتخابات؛ إلا أنه في الخفاء يقوم بعرقلتها هو وكل من يستفيد من وضع البلاد الراهن.

وأضاف الهوني في تصريح خاص لوكالتنا "كلنا تابعنا تصريحات أحد زعماء الإخوان المسلمين في ليبيا والذي يترأس الآن ما يعرف بمجلس الدولة خالد المشري والذي يعرقل الانتخابات بكل جهد في ظل تخاذل وسكوت من الأمم المتحدة والبعثة الأممية التي هي الراعية والمشرفة على تنفيذ اتفاقات جنيف وبرلين"، محملًا "جماعة الإخوان المسلمين" تداعيات فشل الانتخابات.

تكرار لسيناريو حكومة السراج

/ar/uploads/files/2021/08/29/183651_mhmd-fthy-alshryf.webp

أما مدير المركز الأفروآسيوي للدراسات السياسية والباحث في الشؤون الليبية، محمد فتحي الشريف، فيرى أن بوادر  الانقسام بدأت تظهر في المشهد الليبي بشكل واضح.

وأضاف الشريف في تصريح خاص لوكالتنا "هذا يجعلنا نتذكر ما أحدثته حكومة الصخيرات عام 2015 والتي ترأّسها فايز السراج، إذ بدأت بنفس السيناريو الحالي لحكومة عبد الحميد الدبيبة، فكانت منفتحة على الجميع وسرعان ما انحازت للاستعمار التركي والميليشيات المسلحة، وأحدثت قطيعة مع مجلس النواب والقوات المسلحة العربية الليبية، فكانت المحصلة تراجع في العملية السياسية والأمنية والاقتصادية، وازدياد الفجوة، على الرغم من أن السراج كان عضوًا في مجلس النواب. الأمر نفسه يتكرر مع الدبيبة الذي دشن المرحلة الانتقالية الخامسة بتقارب مع الجميع سرعان ما انتهى ليبدأ فصل جديد من العداء لمجلس النواب والقوات المسلحة العربية الليبية".

في ليبيا الدستور معطّل

وأشار مدير المركز الأفروآسيوي للدراسات السياسية إلى أن دعوة مجلس النواب لرئيس الحكومة لحضور جلسة مسائلة اليوم الاثنين، هو أمر طبيعي ويحدث بين السلطة التشريعية والتنفيذية في كل دول العالم وفقًا للقانون والدستور الذي ينظم عمل الحكومة ويحق للبرلمان ممثل الشعب مساءلتها وسحب الثقة منها، ولكن في ليبيا القانون مغيّب والدستور معطّل والمجتمع الدولي منحاز والشعب يدفع الثمن.

السيناريوهات المتوقعة

ويرى الصحفي الليبي نادر الهوني، أن مجلس النواب ذاهب إلى سحب الثقة من حكومة الدبيبة لعدة أسباب، أهمها اصطفافها مع جهة واحدة من البلاد؛ مما ينسف مسمى الوحدة الوطنية و"أصبحت حكومة عائلة واحدة ولمدينة واحدة".

أما مدير المركز الأفروآسيوي للدراسات السياسية والباحث في الشؤون الليبية، محمد فتحي الشريف، فيتوقع أن لا يحضر عبد الحميد الدبيبة جلسة المساءلة، وتوقع أيضًا أن المجلس لن يستطيع سحب الثقة إلا بعد التشاور مع أصحاب الحل والعقد في ليبيا وهما المجتمع الدولي والأمم المتحدة، وقال "هناك قوى أخرى في مجلس النواب تناوئ القوى الوطنية وتعطّل عملها وفق أجندة معدة مسبقة وهؤلاء النواب لا يظهرون إلا في حال تمرير المجتمع الدولي لأمر ما وهو ما حدث في منح الحكومة الثقة".

وأشار الشريف أنه هناك نواب سيحاولون سحب الثقة من الحكومة، ولكن ذلك يستلزم حضور الأغلبية، وهذا لن يحدث بحسب الشريف، لأن أغلب أعضاء المجلس مشغلون بأمور أخرى، ولا يحضرون إلا بضغوط دولية ولتمرير أمر في صالح المجتمع الدولي وليس الشعب الليبي.

كما توقع أن تزيد رقعة الانقسام  و"تبدأ مرحلة جديدة من التلاسن والجدل بين الحكومة ومجلس الدولة "الاخواني" من جانب ومجلس النواب والقوات المسلحة من جانب آخر، وسوف تستمر حكومة الدبيبة في سدة الحكم في ليبيا فترة قد تتجاوز العامين ولن تكون هناك انتخابات في التاريخ المحدد سابقًا، وسيتم الإعلان قريبًا عن مبادرة جديدة برعاية أممية وعملية سياسية أخرى".

فيما توقع صالح أفحيمة، عضو مجلس النواب الليبي، وعضو اللجنة التشريعية بمجلس النواب، ومقرر لجنة شؤون النازحين والمهجرين، أن تنعقد الجلسة في موعدها بمقر مجلس النواب المؤقت بطبرق بنصاب انعقاد صحيح.

لكنه أشار إلى صعوبة سحب الثقة من الحكومة، لأنه إذا ما تم التصويت على مقترح سحب الثقة؛ فإن ذلك يتطلب 120 صوتًا، وفق المادة 30 الفقرة 6  البند (هاء) من الإعلان الدستوري المؤقت، وهذا يعتبر صعبًا، وبالتالي يبقى الوضع على ما هو عليه حتى 24 كانون الأول/ديسمبر من العام الجاري موعد إجراء الانتخابات التي لا يُعرف إن كانت ستجرى من عدمها.

(ح)

ANHA