"الوقود الإيراني".. سياسة جديدة لاحتلال لبنان اقتصاديًّا

يستعصم "حزب الله" بالمحروقات الإيرانية، للنَّجاة من الغرق في السَّخط الشَّعبي، الذي يريد التجديف بعيدًا عن المنظومة الحاكمة للوصول إلى برّ الأمان.

"الوقود الإيراني".. سياسة جديدة لاحتلال لبنان اقتصاديًّا
الجمعة 27 آب, 2021   01:41
بيروت

"انطلقت السفينة الثانية المحملة بالوقود من إيران باتجاه لبنان، وستتبعها سفن أخرى". بهذا الإعلان أطل أمين عام "حزب الله" حسن نصر الله على الشعب اللبناني مجددًا، بعد أيّام من إعلان انطلاق السّفينة الأولى، مستعرضًا انتصارات ما أتى بمثلها الساسة الأولون أو اللاحقون.

يعد نصر الله الشارع اللبناني في خطاباته أن الوقود القادم من طهران هو مساعدة للجميع وليس حكرًا على فئة بعينها، قائلًا: "نحن لسنا بديلًا عن الدولة، ولسنا بديلًا عن الشركات التي تستورد المشتقات النفطية، ولسنا بديلًا عن محطات الوقود".

ويحاول نصر الله طمأنه اللبنانيين بالإعلان عن تحديد المعايير والأسعار في الوقت المناسب، ومواصلة دعوة الدّولة إلى الوقوف عند مسؤولياتها، مشددًا على أن كل من يحتكر المحروقات يجب توقيفه وزجّه في السجن. ويردد "حزب الله" ويعيد أن جلب كميات مقبولة من الوقود تهدف إلى تخفيف الضغط على الشركات والمحطات والسوق السوداء. وكسر الأسعار التي تعبّر عن الجشع، وتخفيف معاناة الناس.

إنجازات يتباهى بها الحزب ويستبق ذكرها قبل وقوعها، وهي في مجملها أقرب لخديعة بيع الأوهام منها إلى حمل الأعباء الوطنية والأخلاقية. فمن المفارقات العجيبة أن "حزب الله"، رأس الحربة في الحكومة، والداعم الأكبر للرئيس اللبناني ميشال عون المتورط بجرم التعطيل، هو نفسه من يقدم نفسه اليوم مصلحًا لواحدة من أعقد الأزمات في البلاد، فيما عجز عجزًا عجيبًا عمَّا يقدر على فعله، وهو منع الاحتكار في المناطق المحسوبة عليه.

من طهران إلى بيروت، تتحرك الملفات الإقليمية

لم يعد خافيًا على أحد أن لبنان واحد من مسارح إيران الإقليمية خارج حدودها. وأن دور إيران في لبنان مرتبط ارتباطًا وثيقًا بأجندتها وعلاقاتها وأزماتها.

ومرة أخرى، تظهر بطاقة طهران في الملف اللبناني، وتحديدًا عند حدوده البحرية. لن يجلب "حزب الله" الوقود من إيران كما يقول فقط، وإنّما يطرح إحضار شركات إيرانيّة للتّنقيب عن النّفط والغاز في مياه لبنان، طالما أنّ العائق أمام التنقيب هو رفض الشركات الأخرى خوفًا من العقوبات الأميركيّة. وعنوان هذه الطروحات بالخطّ الأحمر العريض، وفقًا لكلام نصر الله هو: "ما يهمّنا هو شعبنا ومعاناته بمعزل عن المكاسب السياسية".

أما السياسة، تدخل غصبًا عن الدعاية الإعلاميّة حول تحييدها. وتتحوّل قضية الوقود إلى ما يشبه حربًا إيرانيّة تخوضها بالوكالة. حرب يعبر عنها نصر الله في تهديد لإسرائيل بالقول إنَّ السّفينة الإيرانيّة منذ اللحظة التي ستبحر فيها ستصبح أرضًا لبنانيّة. وتبعه فيديو نشره الإعلام الحربي لـ"حزب الله" تظهر فيه صور حقل إيتمار الإسرائيلي للغاز.

ليس لبنان وحده مسرحًا لهذه السياسة الإقليمية، فأمين عام الحزب، وبعد عمليات تهريب واسعة للمازوت إلى سورية، يعلن في شأن سفينة المحروقات الإيرانيَّة أنّ هذه المشاريع تحتاج للتفاوض مع دمشق ولا يمكن إنجازها في الظلام.

ومن قلب السقوط الحر للبنان، يصوب حزب الله كل اتهاماته تجاه القنصلّية الأميركية في بيروت، مصوّرًا الإعصار المزلزل الذي يضرب لبنان مؤامرة أميركية هدفها فرض معادلات يرفضها اللبنانيون. فيما أن القسم الأكبر من اللبنانيين أنفسهم يرفضون رفضًا قاطعًا في أن تتحول حياتهم إلى بطاقة مساومة في صراعات إقليمية أكبر، يرون ألا شأن لهم فيها، حتى يخوضوها. مرغمين، في طوابير الذلّ والموت وعلى أعتاب المستشفيات.

"حزب الله" يورط لبنان

لماذا لم يمنع "حزب الله" تهريب الوقود على الحدود مع سوريا؟ لماذا سمح بحرمان الشعب اللبناني المنكوب من حقه في خمسين في المئة من المحروقات المدعومة، ومنحها إلى سورية على طبق من ذهب؟ لماذا يمنن "حزب الله" اللبنانيين بإحضار سفن الوقود من إيران وهو الَّذي كان مشرفًا وعرّابًا لعمليات التّهريب طوال الأشهر الماضية؟ وأين هو الحزب من عمليّات الاحتكار المتفشيّة في مناطقه؟

لماذا، لعشرات الأسئلة الّتي يطرحها اللبنانيون اليوم بمختلف طوائفهم وانتماءاتهم، المتحزب منهم وغير المتحزب، جميعهم تساورهم الشكوك حول نيّة حزب الله في قضية السفن هذه.

وفيما يتحدث أمين عام "حزب الله" حسن نصر الله عن أن إبحار سفن الوقود الإيرانية وانطلاقها باتجاه الأراضي اللبنانية، أول الغيث في رحلة التعافي من الأزمة الوقود الخانقة، يرى اللبنانيون بسوادهم الأعظم أن الإجراء ليس سوى خطوة قديمة جديدة تكرس إذلال اللبنانيين، ومفهوم الدولة داخل الدولة. في ظل غياب تام وكامل لدور رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وكل الوزراء المعنيين.

مخاوف اللبنانيين كبيرة، وأخوف ما يخافونه توريط بلاهم في المزيد من العقوبات، بما يزيد من تضييقات الحصار الأميركيّ المفروض، لا سيّما أنَّ إيران ممنوعة بإمضاء البيت الأبيض من تصدير النفط.

قانونيًّا، السفن الإيرانية القادمة إلى لبنان مخالفة. فإيران دولة ترزح تحت عقوبات دولية تمنعها من تصدير النفط إلى أي جهة، وأي دولة تشتري النفط من طهران تكون في مرمى الاستهداف هي أيضًا، وعرضة للعقوبات.

أمّا سياسيًّا، فهو ما يترتّب على الوضع القانوني للسفن، وبناء على ذلك، لن تتعامل الدولة اللبنانية مع سفن المحروقات الإيرانية المقرر وصولها في غضون أسبوعين. وإنّ عدم تعاطي الدولة مع المسألة يعني تلقائيًّا زحزحة الموقف الرّسمي لصالح موقف "حزب الله"، الحزب وحده. ويؤكّد السّابق، ليس فقط أن حزب الله دولة داخل دولة لبنان، بل دولة داخل دويلة هشة تتجاذبها الأطراف الإقليمية بلا حول منها ولا قوة. وشاءت الدولة اللبنانية أم أبت فإن غيابها الفاضح سيكلف اللبنانيين الفاتورة الأكبر، لأنهم كبش الفداء في لعب السياسة والمصالح.

وأيًّاً يكن، يهدي "حزب الله" مخاوف اللبنانيين ومستقبلهم المجهول إلى إيران، كرمى لعيونها. ويستكمل مسيرة طويلة في البناء على أنقاض البلد المتآكل.

(ز غ)

ANHA