​​​​​​​خبير في الشأن الأفغاني: أميركا فشلت في أفغانستان وتركيا ستكون أولى الدول التي تتواصل مع طالبان

رأى الخبير في الشأن الأفغاني جمال إسماعيل أن التقديرات الأميركية بشأن أفغانستان كانت خاطئة ما تسبب بفشلها هناك، وأشار إلى أن ذلك سيلحق الضرر بالوضع الأميركي الداخلي، وأوضح أن تركيا ستكون من بين أولى الدول التي تتواصل مع حكومة طالبان.

​​​​​​​خبير في الشأن الأفغاني: أميركا فشلت في أفغانستان وتركيا ستكون أولى الدول التي تتواصل مع طالبان
الأحد 22 آب, 2021   00:03
القاهرة - أماني عزام

تتسارع الأحداث في أفغانستان بعد سيطرة "طالبان" مصحوبة بتصريحات الحركة بإشراك النساء ومسؤولين بالحكومة السابقة بإدارة البلاد، وسط تحذيرات الغرب من مستقبل البلاد.

ولقراءة أكثر وضوحًا للمشهد الأفغاني أجرت وكالة أنباء "هاوار" حواراً خاصاً مع جمال إسماعيل، الخبير في الشأن الأفغاني، والصحفي الفلسطيني الذي عمل في أفغانستان لسنوات طويلة تتجاوز 30 عاماً.

وجاء نص الحوار كالتالي:

*ألم تكن تدرك أميركا أن طالبان ستتقدم بهذه السرعة؟

الأمريكان كان عندهم تقديرات خاطئة حسب اعترافهم بذلك، فهم كانوا يعتمدون في كثير من المعلومات على الاستخبارات الأفغانية التي كانت تجهل كثيراً من الأمور، أو تخفي بعضها عن الأميركيين، وتحاول أن تنال -الاستخبارات والحكومة الأفغانية- الدعم المالي والعسكري من الأمريكان وحلف الأطلسي بشكل متزايد.

*لماذا انسحبت أميركا دون أن تحقق الأهداف التي تدخلت من أجلها؟

أميركا كانت تحاول منذ أكثر من 12 سنة الخروج من أفغانستان، القيادات العسكرية الأميركية أعطت معلومات خاطئة للإدارة الأميركية في واشنطن طوال سنوات، الرئيس ترامب فضح الجنرالات الأميركيين وقال إنهم كانوا دائماً يطلبون المزيد من الأموال والعتاد ولكنهم فاشلون في ميدان المعركة.

حين جاء أوباما طلب منه الجنرال ماك كريستال قائد القوات الأميركية زيادة قواته ما بين 30-60 ألف جندي وبرر ذلك في عام 2009 بأن هذا العدد ضروري لوقف تقدم طالبان وليس للقضاء عليها، فقط لوقف زخم تقدم طالبان في الكثير من المناطق، ثم طلب كريستال من القيادة الأفغانية إنهاء تواجد القوات الأفغانية في العديد من المناطق النائية في الأرياف لأن تكلفة الحفاظ على قوات في هذه المناطق عالية جداً وطالبان تسيطر على خطوط الإمداد.

أميركا لم يكن بوسعها البقاء في أفغانستان فترة طويلة بعد مقتل بن لادن، أعلن أوباما أن الهدف من الغزو الأميركي كان معاقبة القاعدة وليس محاسبة طالبان، طالبان ـ حسب قوله ـ لم يؤذوا أميركا مباشرة وهم جزء من الشعب الأفغاني، وأعلن أنه سينهي العمليات القتالية للقوات الأميركية وحلف الأطلسي في نهاية 2014 وستعمل القوات الموجودة في أفغانستان لتدريب القوات الأفغانية التي عليها القيام بالمهمات القتالية.

الحكومة الأفغانية وافقت، وبدأوا تدريب القوات الخاصة الأفغانية لتكون هي في مقدمة العمل العسكري، لكن تبين لهم أن القيادات العسكرية الأفغانية تضللهم عن أعداد هذه القوات وقدراتها ولم يكن للأميركيين بد من الانسحاب فبدأوا يبحثون عن وسيلة للحوار مع طالبان، فوافقوا على إقامة مكتب سياسي لطالبان في الدوحة للحوار معها، لأن حكومة كرزاي في ذلك الوقت رفضت جعل أي ولاية أفغانية منطقة خارج العمليات لتكون المفاوضات داخل أفغانستان.

*هل هناك نظام عالمي جديد يتشكل بقيادة أميركا وما دور طالبان فيه؟

هناك نظام عالمي بقيادة أميركا تشكل بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991م وهزيمة العراق بعد حرب الكويت، الآن بعد الهزيمة المدوية لأميركا وحلف الأطلسي في أفغانستان وصعود الصين وبقاء روسيا متماسكة، هناك بوادر لنظام عالمي جديد متعدد الأقطاب وليس قطبان كما كان أيام الحرب الباردة.

الصين ببروزها الاقتصادي والعسكري المتصاعد ساهمت في بروز هذا النظام متعدد الأقطاب، وعودة روسيا إلى الساحة الدولية بقوة بعد تعافي الاقتصاد الروسي وبسط روسيا هيمنتها على جزء من أكرانيا وجورجيا وتوسع نفوذها مجدداً في دول وسط آسيا ودورها في سوريا في دعم نظام بشار الأسد، كل هذا جعل منها قوة يحسب لها.

طالبان كما يقال (بيضة القبّان) التي ترجح إحدى كفتي الميزان، فهي إن أقامت علاقة تشاركية مع باكستان والصين ودول وسط آسيا في الاستثمارات الصينية المتزايدة يمكن أن توجد قوة جديدة، قد تكون تركيا وإيران في مرحلة لاحقة جزءا منها، ولم يكن هذا ليتحقق لو بقيت أميركا في أفغانستان.

*هل كان الانسحاب من أجل إشغال الصين وروسيا بالوضع هناك؟

أميركا قطعاً تحاول إشغال الصين وروسيا، لكن ليس بالانسحاب من أفغانستان، ولكن بما يمكن أن تثيره من مشاكل داخلية في أفغانستان وما حولها من دول الجوار من خلال منظمات مسلحة قد تدعمها أميركا في المنطقة. لكن موقف الصين وطالبان وباكستان وإيران ودول وسط آسيا وروسيا في هذه القضية أحسبه متوافقاً حتى الآن، بما يمنع فرصة قيام جماعات مسلحة بإثارة الفوضى في المنطقة.

*هل حققت الاستراتيجية الأميركية نفعاً؟

أميركا حين جاءت إلى أفغانستان عام 2001 كانت تخطط للبقاء في المنطقة عشرات السنين وليس عقدين فقط ثم تُمنى بخسارة. الجيش الأميركي نشر على غلاف مجلته في عام 2004 خارطة للمنطقة قسم فيها أفغانستان بحيث تم ضم المناطق الشمالية إلى دول وسط آسيا، ومناطق البشتون اقتطعها مع مناطق بشتونية في باكستان وأسماها دولة بشتونستان، والمناطق الجنوبية الغربية من أفغانستان مع المناطق الجنوبية الشرقية من إيران والمناطق الجنوبية الغربية من باكستان اقتطعها ليجعل منها دولة بلوشستان، أميركا سعت في هذا المخطط وساعدتها الهند فيه لكنه لم يفلح.

* هل يجدي التدخل مرة أخرى بعد سيطرة طالبان، وكم ستكون التكاليف؟

طالبان سيطرت على الحكم وعلى مجمل أفغانستان، لن يجدي أي تدخل عسكري أجنبي، لأن تكاليفه ستكون باهظة جداً وقد يحول التدخل الأجنبي الجماعات المسلحة في أفغانستان ومن يساندها إلى ما تسميه دول الغرب بالإرهاب وهو أمر لا تريده دول المنطقة ولا الدول الغربية.

*كيف سيؤثر الانسحاب على مصداقية أميركا في العالم وخصوصاً عند الحلفاء؟

بخصوص مصداقية أميركا عند حلفائها، فأظن أن ما حدث في أفغانستان سيكون له تأثير قوي على تفكك حلف شمال الأطلسي في السنوات القادمة أو على الأقل خلخلة العلاقة بين الدول الأوروبية وأميركا.

*ما هي المواقع التي من المحتمل أن تتضرر فيها المصالح الأميركية فيها بعد هذا الانسحاب؟

أول مصالح أميركا التي ستتضرر هي في داخل أميركا حيث الخلاف الحاد بين الجمهوريين والديمقراطيين متصاعد، ثم موقف العديد من الدول في التعاون مع أميركا سيكون موضع تساؤل في السنوات القادمة، ثم قدرة أميركا على الضغط على الدول الأخرى ستقل، والله أعلم.

*كيف ستواجه أميركا الصين وروسيا اللذين وضعتهما في سلم أولوياتها، إذا خسرت حلفاءها؟

بايدن أعلن أن أهم ما قد تجنيه أميركا من الانسحاب منع الصين وروسيا من استغلال الوضع وزيادة الخسارة الأميركية في أفغانستان، لكن أميركا سعت وستسعى لتوريط الصين وروسيا في الوضع الأفغاني بعد الانسحاب، كما أن أميركا وضعت الصين أمامها كعدو اقتصادي وعسكري متنامٍ، وهذا يجعل أميركا تزيد من التفكير في تواجدها العسكري لاحقاً في بحر جنوب الصين والتعاون مع دول شرق آسيا لتطويق الصين، وقد تمكنت أميركا من إقامة حلف رباعي من أمريكا واليابان وأستراليا والهند لمحاولة تطويق الصين والوقوف بوجه تمددها الاقتصادي والعسكري في المرحلة القادمة .

*ألا يعني الانسحاب من أفغانستان فشلاً مدوياً للسياسة الاميركية في مواجهة الصين والروس؟

أظن كلمة فشل صغيرة في وصف حجم الهزيمة والمرارة الأميركية بعد الانسحاب من أفغانستان، الأيام القادمة ستجعل كثيراً من الأميركيين والأوروبيين يكشفون عن هذا الفشل.

*هل ستتعاون طالبان مع تركيا أم تنظر إليها على أنها جزء من الناتو ولن تتعاون معها؟

طالبان أشادت بالشعب التركي ولكنها رفضت التواجد العسكري التركي في أفغانستان. رفضت طالبان سابقاً فتح مكتب لها في أنقرة رغم دعوة تركيا لها لفتحه. كما رفضت طالبان إرسال أي وفد لتركيا لحضور مؤتمر كان سيعقد في اسطنبول في نيسان/أبريل الماضي ثم تم تأجيله إلى ما بعد عيد الفطر.

بالنسبة للعلاقات المستقبلية، طالبان أعلنت أنها تريد علاقات جيدة مع كل الدول، وأظن أن تركيا ستكون من أولى الدول التي ستعمل على التواصل مع حكومة طالبان، هناك الكثير مما يمكن لتركيا أن تقدمه للحكومة القادمة.

لذا أعتقد أنه سيكون هناك تعاون بين الطرفين، حتى وإن كانت تركيا جزءا من الناتو. لأن طالبان أعلنت أنها حتى مع حربها ضد أميركا والدول التي احتلت أفغانستان، فإنها لا تمانع في إقامة علاقات جيدة مع الولايات المتحدة على أسس سليمة دون تدخل أحد بشؤون الآخر.

(ي ح)