​​​​​​​"حزب الله" يسابق الانهيار إلى جبهة جنوب لبنان

قبل أن تنقشع العتمة عن لبنان، وينجو من الغرق في فلك الفراغ السحيق، يرسم "حزب الله" سيناريو الحرب للبلد المنكوب، ويدفعه بلا أيّ اختيار إلى مواجهة مفتوحة على جبهة الجنوب، هرباً من مأزق الدّاخل والتورط في سورية.

​​​​​​​"حزب الله" يسابق الانهيار إلى جبهة جنوب لبنان
الثلاثاء 17 آب, 2021   21:43
بيروت

فبقايا الدولة العاجزة عن تأمين رغيف الخبز لمواطنيها إلا مُقنَّناً في طوابير الذل، تمشي برجليها المشلولتين إلى أعتاب حرب يملك مفاتيحها حزب الله وحده، بإرادة إيرانية تحكم طوق الارتهان على عنق اللبناني المخنوق.

وبعد أن فرض "حزب الله" نفسه الرقم الأصعب في المنظومة السياسية اللبنانية، والممسك بمفاصل الدولة، والمعطّل إن هو أراد التعطيل، لا يجد طريقًا إلى صرف النظر عن مسؤولياته تجاه معاناة الناس الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، إلّا باللعب على بطاقة جبهة الجنوب، لتمرير الحديث مجدداً عن انتصارات تصوره بطلاً في ظل السقطات الوطنية والأخلاقية للأفرقاء السياسيين بشكل طردي، مع انهيار مقومات الحياة الآدمية لسكان لبنان. كل هذا ليحرص على أن تبقى الحاضنة الشعبية للحزب حاضنة متينة تنجيه من غضب الشارع، ومن أي مساءلة محتملة.

بطاقة المواجهة على طاولة الحزب مجددًا

لم يعد خافياً على أحد أن الجولة الأخيرة جنوب لبنان كانت مفتعلة للتقليل من حجم الرابع من آب. فالقاصي والداني يعلم أن قصف "حزب الله" لإسرائيل جاء لصرف النظر عن غضب الشارع في الذكرى السنوية الأولى لجريمة تفجير المرفأ، لا سيما أن الأوساط السياسية كانت تتخوّف جداً من أن يتحول هذا اليوم إلى انفجار شعبي لا يمكن السيطرة عليه.

وبهذا الشأن، يقول المحلل السياسي سعد كيوان في حديث إلى وكالتنا: "هذا احتمال وارد، وقد سبق أن لجأ إليه حزب الله في أكثر من مناسبة. أولها حرب تموز ٢٠٠٦، لكي يعيد خلط الأوراق بعد اغتيال رئيس الحكومة اللبناني آنذاك رفيق الحريري، وإمساك الفريق السيادي بالقرار، وانسحاب الجيش السوري من الأراضي اللبنانية".

ويضيف كيوان: "وقد فعلها الحزب مرات أخرى، وكان آخرها يوم الذكرى السنوية الأولى لجريمة تفجير مرفأ بيروت في ٤ آب الماضي عندما أطلق عناصره صواريخ على إسرائيل، ما استدعى رداً إسرائيلياً، ثم عاد ورد الحزب بصواريخ الراجمات من شويّا - حاصبيا لكي يحرف الأنظار عن بحر الناس الذي ملأ المرفأ وشوارع بيروت ضد السلطة ومحاولتها تضييع التحقيق وعرقلة عمل المحقق العدلي طارق بيطار. واللافت أن الهجوم الأقوى على القاضي بيطار شنه نصر الله".

ويتعجّب كيوان من عرقلة "حزب الله" لعمل بيطار متسائلاً: "لماذا ذلك؟ ما دام الحزب يؤكد أن لا علم له بمسألة تخزين الأمونيوم في المرفأ، ولا دور لحزبه، ولا يوجد أحد من مسؤولي حزب الله من تم استدعاؤه إلى التحقيق؟".

ويؤكد كيوان أنه "إذا أراد حزب الله أخذ لبنان إلى مواجهة مع إسرائيل، بإمكانه أن يفعل ذلك، لا سيما أن السلطة متضامنة مع موقف حزب الله، إذا لم نقل إن القرار في النهاية بيد الحزب بالذات".

ويتابع كيوان قوله: "كما أن أزمة عدم تشكيل الحكومة تشكل أيضاً إحراجاً للحزب، لأنه صاحب قرار حاسم كونه يمسك بالعصا من المنتصف بين حليف رئيس الجمهورية ميشال عون والطرف السني الممثل أساساً بسعد الحريري، وكذلك اليوم نجيب ميقاتي المتفاهم مع الحريري وباقي رؤساء الحكومات السابقين".

وحول إصرار الحزب الشديد على التصعيد في الجبهة الجنوبية يجيب سعد كيوان: "يصعد الحزب في الجنوب لأن ذلك هو السلاح الأشد فعالية، الذي أصبح اليوم السلاح الوحيد للإبقاء على تماسك قاعدته وجمهوره، في ظل التململ الحاصل نتيجة الوضع الاقتصادي والمعيشي الخطير للناس، الذين كان وعدهم نصر الله أنهم لن يتأثروا أو يجوعوا، حتى لو انهار الوضع في باقي المناطق. وبالتالي فإن حزب الله فقد كل الأسلحة التي كان يستعملها في الداخل، خصوصاً أنه أصبح جزءاً أساسياً من السلطة، بعد أن أرسى معادلة السلاح مقابل الفساد، ولكنه في النهاية انغمس هو أيضاً في الفساد كما الآخرون".

لإسرائيل حساباتها والمواجهة ليست خياراً

وبدا واضحاً خلال جولة التصعيد الأخيرة جنوب لبنان بين "حزب الله" وإسرائيل، أن الإجراءات العسكرية لم تكن تصعيداً أبداً. وأن الجيش الإسرائيلي اعتمد سياسة الرد المدروس والمقيد. ويلاحظ ذلك في القصف على المساحات المفتوحة والأحراج جنوب لبنان دون إصابة مواقع عسكرية للحزب وإيقاع قتلى في صفوف عناصره.

وبهذا تكون الرسالة وصلت دون توسيع مروحة التوتر على الجبهة. توتر يرى المحلل السياسي سعد كيوان أنه لن يتطور إلى عدوان، قائلاً: "حسابات إسرائيل مختلفة، فهي تسيطر عملياً على قرار الحركة في الأجواء السورية وقادرة أن تطال حزب الله وإيران في شكل شبه دائم، وتعطل قدرات الحزب العسكرية وحركته اللوجستية ونقل السلاح والصواريخ التي يتم قصفها في كل مرة يحاول الحزب أن ينقلها إلى لبنان، وهو من أجل ذلك يحظى بغطاء روسي".

ويصل كيوان إلى خلاصة مفادها أن "إسرائيل ليست بحاجة إلى المبادرة لشن حرب أو هجوم على لبنان، إلا إذا حصل تحريك أو تسخين للجبهة الجنوبية من قبل حزب الله. أما في الآنيّ، فإنَّ إسرائيل اليوم في مرحلة انتقالية لحكومة وأكثرية جديدة بعد خروج نتانياهو من السلطة، وبالتالي لا مصلحة لها بفتح جبهة خارجية، خاصة أن حساباتها إقليمية واسعة وليست مجرد مواجهة حدودية".

هكذا إذاً، الجبهة لبنانية وحدودها إقليمية دولية، تتشاطرها قوى عديد وتتنازع لأجلها. ولئن كان حزب الله يملك مفاتيح الحرب في لبنان ومغاليقها، إلا أن الأمر يبقى رهن الإرادة الإقليمية والمتغيرات الدولية. وفي هذا يعلّق كيوان: "لا أعتقد أننا أمام عدوان أو احتمال حرب مقبلة، لأن هذا يشكل تطوراً نوعياً خطيراً تطال تداعياته المنطقة بأكملها".

ويشير كيوان إلى أنَّ "قرار الحرب قرار إقليمي، إن لم نقل دولي، والقرار بطبيعة الحال ليس في يد حزب الله أو إسرائيل بمفردهما، وإنما ورقة في يد إيران تريد أن تلعبها على طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة في الوقت المناسب سلماً أو حرباً، وإيران تريد رفع العقوبات عبر الضغط على واشنطن في المفاوضات المتوقفة الآن. وبالتالي الكباش اليوم على أشده بين طهران وواشنطن لكي يحسن كل طرف هامشه التفاوضي".

استبعاد انزلاق المناوشات العسكرية إلى حرب، ربما يترك الباب موارباً على سيناريوات أخرى قد يطرحها حزب الله لتخفيف حدة الضغوط عليه في ظل المرحلة العصيبة التي يرزح تحتها لبنان جراء فساد منظومة الطبقة الحاكمة والتي يشكل الحزب الواجهة الأقوى فيها. وأياً تكن تلك السيناريوات المختلفة، الحقيقة الوحيدة الثابتة أن لبنان تعب من البقاء كبش فداء للصراعات الإقليمية، أو ورقة توت لستر السقطات الأخلاقية والوطنية. بعدما صار الذل كل الذل في رغيف الخبز والدواء والكهرباء.

(ح)

ANHA