عقوبات أميركية على إرهابيين تدعمهم تركيا... قراءة في الأهداف وما سيتبع

أثار فرض واشنطن عقوبات على إرهابيين أبرزهم قاتل السياسية "هفرين خلف" وإحدى أقرب المجموعات المرتزقة إلى تركيا "أحرار الشرقية" أسئلة حول توقيت هذه الخطوة وما سيتبعها، وفي الوقت الذي أكدت فيه الرئيسة المشتركة لمسد أمينة عمر أن "النقاشات مستمرة لمعاقبة جميع الإرهابيين وداعمتهم تركيا"، أشار محلل سياسي إلى أن هذه الخطوة هي "رسالة أميركية بثبات موقف إدارة بايدن من الملف الكردي".

عقوبات أميركية على إرهابيين تدعمهم تركيا... قراءة في الأهداف وما سيتبع
السبت 31 تموز, 2021   23:39
مركز الأخبار - يحيى الحبيب

فرضت الولايات المتحدة الأميركية، الأربعاء 28 تموز المنصرم، عقوبات جديدة على أفراد وكيانات تابعة لحكومة دمشق وأخرى للمجموعات المرتزقة المدعومة من قبل تركيا وعلى رأسها "أحرار الشرقية" والإرهابي "أبو حاتم شقرا" المسؤول عن اغتيال السياسية السورية هفرين خلف.

وقال بيان للخارجية الأميركية إن جماعة "أحرار الشرقية" متورطة في قتل السياسية هفرين خلف، في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، كما أن عناصرها مسؤولون عن نهب ممتلكات خاصة تابعة لمدنيين، ومنعوا نازحين سوريين من العودة إلى ديارهم.

وقالت وزارة الخزانة إن جماعة "أحرار الشرقية" قتلت مئات آخرين منذ العام 2018 في سجن خاضع لسيطرتها قرب حلب، ودمجت أعضاء سابقين في داعش.

وأبدت قوات سوريا الديمقراطية عبر بيان لها ترحيبها بإعلان وزارة الخزانة الأميركية عقوبات استهدفت مرتزقة "أحرار الشرقية" المدعوم من تركيا، وطالبت بالبدء بإجراءات قانونية لتقديم قادة ذلك الفصيل وعناصره للمحاكم الدولية.

مسد يرحب: خطوة متوقعة من الإدارة الأميركية الجديدة

الرئيسة المشتركة لمجلس سوريا الديمقراطية، أمينة عمر، تحدث لوكالتنا حول ذلك قائلة "نحن في مجلس سوريا الديمقراطية رحبنا بإقدام الولايات المتحدة الأميركية على إدراج شخصيات ومجموعات مدعومة من تركيا على قائمة العقوبات، وأصدرنا بياناً بذلك، ونحن ننظر إلى هذا الإجراء بأنه خطوة متقدمة ومتوقعة من الإدارة الأميركية الجديدة التي تهتم وتركز بالدرجة الأولى على ملفات حقوق الإنسان والانتهاكات التي ترتكب ضد المدنيين بشكل خاص".

وأضافت "إدراج اسم حاتم أبو شقرا المسؤول عن اغتيال الرفيقة الشهيدة هفرين خلف وفصيل أحرار الشرقية ضمن قائمة العقوبات كخطوة أولى، وبعد مرور ما يقارب العامين على ارتكابهم هذه الجرائم والانتهاكات التي وصلت إلى مستوى جرائم حرب، دليل على أن المجتمع الدولي يتابع هذه الملفات بشكل دقيق من خلال التقارير التي تصلهم من المنظمات المعنية في هذا المنطقة".

وطالبت الرئيسة المشتركة لمجلس سوريا الديمقراطية بخطوات إضافية وموسعة وقالت "يجب أن تشمل هذه العقوبات كافة المجاميع الإرهابية والجماعات التي ترتكب هذه الانتهاكات الفظيعة بحق الشعب السوري أينما كانت. العقوبات كخطوة أولى جيدة ولكن يجب أن تتبعها خطوات أخرى لاحقة وهذه الخطوات تكون عبر محاسبة الجناة الذين ارتكبوا هذه الانتهاكات أمام المحاكم الدولية حتى يناولوا جزاءهم".

التقى بأردوغان وله سجل أسود.. مسد يطالب بمعاقبة الداعمين

وأبو شقرا هو قائد مرتزقة "أحرار الشرقية" والذي ظهر في مقاطع فيديو وصور إلى جانب سائق ومرافق السياسية هفرين خلف، وأكدت تقارير أن المدعو "أبو شقرا" هو الذي قام بعملية القتل.

ويتمتع أبو شقرا بعلاقات قوية مع القيادات التركية الرسمية، ففي نيسان /أبريل 2018، حضر أبو شقرا اجتماعًا مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

وحول ذلك قالت أمينة عمر "تركيا متورطة، وبالأدلة الدامغة، في دعم هذه الجماعات الإرهابية وتقديم الغطاء الآمن لها من أجل ارتكاب المزيد من الانتهاكات في المناطق المحتلة، وبالتالي تركيا مسؤولة عن جميع الأعمال التي تقوم بها هذه المجاميع الإرهابية، ومن هنا، فإن على المجتمع الدولي أن يضغط على تركيا من أجل رفع الغطاء عن هذه المجاميع والكف عن دعمها، وبالتالي فرض عقوبات على كيانات وشخصيات تركية هي متورطة في هذا الجانب".

والمدعو أبو شقرا ذو سوابق وله سجل حافل،ومتورط في جرائم ضد الإنسانية بحق أهالي عفرين وإعزاز، وقد عمل في تجارة الأسر والمختطفين، واحتجازهم، بعد احتلال تركيا ومرتزقتها للمنطقة.

و"أحرار الشرقية" من أكثر المجموعات المدعومة تركيًّا، وقد عرف عناصرها بتطرفهم خلال السنوات الماضية، ويعتبرون من أكثر المجموعات إجرامًا، والأكثر تنفيذًا لعمليات اختطاف المدنيين.

وكانت "أحرار الشرقية" تتبع لـ "جبهة النصرة" المصنفة دولياً على قوائم الإرهاب، ومؤسسها هو الإرهابي "أبو ماريا القحطاني"، الذي كان سابقًا قائد لما يسمى "مجلس الشورى" في "جبهة النصرة".

نقاشات بين مسد والقوى الدولية حول معاقبة هذه الجماعات

وحول النقاشات التي أجراها مجلس سوريا الديمقراطية مع القوى الدولية حول معاقبة هذه الجماعات قالت الرئيسة المشتركة أمينة عمر "منذ استشهاد الرفيقة هفرين خلف على يد فصيل أحرار الشرقية والانتهاكات التي ارتكبت من قبل هذا الفصيل بحق المدنيين، ونحن نطالب المجتمع الدولي وكافة الجهات الرسمية وغير الرسمية ومنظمات المجتمع الدولي وحقوق الإنسان بمحاسبة هؤلاء القتلة، وبالتأكيد نحن في مسد وأيضًا قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية كان هذا دائمًا جزءًا أساسيًّا في نقاشاتنا مع كافة الجهات الرسمية وكافة الوفود التي تم لقاؤنا بهم أيضًا، هذا كان مطلبًا أساسيًّا لكافة المنظمات النسائية وحقوق الإنسان والمجتمع المدني من أجل محاسبة هؤلاء الجناة وتقديمهم إلى العدالة".

مسد: خطورة هذه الجماعات مستمرة وسنقدم دلائل تفضح انتهاكاتها

وأضافت أمينة عمر "خطورة هذه الجماعات الإرهابية ما زالت قائمة. هذه الجماعات إلى الآن ترتكب أفظع الانتهاكات بحق الشعب السوري في المناطق المحتلة. هذه الانتهاكات تشمل القتل على الهوية، فالكردي اليوم يقتل على الهوية في هذه المناطق أيضًا، وهناك اغتصاب للنساء، وهناك القتل والخطف والتغيير الديمغرافي ونهب الآثار وتدمير البنية التحتية كل هذه الانتهاكات ما زالت مستمرة وتشكل خطورة كبيرة على الشعب في هذه المناطق".

وحول خطط مسد أكدت أمينة عمر أن "النقاشات ستستمر مع كافة الجهات الدولية والرسمية إلى أن يتم فرض عقوبات على هذه المجاميع التي ترتكب هذه الانتهاكات كل لحظة، وبالتأكيد ستكون هناك إجراءات في المستقبل لأن المجتمع الدولي يتابع هذه الانتهاكات ويتابع ملفات حقوق الإنسان وكافة الجهات التي نناقش معها نقدم لها الدلائل ونفضح هذه الانتهاكات، وبالتالي سيكون هناك في المستقبل إجراءات أخرى من أجل ملاحقة هؤلاء القتلة وفرض عقوبات عليهم".

وتابعت في هذا السياق "سوف نستمر في مجلس سوريا الديمقراطية بفضح هذه الانتهاكات من خلال ملفات توثق هذه الانتهاكات بكافة الأدلة والشهادات الحية والصور التي تثبت تورط هذه المجاميع الإرهابية بانتهاكات حقوق الإنسان وارتكابها جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في المناطق المحتلة وبدعم من الدولة التركية".

وخلال حديثها طالبت الرئيسة المشتركة لمسد المجتمع الدولي بـ "الإسراع في العملية السياسية وإخراج المحتل التركي من كافة المناطق السورية وإخراج كافة المجاميع الإرهابية المرتبطة بها من هذه المناطق وتأمين عودة آمنة لجميع السكان الأصليين إلى مدنهم ومناطقهم".

قرار متأخر

وحول أسباب هذا التحرك الأميركي قال الكاتب الصحفي سـركيس قصارجيان "بالمشهد العام تقرأ هذه العقوبات كإشارة أخرى إلى تخبّط السياسة الأميركية حيال المنطقة بشكل عام وخاصة في الملف السوري، حيث إن الفصيل المذكور يتألف من العناصر الذين سمّتهم واشنطن بالمعارضين المعتدلين وقامت بتدريبهم وتمويلهم ومن ثم أهدتهم لداعش، حيث انتهى بهم المطاف في الحضن التركي".

وأوضح أن "القرار متأخر لا يمكن رؤيته إلا في سياق سياسي له علاقة برؤية واشنطن الجديدة لمهامها في المنطقة من جهة وطبيعة علاقتها مع أنقرة من جهة أخرى، وإلا ما الذي يفسّر تأخر صدوره".

ضغوط أميركية على تركيا

ورأى قصارجيان أن هذا التحرك يأتي "في سياق الضغوطات التي تمارسها واشنطن على أنقرة، وهذا القرار سبقه قرار آخر بإدانة تركيا بتجنيد الأطفال استناداً إلى دعمها وتمويلها لفصيل السلطان مراد، الذي شكّل عماد القوة الميليشياوية التابعة لتركيا في الأزمة السورية".

وأضاف "أعتقد أن كل تأخّر من جانب تركيا في تنفيذ الرؤية الأميركية حيال المنطقة والإقليم، ضمنًا روسيا والصين وإيران طبعًا، سينعكس على شكل ضغوطات تمارس على أنقرة بدأت بشكل غير مباشر عبر استهداف أذرعها العسكرية في سورية وليبيا وقره باغ وغيرها، وهي آيلة للتحول إلى عقوبات مباشرة في حال استمرار العصيان التركي".

مهمة أردوغان شبه مستحيلة

قصارجيان تحدث عن العلاقة الأميركية – التركية قائلًا "كان واضحًا أن اللقاء الوحيد المتأخر بين أردوغان وبايدن على هامش قمة الناتو لم يسر كما تريد تركيا. وعلى الرغم من الميّزات التي حاولت تركيا تقديمها لواشنطن بدءًا من حماية مطار كابول وليس انتهاء بتخزين صواريخ اس 400 في المستودعات وعدم تفعيل المنظومة المقلقة للناتو، إلا أن ملف الدعم الأميركي للهيكلية العسكرية لقسد بقي معلقًا وموضع توتر بين الجانبين".

وأضاف "حاول أردوغان سابقًا استغلال علاقاته الجيدة مع ترامب من أجل تصفية هذا الملف، خاصة وأن ترامب كان رئيسًا يشبهه لجهة تفعيل العلاقات الشخصية على حساب دبلوماسية المؤسسات مع الدول لكن الضغوطات التي تعرض لها من قبل الكونغرس والخارجية حالت دون ذلك، الآن مع وصول بايدن تبدو مهمة أردوغان شبه مستحيلة".

ومن وجهة نظر الصحفي" فإن هذه العقوبات يمكن قراءتها على شكل رسالة من واشنطن تؤكد إصرارها على دعم الكرد ووجوب أن تجد أنقرة سياسات تتماشى مع هذا الإصرار".

لا إجراء عسكري

وحول إمكانية أن تتطور هذه الإجراءات بحق الجماعات الإرهابية قال الصحفي "أستعبد أن تتبع الخطوة بأي إجراء عسكري خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار بأن جبهة النصرة المسيطرة على إدلب وغرب حلب مدرجة على قائمة العقوبات منذ سنوات وبإجراءات أشد من العقوبات الحالية، لكن البراغماتية الأميركية في التعامل مع الخصوم تحول دون المضي قدمًا إلى أبعد من الإجراءات الشكلية، ويمكن اعتبار تصريح جيفري بشأن (هيئة تحرير الشام) الذي هو فرع لتنظيم القاعدة في سوريا، بأنه ذُخرٌ للاستراتيجية الأميركية في سوريا، خير مثال على ذلك".

وتابع "بالنسبة للولايات المتحدة فرض العقوبات شيء والتعامل والوقائع الميدانية شيء آخر، الأولى ورقة سياسية أما الثانية فهي تخضع لحسابات الربح والخسارة وتعتبر جزءًا من كل فيما يخص ملفات قد تكون أبعد عن المنطقة بكثير".

ملفات عدة

وحول كيفية تعامل واشنطن مع تركيا التي تقدم الدعم لهذه المجموعات قال قصارجيان "ستتحدد وفق ملفات عدة تتجاوز الحدود السورية، فسورية والكرد هي إحدى الملفات التي لا تهم واشنطن على قدر اهتمامها بعلاقات أنقرة مع كل من طهران وموسكو وخاصة مع بكين وموقع تركيا في مشروع الحزام والطريق، وملف إس-400، بالإضافة إلى الخطوات التركية في شرق المتوسط وسياسات تركيا في ليبيا والقرن الأفريقي وغيرها".

وأضاف "لكن ما هو واضح أن ما فشلت أنقرة في الحصول عليه في عهد ترامب بما يخص الملف الكردي لن تتمكن من الحصول عليه في عهد بايدن الأكثر تعاطفًا مع الكرد من سابقه"، وفقاً لتعبيره.

وتابع " كما أن الاستراتيجيات البديلة التي حاولت تركيا انتهاجها بما يخص هذا الملف من خلال تشكيل هيكلية من الكرد الصالحين شبيهة لأربيل فشلت رغم المحاولات الأميركية لإنجاحها كحل وسط".

وتابع "بتقديري ستبقى تركيا في منأى عن عقوبات أميركية حادة وحاسمة لطالما بقيت مجموعاتها ملتزمة بالحدود الحالية، كما أن أي تحرك تركي في القريب العاجل سيقابل بزيادة الضغوطات ما لم يتم الحصول على ضوء أخضر أميركي وهذا الضوء لا يبدو الحصول عليه سهلًا اليوم كما كان الحال في عهد ترامب".

رسالة أميركية بثبات موقف إدارة بايدن من الملف الكردي

وأكد قصارجيان "نعم هي خطوة أولى في حال استمرار التباين الأميركي - التركي في الملفات الحساسة، لكن الأهم أنها رسالة أميركية بثبات موقف إدارة بايدن من الملف الكردي"، من وجهة نظره.

وحول إمكانية أن تكون هذه الإجراءات بداية لإجراءات أخرى ضد المجموعات التابعة لتركيا قال قصارجيان "هناك ملفات جرمية عديدة ثابتة على الفصائل التابعة لأنقرة في سورية وليبيا وقره باغ لكن الإدارة الأميركية حاليًّا اختارت ما يتعلق تجنيد أطفال وقتل سياسية، متجاهلة عمليات التغيير الديمغرافي والمجازر الأثنية وتهريب الأسلحة والمخدرات وسرقة الآثار والمصانع والمحاصيل والنفط وتمويل منظمات إرهابية وغيرها من الجرائم الأشد وطأة والمتورطة فيها هذه الفصائل المدعومة تركيًّا".

وقال الكاتب الصحفي سركيس قصارجيان في ختام حديثه "هذا ما يجعلني لا أعول على الخطوة الأميركية لأبعد من رسالة سياسية حاليًّا".

(ح)

ANHA