"40 خندقاً أرعبت داعش".. العم نمر يسرد جزءاً مما حصل في شنكال

كل فرمان تعرض له الإيزيديون ، أبقى معه ماضي مؤلم ومستقبل غير واضح المعالم، لكن الفرمان الأخير كسر هذه القاعدة، وكانت المرة الأولى التي تحوّل فيها الألم إلى حياة جديدة ، المسنون الإيزيديون رأوا  ما حدث بعد الفرمان أملاً كبيراً، ومنهم العم نمر وأهالي قريته خربتي.

"40 خندقاً أرعبت داعش".. العم نمر يسرد جزءاً مما حصل في شنكال
الجمعة 30 تموز, 2021   23:58
نوجيان بيريفان ـ شنكال

نمر خلف درويش أو كما يعرف بالعم كاكا، أحد سكان قرية تل عزير، من مواليد 1942، ينحدر بالأصل من عشيرة "فقيرة زرور " الإيزيديين من قرية خربي قوالة.

العم كاكا في شخصيته مرح ولطيف جداً مع كل من يجالسه، يبلغ من العمر الآن79 عاماً، يسكن حالياً في قرية تل عزير جنوب جبل شنكال.

دائماً ما يكون المسنون، أشبه بمكتبات كبيرة، يمتلكون تجارب عاشوها، ويسردون الكثير من القصص والروايات التي تروي تاريخاً طويلاً للمنطقة، العم نمر واحد من هؤلاء الذين تستطيع بكل ثقة أن تقول عنه" مكتبة حية"، لكن حديثه عن الفرمان الأخير هو كل ما نريد التحدث عنه الآن.

العم وبالرغم من كبر سنه لكنه ما يزال نشيطاً وحيوي جداً، استضافنا في غرفة واسعة، تدخل إليها نسمات الهواء، رغم حرارة شهر تموز، وكأن النيران تشتعل في محيط تل عزير، ورغم ذلك شربنا الشاي برفقته قبل أن نبدأ حديثنا معه حول ما خاضوه أثناء الفرمان.

حينما تقرب الإيزيديون من ملا مصطفى البرزاني....

في كلامه، تغلغل العم كاكا في التاريخ، وذكر تاريخاً مما تعرض له الإيزيديون، يقول قبل 50 إلى 60 عاماً كان المجتمع الإيزيدي قريباً من الحزب الديمقراطي الكردستاني، لذا تعرضوا للمضايقات من قبل حزب البعث في العراق.

حزب البعث طالب العساكر الإيزيديين بتسليم كافة أسلحتهم وخلال يوم واحد أخذوا 1500 سلاحاً منهم، وبعد شهرين من الحادثة زادوا من ممارساتهم ضدهم، شكلوا 14 مجمعاً من الإيزيديين وحدهم وقطعوا عنهم المياه العذبة وكان يقدم لهم فقط المياه العكرة المليئة بالشوائب.

 العم نمر قال إنهم كانوا يقولون "يجب أن لا يشرب الإيزيديون من مياه العراق العذبة"، وأشار بأن تلك الممارسات كلها كان بسبب تقرب الإيزيديين من ملا مصطفى البرزاني.

وذكر أن كل أسرة أعطيت 400 دينار عراقي فقط، وأرسلوهم إلى تلك البرية (أي المجمعات التي أسست بعد إخراجهم من قراهم)، وهناك عانوا كثيراً حتى كاد أن يختنق أطفالهم من شدة الغبار.

كل ذاك كان بسبب الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي لم يدافع عنهم، والإيزيديون ضحوا بـ 1500 شهيداً في معارك عديدة في ذاك الوقت، وخلال ذلك تطرق العم إلى اتفاقيات PDK والحكومة العراقية ضد شنكال.

اقتلوا من لا يعلن إسلامه

من يستمع لأحاديث العم نمر سيتأثر بها كثيراً وخاصة عندما تحدث عن ما قابلهم به الديمقراطي الكردستاني رغم وقوفهم إلى جانبهم" اتفق علينا مصطفى البرزاني والعراق، قالوا أغلقوا اتجاهات الجبل الأربعة، واقتلوا من لا يسلم، خذوا الفتيات والنساء لأنفسكم، تحالف مسعود و أسامة النجيفي والرئيس التركي ضدنا، البيشمركة فرّت من شنكال، وجمعوا الأسلحة من المنطقة وأخذوها معهم".

الجميع اتفق علينا "خبز الإيزيديين حرام ومائهم حرام، وإن أخذ نسائهم سبيل للجنة، هذا هو حالنا في العراق".

وتابع لأجل ما فعله والده اتفق مسعود اليوم على الإيزيديين مرة أخرى، وهو بذاته قال " يجب أن يصبح الإيزيديون مسلمين، وعند إسلامهم يجب أيضاً أن يكونون مسلمين كرد وليس عرب"، لكن العم نمر أضاف في حديثه عن هذا:" لا يمكن لأحد أن يدعو شخص آخر لاتباع دينه، لا يجوز أن أغصب أحداً على ترك دينه ومعتقده، الله لم يأمر بذلك، الله دعا أن تلتزم بتعاليم دينك، وعندما يكون أحفادك راضين عن دينك الذي اخترته فالله راض عنك".

40 خندقاً (حفرة) أرعبت داعش..."سنصنع تاريخنا الخاص"

عن بداية الفرمان في عام 2014، العم نمر أكد أنهم كانوا متيقظين لما سيتعرضون له من عصابات داعش، وحينها (قبل هجوم داعش) كان العم يعيش في قرية خربي قوالة، شرق تل عزير، بحيث لا تبعد عنها كثيراً لدرجة أن منازل القريتين متجاورة.

أشار إلى أنهم أدركوا خطورة الوضع قبل الهجوم، وقام أهالي القرية بحفر 40 خندقاً (حفرة)، كلاً منها على شكل تتسع لشخصين أو ثلاث على طول واحد من أراضي خربي قوالة، وبحسبه إن هذه الخنادق امتدت من وادي قرية تل عزير حتى وادي يعرف بوادي الكهف، والعمل استمر بحفرها 40 يوماً متواصلة، وقد أزاحوا التراب من على أطرافها بحيث لا تبين أنها حفرت حديثاً.

وقد أشرف على حفرها شخص يدعى (بير قرو) وكان يتفقد الخنادق واحداً تلو الآخر، وقد أعطى التعليمات بأنه عندما تقترب عرباتهم من الخنادق يجب أن يبدأ الهجوم، وقد أشار أنه يجب أن تؤخذ الدبابات أيضاً بالحسبان بحيث إذا قصفت الخنادق فإن الخطة ستفشل.

العم نمر ذكر حواراً قد جرى بينه وبين بير قرو أثناء التحضير للمقاومة.

العم نمر: أنت تعلم أنهم لن يتركوا إيزيدياً منّا حياً، والآخرين المحيطين بنا لن يأتوا لدعمنا فالجميع متمسك بالدولارات المقدمة من البرزاني ولن يأتوا معنا".

بير قرو: فليكن، بالقرب منا يوجد معقل لداعش، نحن أيضاً سنصنع تاريخنا الخاص.

مام كاكا: إذاً، ليبيدونا جميعاً.

وفي ظل تلك الأوضاع وعندما أطلقت بعض الرصاصات في الليل من قبل المرتزقة، أدركوا أن هنالك أشخاصاً يخرجون من باطن الأرض ولم يتجرؤوا الاقتراب من الخنادق.

وفي الصباح أيضاً لم يتمكنوا من الاقتراب لخوفهم من الأشخاص الذين كانوا مخبأين في الخنادق.

ولأنهم لم يتمكنوا من ذاك المكان، توجهت داعش نحو قرية كرزرك والتي تبعد فقط نصف كيلو متر عن تل عزير والتي كان يسكن غالبيتها أفراد من عشيرة قيراني.

العم نمر، قال وفي وأثناء هجوم داعش على القيرانيين لم يتركوا خطوطهم الدفاعية في الخنادق خوفاً من أن يستغل داعش ذلك ويشنوا هجوماً على تل عزير أيضاً، وأكد أنهم رأوا 12 سيارة لداعش مليئة بهم توجهت نحو كر زرك.

وكان قرارهم هو عدم الانسحاب والصمود حتى النهاية أمام داعش، وتابع" كل دقيقة كانت تمر وكأنها ساعة، والساعات تطول ولا تمضي واليوم لا ينتهي، ترقب وفضول حول ما سيحصل، العيون مفتوحة والآذان صاغية".

في ساعة متأخرة من الليل سمع العم والمحيطون به ضجة كبيرة قادمة من تل عزير، الصوت قريب منهم جداً، مرة أخرى يراقبون ما حولهم ولكن لا أحد يظهر بالقرب منهم.

بعد ذلك تشرق الشمس وتنير ما حولهم، يتلقون اتصالاً من شخص ما حيث يقول صاحب الهاتف إن الشخص الذي اتصل بهم قال لهم " تعالوا نحن في قرية جدالة القريبة، الرجال الذين بجانبنا أيضاً ذهبوا".

بحسب ما قال العم فإن "الشهيد إلياس" قد حاول جاهداً إبعادهم من هناك بالسيارات والجرارات، لكنهم لم يذهبوا، في البداية وضعوا الأطفال والنساء في السيارات ونادوا عليهم.

وفقاً للعم نمر فإن حديثاً قد دار بينه وبين الشهيد إلياس:

إلياس: تعال لنذهب.

نمر: لن أذهب.

إلياس: لمَ لا تذهب.

نمر: وربي لن أنزل من هذه التلة حتى لو قتلت هنا.

إلياس: لن نذهب من دونك.

نمر: كيف لكم ألا تذهبوا؟ ستقعون أسرى بيد داعش.

إلياس: نقسم إننا لن نذهب أيضاً.

بحسب ما يقول نمر فقد نهض واتجه نحو السيارة وبعد ذلك ركبوها، لكي ينقذ ما تبقى في السيارات.

 وقال إنه وعد بألا يترك مكانه "لن أترك مكاني حياً قال لي جدي إذا التزمت مكانك سيأتي إليك عشرة رجال وسيخسر تسعة منهم، لا تترك رفاقك أبداً في وقت الضيق".

العم نمر ومن معه خرجوا جميعاً من قرية خربي قوالة وأنقذوا أنفسهم، بعد فترة دخلت داعش القرية ولكن لم يوجد فيها أحد وقد أخليت القرية كاملة بفضل الخنادق التي حفرت، لذا كانت الهزيمة لداعش.

أثناء ذلك وعندما هاجمت داعش على تل عزير لم تقم أي معارك ولكن تم ارتكاب مجزرة كبيرة، وإلى الآن ما تزال تكتشف الكثير من المقابر الجماعية في الكثير من أرجاء تل عزير، آثار الفرمان مازالت حية كما لو أنها كانت البارحة، بعض الشنكاليين كانوا محظوظين وأنقذوا أنفسهم.

 وصل العم نمر ومن معه إلى الجبل بعد ذلك توجهوا عن طريق الممر الإنساني إلى ديرك في روج آفا ولكنه لم يستطع أن يصبر سوى 20 يوماً بعيداً عن شنكال.

في الأيام العشرين التي قضاها في ديرك اشتاق جداً إلى شنكال، وفكر أن حوالي ألف أسرة من عشيرته زرو ما تزال عالقة في الجبل وسوف يلومونه وقرر العودة إليهم وعلى أرضه.

ومع مجموعة من الرجال والشباب تركوا خلفهم 18 خيمة من عائلاتهم في ديرك وتوجهوا إلى شنكال، وصلوا إلى قرية كرسي، القريبة من سردشتي أعلى قمة شنكال، وحينها لم تكن قوات الكريلا قد وصلوا إلى تلك القرية بعد، وهناك أقاموا خيماً لأنفسهم وبقوا فيها.

لولا PKKلما بقي أحد منّا

بلا شك الآمال التي عقدها الإيزيديون على الصداقة التي توقعوها من المحيطين بهم ذهبت أدراج الرياح كلهم اتفقوا ضدهم.

عندما وقع فرمان 3 آب 2014، وقعت مجزرة كبيرة من أنقذ نفسه بقي حياً، من قتل قد قتل، والعديدون قد تاهوا وخرجوا من شنكال ولم يعودوا بعد.

العم نمر عندما يتحدث عن تلك الأيام والألم والحزن يرافقان حديثه، ويقول ولو تأخروا بعد ذلك لما خرج أحد حياً من الفرمان.

في هذا الفرمان كدنا أن نموت كلنا جوعاً وعطشاً، جاءنا الرفاق (في إشارة إلى مقاتلي ومقاتلات الكريلا)، فتحوا الطريق لنا وجلبوا السيارات ونقلونا مجموعات من كرسي إلى روج آفا، وفي الطريق أقاموا أماكن لتوزيع الطعام ومعالجة المرضى والمصابين بعضنا لم يأكل أي شيء منذ يومين، لم نتوقع أن نصل سالمين إلى ديرك".

والآن يقولون لماذا تقفون مع الـ PKK، لكن كيف لنا أن ننكر إنسانيتهم ومعروفهم، هم من أنقذونا من الموت، وإن نكرنا ذلك فنحن لا أصل لنا، قد لا نعلم ما سيحصل في النهاية، لكننا نحن الإيزيديون نقول " الأساس هو الله وما يحدث في النهاية".

يجب أن نوحد صفوفنا

على مرّ التاريخ تعرض الإيزيديون للمئات من الفرمانات (حملات الإبادة الجماعية)، لكن يذكر منها 74 فرماناً فقط.

ما تعرض له المجتمع الإيزيدي خلق انقساماً كبيراً، وكلما زاد الانقسام زاد الألم.

العم نمر أشار إلى أن الانقسام هو السبب الرئيسي خلف أوجاع الإيزيديين، وبيّن " النأي بالنفس يقطع الطريق أمام الحرية ويخلق عدم الاتفاق".

وعندما يتحدث العم عن الانقسام الموجود، فإنه يلفت الانتباه إلى ممارسات البعض لصالح أعداء المجتمع الإيزيدي ويقول: من أجل أن يعيش الإيزيديون حياة مليئة بالمحبة يجب أن يساندوا بعضهم ويوحّدوا صفّهم  ضد كل من يحاول إبادة لغته وثقافته وعقيدته".

(سـ)

ANHA