واشنطن والانسحابات.. التفرغ لموسكو وبكين وإطلاق يد طهران وأنقرة في الشرق الأوسط

يمثل الانسحاب الأميركي من أفغانستان والعراق فعلياً نهاية فصل تاريخي دام عشرين عاماً، من أجل التفرغ للتنين الصيني (اقتصادياً) والدب الروسي (عسكرياً)، ولكنها أطلقت يد طهران وأنقرة لتصبحا القوة المهيمنة سواء في ليبيا أو العراق وسوريا ولبنان وحتى أفغانستان نتيجة سياساتها الخاطئة تجاه شعوب المنطقة.

واشنطن والانسحابات.. التفرغ لموسكو وبكين وإطلاق يد طهران وأنقرة في الشرق الأوسط
الخميس 29 تموز, 2021   21:37
مركز الأخبار - كيفارا شيخ نور

أعلن الرئيس الأميركي جو بايدن أن 31 آب سيكون تاريخ انتهاء انسحاب قوات بلاده من أفغانستان. وقال في كلمة إن واشنطن "حققت أهدافها" في مكافحة التهديد الإرهابي، ولم تذهب إلى أفغانستان "لبناء أمة" بل تلك "مسؤولية" الأفغان، حسب تعبيره، معرباً عن "ثقته في قدرة" الجيش الأفغاني للتصدي لحركة الطالبان التي وسّعت سيطرتها في مجموعة من المناطق.

وكذلك أكد الرئيس الأميركي أن الولايات المتحدة ستنهي مهمتها القتالية في العراق مع حلول نهاية العام الجاري، مع استمرار عدد من قواتها لتولي مهام تدريب الجيش العراقي وإمداده بالاستشارات العسكرية.

وجاء إعلان بايدن بعد محادثات أجراها في البيت الأبيض مع رئيس وزراء العراقي مصطفى الكاظمي هذا الأسبوع. وفي الوقت الحالي، توجد قوات أميركية قوامها 2500 جندي في العراق لمساعدة القوات المحلية في مواجهة ما تبقى من مرتزقة داعش.

ويرجح بقاء عدد القوات الأميركية في العراق كما هو في الفترة المقبلة، لكن هذا الإعلان قد يكون بهدف مساعدة رئيس وزراء العراقي، وفقاً لمراقبين.

الخسائر الأميركية في أفغانستان والعراق

منذ بدء الحرب ضد طالبان عام 2001، تكبدت القوات الأمريكية أكثر من 2300 قتيل، كما أصيب نحو 20660 جندياً بجراح أثناء القتال، وقدر بحث لجامعة براون عام 2019 الخسائر في الأرواح بين الجيش الوطني والشرطة في أفغانستان بأكثر من 64100 عنصر.

أما في العراق، فبلغ عدد قتلى الجيش الأميركي منذ التدخل عام 2003 وحتى آب/أغسطس عام 2010 موعد الانسحاب، 4421 عسكرياً، بالإضافة إلى 32000 مصاب، ومنذ تدخلها عام 2014 لمحاربة داعش ضمن التحالف الدولي، خسرت أميركا 66 عسكرياً، بينما بلغ عدد المصابين 305 شخصاً.

هل حققت أميركا الأهداف التي أعلنتها عند التدخل؟

عندما توجهت أميركا إلى أفغانستان بعد شهر من هجمات الـ 11 من أيلول/ سبتمبر عام 2001 والتي أودت بحياة حوالي 3000 أميركي، قال الرئيس الأميركي جورج بوش الأبن، إن "العمليات العسكرية لها أهداف دقيقة للغاية وهي موجهة لمنع استخدام افغانستان كمحطة أساسية للإرهاب، وتفكيك البنية التحتية العسكرية لنظام طالبان".

والآن، وبعد 20 عاماً، بدأت أميركا بالانسحاب من أفغانستان دون أن تحقق ما جاءت من أجله، فهي لم تستطع القضاء على تنظيم القاعدة، ولم تستطع تفكيك البنية التحتية العسكرية لحركة طالبان التي بدأت بالتقدم والسيطرة على مساحات شاسعة بالتزامن مع الانسحاب الأميركي.

ماذا عن العراق؟

أما عندما تدخلت أميركا في العراق في آذار/ مارس عام 2003. قال الرئيس الأميركي جورج بوش الابن ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير، إن الهدف من التدخل هو "نزع أسلحة الدمار الشامل في العراق ووقف دعم صدام حسين للإرهاب وتحرير الشعب العراقي".

ولكن تبين لاحقاً أن العراق لم يكن يمتلك أسلحة دمار شامل ولم يكن يقدم الدعم للقاعدة، ومع ارتفاع تكلفة الغزو الأميركي للعراق، أعلن الرئيس باراك أوباما في مؤتمر صحفي بالبيت الأبيض في 21 تشرين الأول/أكتوبر 2011 أن القوات الأمريكية المتبقية والمدربين سوف يغادرون العراق في نهاية العام.

ولكن الأمر الذي حصل بعد الانسحاب هو أن تنظيم القاعدة استغل هذا الفراغ، وبدأ بالنشاط مجدداً مستفيداً من ما يسمى ثورات الربيع العربي والدعم التركي والقطري لجماعات الإسلام السياسي، فنتج عن ذلك تشكل تنظيم داعش الذي سرعان ما سيطر على مساحات شاسعة في سوريا والعراق وأعلن ما تسمى "دولة الخلافة" في حزيران عام 2014. ما أجبر الولايات المتحدة العودة مجدداً وهذه المرة باسم التحالف الدولي لمناهضة داعش.

أميركا تترك وراءها خلافات عميقة أحدثتها في المجتمعات المحلية

وفي هذا السياق يقول الصحفي المختص في شؤون الشرق الأوسط، حسن رمو، إن الولايات المتحدة الأميركية عندما تدخلت في العراق وأفغانستان أرادت إيصال رسالة للعالم أجمع بأنها القوة العسكرية الأولى في العالم وتفعل ما تشاء، ولم يكن هدفها يوماً إرساء الديمقراطية أو حل مشاكل شعوب المنطقة أو القضاء على القاعدة وداعش بدلالة أنها انسحبت من أفغانستان وتركت البلاد أمام حرب كارثية جديدة قادمة بعد ثلاثة عقود من حرب كانت تكلفتها باهظة على الشعب الأفغاني بدأت مع التدخل السوفييتي عام 1979 واستمرت مع التدخل الأميركي، كما أنها لم تستطع القضاء على تنظيم القاعدة ولا حركة طالبان.

وأضاف "في العراق أيضاً، خلّفت أميركا وراءها نظاماً قائماً على المحاصصة، أثبت أنه لن يكون قادراً على تحقيق الديمقراطية والاستقرار في البلاد، وخلفت أيضاً صراعاً طائفياً وقومياً بين السنة والشيعة من جهة وبين الكرد والتركمان والعرب من جهة أخرى، وهذا يعني استمرار التناحر والاقتتال الداخلي إلى ما لا نهاية له في ظل وجود طبقة سياسية تركض وراء إرضاء القوى الخارجية خصوصاً تركيا وإيران".

تحديات جديدة وتغيير في الاستراتيجيات

على الرغم من أن الولايات المتحدة وحلفاءها في الناتو لم يحققوا ما كانوا يرغبون به في المنطقة، إلا أنهم بدأوا بالانسحاب لمواجهة "تزايد الخطر الاستراتيجي الصيني الروسي"، وبدأوا بإعادة الانتشار في أجزاء أخرى من العالم للتفرغ لموسكو وبكين.

وبحسب تحليل لمعهد الشرق الأوسط، مُنح حلف الناتو دوراً سياسياً أكبر، وبينما ظل ردع "العدوان" الروسي على الورق هو الهدف الأساسي، وكانت الموارد الفكرية والمادية في الممارسة العملية موجهة بشكل متزايد إلى محاربة الإرهاب (المستوحى من الإسلام المتطرف)، ما تسبب في عملية التحول في العقيدة والمعدات والتدريب، وأبرم شراكات جديدة في المنطقة وواصل الحوار مع موسكو، أي أنه أزاح من استراتيجيته القوة الروسية.

ولكن الأمر الذي سبب صدمة لدى الحلف هو "العدوان الروسي" في جورجيا وشبه جزيرة القرم وشرق أوكرانيا، بالإضافة إلى الهجمات الإلكترونية التي حرض عليها الكرملين. ففي ظل انشغال الغرب في الحروب الخارجية، طورت روسيا آلتها العسكرية (التي بقيت متطورة حتى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي) وكذلك الوسائل غير العسكرية، بدءاً من الابتزاز الاقتصادي إلى المعلومات المضللة، والتي أدت دوراً أكبر بكثير من العسكرة، ولأن الناتو ليس لديه الدراية الكافية حيال هذه الأمور، عوض ذلك بتعزيز تواجده العسكري في دول البلطيق وبولندا.

وبدأ العديد من أعضاء الناتو أيضاً في رؤية الصين ومعاملتها كمنافس له أجندة عالمية قد تتحول إلى استراتيجية، حيث تم التعامل معها لبعض الوقت، كفرصة اقتصادية، لكن المزاج تغير، وهو ما يمكن تفسيره من بيان قمة الناتو الأخير، والذي ركز بما لا يدعو إلى الشك للخطر الصيني بالدرجة الأولى والخطر الروسي بالدرجة الثانية.

ووفقاً لتقييم استراتيجي لوزارة الدفاع الأميركية، تمثل الصين أكبر تهديد للولايات المتحدة، ورفعت رسمياً إلى قمة قائمة أخطر المنافسين.

كما حذر رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة الجنرال مارك ميلي من تنامي القدرات العسكرية الصينية بصورة متواصلة، معتبراً ذلك خطراً يهدد "الاستقرار والسلام العالمي".

وقال ميلي في إفادة له أمام مجلس الشيوخ، إن الصين تزيد من قدرتها العسكرية "بمعدل خطير للغاية ومتواصل".

وفي مواجهة ما اعتبره خطراً، دعا ميلي في إفادته أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ إلى "التأكد من المحافظة على ريادتنا التنافسية والتكنولوجية".

وجاءت تصريحات ميلي بعد أن طلب وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن من وزارة الدفاع (البنتاغون) زيادة التركيز على الصين.

ويذكر أن استراتيجية الدفاع الوطني، التي وضعها البنتاغون عام 2018، حددت الصين منافساً استراتيجياً رئيساً، لكن فريق العمل وجد أنه لم يتم إنجاز الكثير لمواجهة التحديات التي تفرضها بكين.

وانطلاقاً مما سبق، يبدو من المفهوم، إنها بالصعوبة بمكان أن تركز واشنطن وحلفاؤها على الخطر الإرهابي الذي يجتاح المنطقة والخطر والصيني - الروسي في آن واحد.

خيانة للحلفاء وتدمير المقدار الضئيل مما تم تحقيقه

ويعتبر مجتمع الخبراء إن ما تقوم به واشنطن من انسحابات، خيانة لحفائها في المنطقة من جهة وتدمير ما أنجزته ولو كان ضئيلاً من جهة أخرى، وفي هذا السياق يقول كبير الباحثين في معهد نيولاينز الأميركي نيكولاس هيراس في تصريح خاص لوكالتنا "لا تنظر إدارة بايدن إلى سياستها الحالية على أنها سياسة لمغادرة العراق"، فبايدن، بحسب هيراس "يريد تقليل المخاطر التي تتعرض لها قواته في الشرق الأوسط من خلال تغيير كيفية تفاعل القوات الأميركية مع القوات العراقية".

ويقول العالم الفيزيائي ألبرت أينشتاين "الغباء هو فعل نفس الشيء مرتين بالأسلوب نفسه والخطوات نفسها وانتظار نتائج مختلفة".

وكانت الولايات المتحدة قد انسحبت سابقاً من العراق عام 2012، مما سمح لداعش بالسيطرة على سوريا والعراق، واليوم قررت واشنطن الانسحاب من أفغانستان والعراق معاً، ومن المؤكد أن لذلك تداعيات على الشرق الأوسط.

أما الباحث في معهد أمريكان أنتربرايز (AEI) مايكل روبين، فاعتبر الانسحاب الأميركي وذلك خلال تصريح لوكالتنا، "خيانة ليس فقط لحلفائنا (الكرد في سورية) في المنطقة، بل سيخلق فراغاً ستملأه (الميليشيات) المرتبطة بإيران وتركيا. قد تعتقد الولايات المتحدة أن خيار الانسحاب هو خيارنا، لكن في المنطقة، تعتقد الدول أن هذا علامة على الضعف وسيؤدي ذلك إلى زيادة العنف".

وأشار هيراس إلى أنه "لا توجد تغييرات متوقعة في سياسة الولايات المتحدة تجاه سوريا، خاصة وأن الولايات المتحدة تعتزم الاحتفاظ بقاعدتها في أربيل".

قوى إقليمية ودولية تتحين الفرصة لملء الفراغ

ومع إعلان الولايات المتحدة الانسحاب من المنطقة، بدأت العديد من القوى الإقليمية والدولية التحضير لملء الفراغ الذي سيتركه هذا الانسحاب، وفي مقدمتها روسيا وإيران وتركيا وباكستان.

وعن تبعات الانسحاب الأميركي ومدى استفادة كل من طهران وأنقرة من ذلك قال هيراس "الوجود العسكري الأميركي في العراق ليس كبيراً بما يكفي لتغيير السياسة الإيرانية أو التركية في الشرق الأوسط، على الأقل في العراق. ستستمر كل من إيران وتركيا في محاولة توسيع نفوذهما في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وسيكون العراق وسوريا مواقع أساسية لجهودهما".

ويقول مجمع الخبراء أن يد طهران وحتى تركيا أصبحت المهيمنة في المنطقة، سواء في ليبيا أو العراق أو سوريا ولبنان وحتى أفغانستان، ولذلك للانسحاب الأميركي تبعات سلبية وستؤدي إلى تنامي النفوذين الإيراني والتركي في المنطقة.

وفي هذا السياق، أوضح روبين أن "الناس يتبعون أميركا بقلبهم ولكن إيران وتركيا بأدمغتهم. في جميع أنحاء المنطقة، علّمت أميركا حلفاءها أنه لا يمكن الوثوق بالولايات المتحدة، بينما أوضحت إيران وتركيا أن أي شخص يتجاوزهما سيُقتل. سيزداد النفوذ الإيراني والتركي بشكل كبير في المنطقة".

ماذا عن روسيا والصين؟

وبالنسبة للخطر الصيني – الروسي يرى هيراس أن "للصين وروسيا استراتيجيات لتوسيع نفوذهما في الشرق الأوسط، مع تركيز الصين بشكل أكبر على النفوذ الاقتصادي وروسيا على تأمين قاعدة دائمة لقواتها العسكرية الاستكشافية".

وأضاف "ستحتفظ الولايات المتحدة بعشرات الآلاف من القوات العسكرية في الخليج، وهو واقع يقيد النفوذ الصيني والروسي في المنطقة، وستواصل الولايات المتحدة دورها كقوة قوية في الشرق الأوسط".

فيما يعتقد روبين أن "تأثير روسيا أكثر بكثير من الصين، وعلى سبيل المثال، قدرة الصين على العمل في أفغانستان محدودة وإن فازت بعقود هناك، كما أنه ليس من الواضح أن اتفاقهم الأخير مع إيران سينتقل من الورق إلى الواقع، ومع ذلك، فإن روسيا مهتمة للغاية بسوريا والعراق ومن المرجح أن تخطو خطوات كبيرة في تعزيز نفوذها هناك".

ومن كل بد سيكون لهذا الانسحاب مخاطر على الأمن القومي للولايات المتحدة، فبايدن، بحسب روبين "رجل خرف من الناحية الاستراتيجية، ولا يستطيع أن يتذكر ما حصل يوم أمس، ناهيك عن ما جرى منذ 20 عاماً، ويبدو أنه عازم على تكرار الأخطاء التي حصلت ما قبل 11 سبتمبر 2001".

وتشير الأحداث إلى أنه بالإضافة إلى عدم إلحاق الهزيمة بداعش من قبل واشنطن، فقد ظهرت تشكيلات متطرقة "سنية" محسوبة على تركيا و"شيعية" محسوبة على إيران، وذلك على حساب القوى المعتدلة في المنطقة، الأمر الذي يجعل من الصعوبة بمكان إعادة ثقة تلك القوى في الولايات المتحدة.

(ح)

ANHA