روج آفا الثورة التي لم تتدوّل رغم كل محاولات استدراجها

إذا كان القرن العشرين قرن الثورات ضد الأنظمة الحاكمة، فإن القرن الحادي والعشرين اتسم بتصفية معظم الحركات الثورية من قبل النظام المهيمن. وكما لقاعدة استثناء، فإن ثورة روج آفا كانت استثناء وتمكنت من الصمود بالرغم من كل هجمات التصفية التي تعرضت لها. كما للهزيمة عواملها، فإن النصر والصمود له أيضاً عوامله، إذاً ما الفوارق الأساسية بين ثورة روج آفا والثورات الأخرى؟

روج آفا الثورة التي لم تتدوّل رغم كل محاولات استدراجها
الأحد 18 تموز, 2021   21:41
مركز الأخبار – مصطفى علو

شهد القرن العشرين الكثير من الثورات ضد النظام الرأسمالي المهيمن. في إسبانيا وكولومبيا وسريلانكا وفي روسيا، برزت الكثير من الحركات المناهضة للنظام المهيمن إلا أنها لم تتمكن من الوقوف على قدميها.

تلك الثورات والحركات لم تبخل بالتضحيات وقدمت الملايين من الشهداء في سبيل تحقيق  طموحها في الحرية والتحرر من عبودية النظام المهيمن، ولكن بالرغم من ذلك انتهت دون الوصول إلى ما طمحت إليه.

بداية من روسيا التي انطلقت منها ثورة أكتوبر عام 1917 أواخر الحرب العالمية الأولى (1914- 1918)، لم تنجح مساعي البلاشفة في الوصول إلى نظام اشتراكي، وانهار الاتحاد السوفيتي عام 1991 نتيجة عوامل داخلية حفرت في قعر الثورة إضافة إلى هجمات النظام الرأسمالي من الخارج.

وفي اسبانيا لم تتمكن حركة إيتا من تحقيق أهدافها. الحركة التي انطلقت منذ ستينيات القرن الفائت ضد نظام الجنرال فرانكو، أعلنت عام 2011 هدنة دائمة مع الحكومة المركزية في إسبانيا وفي عام 2018 حلت نفسها وسلمت سلاحها.

وفي سريلانكا تمكن النظام القائم من ابتلاع حركة نمور التاميل وتصفية قائدها في عام 2009.

في عام 2016 تصالحت حركة فارك الكولومبية مع الحكومة مقابل مقاعد برلمانية والحق في تشكيل حزب سياسي.

في كردستان أيضاً، لم تتمكن الانتفاضات التي بدأت مع منتصف القرن الـ 19 ضد الامبراطورية العثمانية من الصمود طويلاً وكانت النهايات الدموية وإعدام قادتها السمة البارزة لها كما حدث مع سيد رضا والشيخ سعيد بيران.

هكذا أسدل الستار على فصل طويل من الصراع بين الحركات الثورية والأنظمة الحاكمة، إما عبر دمج تلك الحركات في النظام أو عبر تصفيتها عسكرياً وفكريا.

بالمقابل تمكنت روج آفا التي أعلنت عن ثورتها في الـ 19 من تموز عام 2012 من الثبات وانتهجت الخط الثالث وأبقت نفسها بعيدة عن الصراع على السلطة، وحافظت على المسافة بينها وبين السلطة على مدار تسعة أعوام من عمرها.

إذاً، كيف تمكنت ثورة روج آفا من الصمود بالرغم من الهجمات التي تعرضت لها بداية من احتلال عفرين عام 2018 وبعدها بعام واحد احتلال سري كانيه وتل أبيض، إلى جانب الهجمات الداخلية عبر خلايا حكومة دمشق وحملات التشويه التي سيّرها المجلس الوطني الكردي الموالي للحزب الديمقراطي الكردستاني ضد الإدارة الذاتية؟.

كيف صمدت الثورة والإدارة الذاتية التي لا يعترف بها المجتمع الدولي وجرى محاصرتها منذ اليوم الأول وأغلقت دولة الاحتلال التركي جميع المعابر معها وكذلك فعلت دمشق والحزب الديمقراطي الكردستاني؟. كما جرت الكثير من المحاولات لاستدراجها إلى فخ السلطة والتدول وتحريفها عن مسارها وإلحاقها بالنظام القائم.

لا بد أن هناك ما يميز ثورة روج آفا عن بقية الثورات، ولكن ذلك لا يعني أن الثورة قد تجاوزت مرحلة الخطر ووصلت إلى بر الأمان.

'هناك فارق كبير بين الدولة والإدارة الذاتية'

يقول نائب الرئاسة المشتركة للمجلس التنفيذي للإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، حسن كوجر " هناك فارق كبير بين الدولة والإدارة الذاتية إذا كان موضوع الحديث عن الثورات. الثورات في القرن العشرين غالبيتها طمحت إلى تأسيس الدولة والسلطة وهذا سبب رئيس لعدم حل قضايا المجتمع في الحرية والاقتصادي والمجاعة والقتل والضرب  والمجازر".

وربط كوجر فشل الثورات في تحقيق أهدافها بتوجهها نحو السلطة والتدوّل الأمر الذي اعتبره انحرافاً أساسياً عن جوهر الثورة " وجرى اتباع هذا الأسلوب كثيراً والكثير من الثورات ظهرت في القرن العشرين على أساس على تطور المجتمع وحريته، ولكن ابتعدت عن هدفها لأن تلك الثورات هدفت إلى إقامة دولة وسلطة ولم تتحرك تلك الثورات وفق أهدافها ووقعت في أخطاء جدية وتحولت إلى دول وأسست أنظمة ديكتاتورية أسوأ من النظام الرأسمالي والأنظمة الدولتية".

'لم تحلل الدولة والسلطة بشكل جدي مثل الاشتراكية المشيّدة'

 ويضيف كوجر "لهذا نقول الإنسان الديمقراطي إذا اتخذ مكانه في الدولة فإنه سينحرف عن مساره ولا يمكن أن يعيش الديمقراطية على الدوام لأن النظام الدولتي سيحدث التشويه في عقله وفكره. لذا الثورات التي ظهرت في البداية من أجل حرية المجتمع وأخيرا اتجهت نحو التدول لم تخدم المجتمع بل أصبحت سلطة فوق المجتمع وحرفوا المجتمع عن مساره وخلقوا أمراض حقيقية في المجتمع وطبقوا سلطة مكثفة على المجتمع. السبب الرئيس أن نظرية الثورة وأيديولجيتها حملت بداخلها فراغات كبيرة. لم تحلل الدولة والسلطة بشكل جدي مثل الاشتراكية المشيّدة التي تطورت في روسيا التي تعيش انحرافاً جدياً حاليا. اعتقدوا أنهم سيصلون إلى الديمقراطية والاشتراكية عبر الدولة والسلطة لكن تحولوا إلى دولة ديكتاتورية ودعموا الدول الديكتاتورية كما تعيش روسيا. مثلا روسيا قدمت 30 مليون شهيد حتى الآن لكنها لم تتمكن من بناء نظام ديمقراطي ودولة مؤسسات وحتى الآن تسير الديكتاتورية في روسيا".

'ثورة روج آفا تقوم على نظرية جديدة ونموذج جديد'

أما فيما يتعلق بثورة روج آفا، يقول كوجر " ثورة روج آفا تقوم على نظرية جديدة ونموذج جديد. ثورات القرن العشرين كانت تستند إلى مبدأ تغيير السلطة القائمة والجلوس مكانها في السلطة، أما ثورة روج آفا ليست كذلك، المفهوم الفلسفي لثورة روج  آفا لا يقوم على القضاء على الدولة القائمة وإقامة دولة جديدة مكانها بل تعتمد على بناء مجتمع أخلاقي وسياسي ومجتمع ديمقراطي. نحن بحاجة إلى مجتمع جديد. في حال دمقرطة المجتمع سيتأسس النظام الديمقراطي من تلقاء نفسه، لذلك لم نمش على خطى الثورات القديمة بل اخترنا نظرية جديدة ونموذج جديد للثورة، ثورات القرن الحادي والعشرين بطابعها بالمقارنة مع الثورات العلمية تروم إلى تغيير طابع الثورة وأهدافها واستراتيجيتها ونحن طورنا نظرية الثورة الجديدة بالاستناد إلى ذلك".

الخط الثالث

 ويشرح كوجر معنى الخط الثالث في ثورة روج آفا "في بداية ثورة الـ 19 من تموز اخترنا الخط الثالث وهذا يعني التخلص من ذهنية الدولة والسلطة. الخط الثالث هو المجتمع الديمقراطي. لم نختر الوقوف بجانب النظام والمعارضة والسبب أن كلاهما يقومان على ذهنية سلطوية".

ويضيف "ثورة 19 تموز تعتمد على المجتمع الديمقراطي الذي نسميه بالخط الثالث، الأيديولوجية التي ترتكز عليها ثورة روج آفا هي الأمة الديمقراطية. الأمة الديمقراطية لا تعني القضاء على دولة وإقامة دولة أخرى بل بناء مجتمع أخلاقي وسياسي وديمقراطي. على المجتمع أن يمتلك القوة ويكون صاحب إرادة ومنظم. لذا ثورة 19 تموز ثورة مهمة ونموذج جديد في الشرق الأوسط والعالم، حتى أوروبا لماذا تعتمد على المجتمع المدني لأن الدولة تتضخم وتتضخم معها المشاكل فكان لا بد من تحجيم الدولة وسلطتها لذا تقدم المجتمع وأسموه الساحة الثالثة. تضخم الدولة بات مشكلة في أوروبا لذا قلصت مساحة سلطة الدولة. لذا اعتمدوا على نظام فيدرالي مثل الاتحاد الأوروبي. هذا يعني أن العالم بات يدرك أيضاً أن الثورة العلمية لم تعد تقبل نظام الدول السلطوية . المستجدات في الشرق الأوسط توضح أن الدول القوموية في الشرق الأوسط هي دول منتهية الصلاحية ويجب تغيير النظام القائم وعلى المجتمع بناء نظامه وقوته وهذا الفرق بين الدولة والإدارة الذاتية".

إشراك الشعب في صنع القرار و حرية المرأة صماما الأمان بالنسبة لثورة روج آفا

وعن سبل ضمان بقاء ثورة روج آفا على نهجها يحدد حسن كوجر عدة شروط " نظريتنا التي نعتمد عليها لضمان حماية ثورة روج آفا أولا هي حركة تحرر المرأة. لأن تحرر المرأة لم يكن مدرجاً في برنامج أية ثورة. للمرة الأولى ثورة روج آفا  اعتمدت على حرية المرأة كأساس. حرية المرأة وأيديولوجية تحرر المرأة وعلم المرأة (جنولوجي)، هذه كلها ضمانات لمنع انحدار ثورة روج آفا نحو التدوّل، هذا من جانب".

ويضيف "ثانياً، إشراك المجتمع في الإدارة واتخاذ القرار من الكومين إلى المجلس وحتى الإدارة الذاتية وتحقيق الاقتصاد المجتمعي هذه أيضاً ضمانات لعدم التحول إلى الدولة".

ولكن كوجر حذر من أن بقاء هذه المبادئ نظرية دون تطبيقها على أرض الواقع سينم عن مخاطر كثير " بالطبع عدم تطبيق ذلك له مخاطر إذا لم نطبق ذلك على الأرض ولم نؤسسها سنقع في أخطاء كبيرة. ربما يكون هناك أشخاص ضمن الإدارة الذاتية لديهم نواقص متعودون على السلطة ونظام الدولة، ولكن استراتيجية وتدابير الإدارة الذاتية هي حرية المرأة وثانياً هي الكومين والمجلس والمؤسسات والإدارة الذاتية والمجتمع الديمقراطي والبيئي وهذه ستمنع الإدارة الذاتية من التحول إلى الدولة".

'في شمال سوريا انتصرت ثورة روج آفا'

ويحذر الكاتب الصحفي خليل جمال من أن عدم الاستعداد لمرحلة الفوضى سيتيح الفرصة للقوى المهيمنة للاستفادة منها ويقول "كل فوضى تخلق معها فرصة للثورة. المهم هو أن تكون مؤسسات الذهنية المنظمة في موقع يتيح لها قيادة المرحلة بالاستفادة من الفرص التي تخلقها مراحل الفوضى. على تلك المؤسسات أن تضبط وتيرتها وأسلوبها وفق هذا الهدف، وإلا فإن قوى الحضارة الدولتية، مسببة الفوضى، لديها الإمكانات للاستفادة من الوضع القائم. المستفيد الأول من الحرب العالمية الثالثة هي الشركات الكبرى لتصنيع السلاح والقوى العالمية"، مضيفاً " ولكن في شمال سوريا انتصرت ثورة روج آفا أيضاً. في كوباني هزمت أوهام الدولة التركية الفاشية في إعادة بعث الامبراطورية العثمانية. رأينا أن الوقت حان ليس فقط من أجل الكرد، بل من أجل الشعوب جميعها. هذا وسّع نطاق ثورة روج آفا. ثلث سوريا مثلت خط حرية الشعوب تحت اسم شمال وشرق سوريا. وهذا يشبه ثورة الروس التي تجاوزت الهوية العرقية وأصبح اسمها اتحاد الجمهوريات الاشتراكية (الاتحاد السوفيتي)".

ويؤكد الكاتب أن براديغما القائد عبد الله أوجلان التي قدمت شرحاً جديداً للثورة كان العامل المحدد في عدم انزلاق ثورة روج آفا نحو السلطة والدولة "بهذه الخصائص، تحولت ثورة شمال وشرق سوريا إلى مركز للمقاومة في مواجهة الحداثة الرأسمالية، والتأثيرات الإيديولوجية للاشتراكية المشيّدة. ديكتاتورية البروليتاريا التي تستقي عقيدتها من البراديغما الدولتية – السلطوية، والدولة الاشتراكية التي كبرت على أساس الدولة القومية، وعلى أساس براديغما القائد عبد الله أوجلان قدمت شرحاً جديداً للثورة. من جهة أخرى، وضعت ثورة شمال وشرق سوريا تحرير الإيديولوجية الاشتراكية من تأثيرات الليبرالية، في محور أهدافها. بتلك الخصائص، فتحت ثورة شمال وشرق سوريا آفاقاً جديدة للشعب في الحرب والثورة والحرية".

ويختتم "اليوم، بتلك الخصائص، تحاول ثورتنا خلق عالم حر على أسس التشاركية الحرة للنساء والرجال ومع جميع الشعوب، وبخاصة العرب والكرد والسريان. اليوم، يتبنى الشعب القائد أكثر من أي وقت مضى وبريادة قادتهم المضحين في شمال وشرق سوريا يتوجهون نحو مستقبل سيكون إلهاماً للبشرية في مجابهة الاحتلال والفاشية".

ANHA