الإدارة الذاتية.. الامتيازات والعوائق

نظام الإدارة الذاتية الديمقراطية بوصفه التطبيق العملي لذهنية الحداثة الديمقراطية، يفتح سبيلاً جديداً أمام الإنسانية للتخلص من أزمات الحداثة الرأسمالية.

الإدارة الذاتية.. الامتيازات والعوائق
السبت 17 تموز, 2021   21:33
مركز الأخبار – جيهان بلكين

نظام الإدارة الذاتية الذي بدأ أولى خطواته في 19 تموز عام 2012 في كوباني، تعرض خلال مسيرته لاعتداءات متواصلة من جانب القوى العالمية والإقليمية. ويعتبر النظام الأول من نوعه على مستوى العالم لجهة التطورات التي حققها بالاعتماد على ريادة النساء والشباب. وأعلن بشكل رسمي عن نظام الإدارة الذاتية في 21 كانون الثاني عام 2012 في مقاطعة الجزيرة. وفيما بعد تم الإعلان عن تأسيس الإدارة الذاتية في كل من مقاطعتي كوباني وعفرين.

القرن الحادي والعشرون قرن الإدارة الذاتية

أطلق القائد عبدالله أوجلان أفكاره حول نظام الإدارة الذاتية منذ عام 1994، وفي السنوات اللاحقة كثف القائد عبدالله أوجلان دراسته حول سبل الحل، وتبلورت هذه الأفكار وصولاً إلى بدايات عام 2000، حيث أشار خلال هذه الفترة وعلى الدوام إلى نظام الإدارة الذاتية. لأن نظام الإدارة الذاتية هو  نموذج حل ديمقراطي حر، تضمن التقدم والتطور على الصعد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية.

يقول القائد عبدالله أوجلان حول الموضوع: "إذا كانت الأمة الديمقراطية هي الروح، فإن الإدارة الذاتية هي الجسد. الإدارة الذاتية هي لحم ودم الأمة الديمقراطية".

تاريخ الإدارة الذاتية

الكاتب والخبير الاقتصادي أحمد بلدا تحدث عن تاريخ الإدارة الذاتية وقال: "يعود تاريخ ظهور الإدارة الذاتية إلى بداية الحضارة. وهي ليست أمراً تم إنتاجه من قبل الرأسمالية أو الحداثوية. وعلى سبيل المثال؛ في عهد الحضارة السومرية كانت هناك دول السيتات. وفي كل سيتة إدارة مستقلة. وبعدها بفترة وعندما تحولوا إلى قوة تم تشكيل الدولة. وفي الحقيقة إن كل واحدة منها هل دولة مدينة وكيان مستقل. وقد نجحوا في حماية خصوصيتهم وأصالتهم الاقتصادية والاجتماعية وعلى كل الصعد. ورغم التطورات التي حدثت فيما بعد مع ظهور الدول والامبراطوريات، إلا أن هذا النموذج ظل قائماً حتى فترات متقدمة".

الاستعمار الثقافي

ونوه بلدا إلى أن نظام الأمة الواحدة، سيؤثر سلباً و بشكل طبيعي على باقي الكيانات، وأضاف في ذلك: "ظهرت الرأسمالية بشكل خاص على مبدأ الاستغلال داخل الدولة، من أجل تحقيق المزيد من المنفعة المادية ووضع اللبنات الأولى للصناعة. ولكن في الوقت نفسه عززت من سياسات الاستعمار الثقافي. هذه المرحلة بدأت في أوروبا، وفيما بعد نشأت الدول المستقلة. وظهرت الدول الجديدة بشكل خاص بعد الانفصال بين أمريكا وكندا، وفقدان بريطانيا لمستعمراتها وإعلان استقلال الهند. وبهذا الشكل ظهرت آلية الدولة القومية، وهي إما عمدت إلى تصدع في التكوين الاثني، أو حافظت على نظام الدولة من خلال الإقرار ببعض الإدارات الذاتية".

الإدارة الذاتية في النظام الرأسمالي

وأضاف أحمد بلدا: "لا تقترن الإدارة الذاتية دائماً مع الديمقراطية. في عهد الدولة العثمانية ارتكبت أكبر المجازر في العصر الحديث، مثل المجازر التي ارتكبت ضد الأمن واليونان والشركس، وفيما بعد ضد الكرد، بالإضافة إلى عمليات التهجير والصهر المتواصلة. إلا أن هذه كلها فشلت".

فمثلاً هناك بعض الدول الخاضعة للنظام الملكي تتمتع باستقلالها الاقتصادي والإداري واستقلال الإرادة السياسية، أو مثلاً في دولة مثل ألمانيا التي هي قومية واحدة توجد 16 إيالة لكل واحدة منها اقتصادها وقوانينها.

هذا هو نموذج الإدارة الذاتية داخل النظام الرأسمالي. في الاتحاد السوفيتي ظهر نظام مختلف. ولأن السوفييت عمدوا إلى تأسيس هيكلية بيروقراطية، لم يتمكنوا من التجاوب مع المطالب الإنسانية. في الحقيقة إن الدساتير الموجودة في العراق والهند هي دساتير ديمقراطية، وإدارات ذاتية، ولكن لا يمكننا القول إن هذا النظام الفدرالي يعني الديمقراطية. لا يمكن أن نسمي الحكم الذاتي دائماً بأنه نظام ديمقراطي."

ونوه بلدا إلى أن الدولة الرأسمالية يمكنها أن تنجح وتنتصر فقط من خلال الهيكلية الاستعمارية فقط، وأضاف :"على سبيل المثال يوجد نظام المقاطعات في سويسرا، والتي يتم أحياناً مقارنتها بالنظام القائم في روج آفا. النظام الرأسمالي وكذلك النظام الاشتراكي، بصفتهما من إنتاج المجتمع الصناعي، يمكن أن يجلبا العديد من المشاكل. الاتحاد السوفيتي كان عبارة عن هيكلية بيروقراطية، والاقتصاد المخطط والمركزي والهيكلية التي نجمت عنه ألغت إرادة الإنسان".

’روج آفا ضربة للبيروقراطية‘

ونوه بلدا إلى أن نموذج الإدارة الذاتية في روج آفا وضع اللبنات الأساسية لبناء المجتمع المنظم، حيث تكون المجتمعات خلال فترات الحروب مجتمعات مرنة، وتتخلى عن الامتيازات الخاصة وتتجه نحو التكاتف. فيما تظهر التوجهات المتشددة والرغبة في الحصول على الامتيازات في حالات الاستقرار، وأضاف أيضاً: "وبالمقارنة بين كل ما ورد، فإن في روج آفا عدداً من الآليات الأصيلة والخاصة والمختلفة. برأيي إن الخاصية الأهم لتجربة روج آفا هي أنها تقلل من الهيكلية البيروقراطية، وتزيل هذه الهيكلية منذ المراحل الأولى. ولكن ما أخشاه هو خطر العودة باتجاه البيروقراطية. هناك أمثلة نضالية عديدة في تاريخ العالم، ولكن القوى التي تسيطر على السلطة تجلب معها أدواتها البيروقراطية. في روج آفا وللمرة الأولى يتم مناقشة موضوع البيروقراطية، وتم توجيه ضربة للبيروقراطية إلى حد ما، ونظام حركة المجتمع الديمقراطي مثال على ذلك. إن تطوير وتقدم هذه الآلية سيكون بمثابة نصر كبير في روج آفا".

وقارن بلدا بين نموذج الإدارة الذاتية في مناطق شمال وشرق سوريا والنماذج المتبعة في باقي الحكومات، وقال حول ذلك: "جنوب كردستان حقق حقوقاً ومكاسب مهمة على مستوى الفدرالية، ولكن لا يمكن لأحد الحديث عن وجود الديمقراطية هناك. هناك نظام استبدادي تتم إدارته من المركز. بريطانيا تعتبر خليطاً من نظام إدارات قومية متعددة. وهي من أكثر دول العالم تقدماً في هذا المجال. وكذلك الأمر في سويسرا مثلاً، إلا أننا لا نستطيع القول بوجود الديمقراطية المطلقة هناك. ولكن الآلية المتبعة في روج آفا تفتح أمامنا طريقاً جديدة".

مشاكل مناطق الإدارة الذاتية

وتحدث بلدا عن بعض المناطق التي تطبق نظام الإدارة الذاتية والمشاكل التي تعاني منها: "يمكن أن يؤدي ذلك إلى ظهور نظام ليبرالي برجوازي. ففي جنوب كردستان نرى أن هذا النظام لم يحقق شيئاً للمجتمع، كما لم يتم حل العديد من المشاكل في كل من سويسرا وبريطانيا. فعلى سبيل المثال، لِمَ تلجأ سكوتلاند المستقلة على الدوام إلى استفتاءات الاستقلال؟ لماذا حدثت المواجهة بين كاتلونيا ودولة إسبانيا؟ لذلك نقول هناك مشاكل. ونحن نشهد مثل هذه المشاكل في العديد من مناطق العالم. أو مثلاً لماذا تتدخل روسيا الآن في أوكرانيا، فبسبب انعدام تجسيد الثقافة الديمقراطية خلال زمن الاتحاد السوفياتي، تظهر مثل هذه المشاكل حتى يومنا هذا. وفي الصين أيضاً توجد مناطق إدارة ذاتية، فيما يتدخل النظام المركزي في الصين بشؤونها، ويسعى إلى صهرها، كما يقتل التنوع، وينتج مجتمعاً قائماً على الكدح الرخيص وذا توجه واحد، وعندما تحقق أية مجموعة اجتماعية انتصاراً يقال إن الصين انتصرت".

’يجب العمل على رعاية البذور التي تم غرسها بشكل جيد‘

ونوه بلدا أيضاً أن الإدارة الذاتية لا تتحقق بمجرد الإعلان عنها، بل إن من الأهمية بمكان مأسستها، وإنه من الضروري العمل على رعاية البذور التي تم غرسها في روج آفا بشكل جيد. وأضاف أيضاً: "هل تعتمدون في بناء المؤسسات على الآليات المدنية الاجتماعية، أم أنكم تعتمدون فقط على النخبة؟ إذا كنتم تعتمدون على النخبة فلن تتمكنوا من تحقيق الاستقلال والديمقراطية الحقيقية. وإذا حصل ذلك، فإن نظام الرئاسة المشتركة، ومشاركة النساء والشباب وغيرها من الأمور، ستصبح مجرد آليات شكلية. ما لم تتمكن مؤسسة الإدارة الذاتية من بناء الفرد الحر، فإن هذا النموذج لن يتمكن من حل مشاكل الإنسانية. ولهذا السبب قال السيد أوجلان ببناء الفرد الحر على أسس الإدارة الذاتية الديمقراطية، واعتمد بشكل أساسي على تحرير المرأة. والشباب أيضاً هم طليعة هذا النضال. الإدارة الذاتية التي تستطيع فتح المجال أمام هذه المحركات والفعاليات، هي إدارة متماسكة. وقد تم نثر هذه البذور في روج آفا، ويجب توسيع وتصعيد النضال من أجل رعايتها وإنمائها وتحسينها".

(ك)

<iframe width="560" height="315" src="https://www.youtube.com/embed/X9lMBHp8Hqo" title="YouTube video player" frameborder="0" allow="accelerometer; autoplay; clipboard-write; encrypted-media; gyroscope; picture-in-picture" allowfullscreen></iframe>