تفجير مرفأ بيروت.. "لاءات" بيطار في وجه الحصانة

يبدو أن المحق العدلي في جريمة تفجير مرفأ بيروت طارق بيطار غير مستعد للتهاون في عمله. فالرجل يمضي بكل حزم تحت سقف القانون، رافضاً كل ما يجب رفضه للحفاظ على سرية التحقيقات اللازمة.

تفجير مرفأ بيروت.. "لاءات" بيطار في وجه الحصانة
الخميس 15 تموز, 2021   01:34
بيروت – زياد أبو غزالة

فيما يضغط مجلس النواب باتجاه الحصول على مستندات إضافية تتعلق بالوزراء المدّعى عليهم في ملف تفجير المرفأ لرفع الحصانة عنهم واستجوابهم، يبلغ بيطار هيئة مكتب مجلس النواب رفضه تزويدها بأي مستندات إضافية تتعلق بوزراء سابقين وهم وزير الداخلية نهاد المشنوق، ووزير الأشغال غازي زعيتر، ووزير المالية علي حسن خليل، تتيح تقديم الاتهام وطلب رفع الحصانة عنهم إلى الهيئة العامة، وذلك بعد إنهائه مرحلة الاستماع إلى الشهود.

وأفادت مصادر قضائية بأن بيطار أكد في كتاب وجّهه الى الهيئة أنه لا يجد نفسه ملزماً بتقديم أي مستندات إضافية تخص النواب الثلاثة، معلّلا ذلك بأن أي معلومة إضافية يقدمها تمسّ سرية التحقيق، موضحاً في الوقت نفسه أنه أرسل إلى المجلس المعطيات الكافية التي ولّدت لديه الشبهة بشأنهم، واستوجبت الادّعاء عليهم.

وفيما يخص مروحة الاتهام، أكّدت مصادر مطلعة على ملف تفجير مرفأ بيروت أن القاضي بيطار منكبّ على التحقيق، وينتظر إشارات معينة يبني عليها خطواته اللاحقة، مشددة على ألا مانع أمام بيطار من توسيع لائحة المدعى عليهم، وقد يعمد إلى الادعاء على أسماء جديدة، وكل شيء رهن مسار التحقيق ونتائجه.

وتتوالى هذه المستجدات في ظل التوتر السائد جراء استدعاء بيطار لكل من رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب ومدير عام الأمن العام اللواء عباس إبراهيم ومدير عام أمن الدولة أنطوان صليبا للتحقيق، كمدعى عليهم في هذه القضية. ولعل استدعاء إبراهيم يكون الأكثر جدلاً بين هؤلاء، فالرجل المقرب من رئيس مجلس النواب نبيه بري، كانت قد أظهرت التحقيقات ضلوعه في قضية تخزين نيترات الأمونيوم في المرفأ، واحتجاز حمولة 2750 على متن باخرة روسوس في العنبر رقم 12 منذ العام 2014 إلى لحظة وقوع الانفجار في السَّادس من آب الماضي. لكن هذه الحقيقة لم تمنع وزير الداخلية محمد فهمي من رفض طلب المحقق العدلي بمنح إذن للتحقيق مع إبراهيم.

هل تصمد التَّحقيقات أمام زوبعة الحصانة؟

يأتي المحقق العدلي طارق بيطار ليرفع الغطاء عن الهرم السياسي في لبنان، ليساوي وتحت مظلة القانون بين رأس الهرم والقاعدة، في سبيل استحقاقات أخلاقية ووطنية يجب أن تؤدى للقاعدة الشعبية الأوسع التي بذلت ثمن النيترات بالإجبار من دماء أبنائها.

بهذا المسار من الملاحقات القانونيّة، يستثني القاضي السّلف الامتيازات السياسية ويحاول تحييدها عن مجرى التحقيقات في جريمة المرفأ، والكلمة الفصل للقضاء بإقرار شعبي يعطي الضوء الأخضر بتعقب كلّ ذي شبهة.

وبحصانة شعبية ودعم خارجي، يواصل القاضي بيطار حملته المدروسة، مؤكّداً استحالة تنحّيه تحت أيّ ظرف لأنه كما يقول: "بتتخن كتير ساعتها وما حدن بيقدر يحملها".

ويرجح محلّلون أنّ ما من شيء سيعيق القاضي الجريء عن الاستمرار في النّسق الّذي رسمه لنفسه، وذلك جراء التّكتيك المهنيّ القائم على عنصر المفاجأة. فما بين القاضيين صقر وبيطار فرق شاسع لخّصه أسلوب الأخير في استغلال الثغرات الَّتي وقع بها سلفه، ومن ثمَّ مفاجأة المسؤولين في قطاعات الأمن والسّياسة، والقضاء والإدارة، لتتصدّر القائمة قيادات الصفّ الأول، وتكرُّ السّبحة دون استثناءات لأحد في الصّفوف الأخرى.

ويهدف بيطار من وراء ذلك إلى تحديد إطار واضح للمشهد المبهم حتى اللحظة، بما يسهم في إعادة تكوين صورة كاملة تجيب عن الأسئلة الكثيرة المتعلّقة بصاحب المواد المتفجّرة في جريمة المرفأ، ولصالح من استقدمت، وذلك طبعاً في ظلّ تحديات كبيرة تفرض نفسها في طريق المحقق العدلي، وتسأل عن مصير وعودة لأهالي الشّهداء بكشف الحقيقة.

أهالي الضحايا: التّصعيد مقابل معضلة الحصانة

أصبح أهالي ضحايا جريمة تفجير مرفأ بيروت على صفيح ساخن، ربَّما يقلب الجمر تحت المسؤولين اللّبنانيّين الَّذين لا يزيدون على المماطلة والمراوغة فوق جثث أكثر من مئتي ضحيَّة، لم يحاكم بعد المسؤول عنها.

"وجعنا كبير"، تقول إحدى الوالدات، حاملة صورة ابنها وزوجته. الفراق صعب، والأصعب المساعي لعدم كشف الحقيقة التي تنطلق من أجلها مسيرة سيارة تشمل مجلس النواب ووزارة الداخلية، بالإضافة إلى نقطة ثالثة لم يتمّ الإفصاح عنها، وصفها الأهالي بـ"المفاجأة".

وبالتَّوازي مع رفض وزير الدَّاخليَّة في حكومة تصريف الأعمال محمد فهمي، إعطاء الإذن بملاحقة مدير عام الأمن العام اللواء عباس إبراهيم وإرجاء البتّ برفع الحصانات عن 3 نوَّاب بناء على طلبات المحقق العدلي القاضي طارق بيطار، يهدّد الأهالي بخطوات تصعيديَّة في الأيّام المقبلة، لا سيّما في حال تعنّت مجلس النواب بمسألة رفع الحصانات.

وبانتظار استكمال التَّحقيقات على أمل التَّفلّت من فخّ الحصانة للوصول إلى كلّ الأسماء المشبوه، يؤكّد الأهالي ألّا حلَّ في هذه القضيَّة إلَّا بإحقاق الحقّ والانتصار لدماء من غرقوا في الميناء بدمائهم، وأنّ "تحركاتهم أضحت يومية، وأن لا سقف لها وستكون تصاعدية، لأنّ دماء شهدائهم لن تذهب هدراً"، منتقدين "ما حصل في مجلس النواب في موضوع رفع الحصانة"، محمّلين السلطة السياسية "مسؤولية هدر دم أبنائهم من خلال المماطلة بكشف حقيقة ما حصل وتغطيتها المرتكبين".

 وشدّدوا على أنهم "يتحركون باسم الوطن ككل وليس باسم دماء الشهداء فقط ودعماً للقاضي بيطار الذي دعوه إلى استكمال خطواته وإجراءاته لكشف كامل ملابسات انفجار بيروت ومحاسبة المسؤولين".

العصا الأوروبيَّة.. حسمٌ قبل نهاية الشَّهر

ينفتح المشهد اللّبناني على سيناريوات كثيرة بكثرة الملفَّات العالقة. وربَّما تكون الأيَّام القليلة المقبلة عتبة لتحرّك أوروبيّ في ملفّ تفجير مرفأ بيروت. فوزير الخارجيَّة الفرنسي جان إيف لودريان أعلن عن إجماع أوروبيّ لفرض عقوبات على مسؤولين لبنانيّين قبل نهاية الشَّهر الجاري.

ولفت لودريان إلى أنَّ بلاده توصَّلت إلى اتفاقٍ سياسيّ لتشكيل إطارٍ قانونيّ تفرض بموجبه عقوباتٌ على أطراف لبنانيَّةٍ، مؤكّدًا أنَّ الإطار القانونيَّ لفرض العقوبات سيكون جاهزاً قبل موعد ذكرى انفجار مرفأ بيروت. كما أشار الوزير الفرنسي إلى أن العقوبات تهدف إلى الضَّغط على السُّلطات اللُّبنانيَّة لتشكيل الحكومة وبدء الإصلاح.

فيما أكد موفد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، المستشار لشؤون شمالي أفريقيا والشرق الأوسط السفير باتريك دوريل خلال لقاءه برئيس الجمهورية ميشال عون، حرص فرنسا على الاستمرار في دعم لبنان ومساعدته، مركزاً على أهمية الإسراع في تشكيل حكومة جديدة ومباشرة الإصلاحات التي تنادي بها فرنسا والمجتمع الدولي.

(ح)

ANHA