​​​​​​​هل يُشعل غلاء الأسعار في لبنان ثورة شعبية؟

بينما يمرّ الملف الحكومي في لبنان بفترةٍ من الجمودِ، يشهد سعر صرف الدولار في السوق السوداء حركة تصاعدية بوتيرةٍ سريعة، حيث شهدت العملة الوطنية انهياراً غير مسبوق، والذي على ما يبدو لا حلول من قبل السلطة لكبحه، فيما يستمر الشارع اللبناني بالغليان، فهل نشهد ثورة شعبية ضد الطبقة الحاكمة؟

​​​​​​​هل يُشعل غلاء الأسعار في لبنان ثورة شعبية؟
الجمعة 9 تموز, 2021   02:27
بيروت – زياد أبو غزالة

تشهد عديدٌ من المناطق اللبنانية بين الفينة والأخرى، في البقاع والشمال والجنوب وفي العاصمة بيروت، قطعاً للطرقات احتجاجاً على ارتفاع سعر صرف الدولار، والانهيار النقدي والمعيشيّ، وتبقى مطالب المحتجين: سقوط الطبقة السياسية العاجزة عن إدارة الأزمة، والتي يرون أنها تمضي بالبلد إلى الانهيار الشامل.

هذا السيناريو بتداعياته على مختلف القطاعات، وترجمته غلاء فاحشاً وتدهوراً في قيمة الرواتب والأجور، وتقلص القدرة الشرائية عند المواطنين، لم يحرّك حتى الساعة المعنيين، سياسياً ومالياً، والموكلة إليهم مهمة تصريف الأعمال لوضع حدّ لتفلّت تجار العملة الذين يتصرفون بلا حسيب أو رقيب، ولم يحدث بعد أيّ خرقٍ "علني" لتسريع عملية تشكيل الحكومة، باعتبار أنّ غياب الاستقرار السياسي هو من أهم العوامل التي تؤدي إلى ارتفاع سعر صرف الدولار، كما أن وجود حكومة جديدة أصبح شرطاً دولياً مقروناً بجملة إصلاحات، لضخّ الدعم المالي القادر وحده على النهوض بالبلاد اقتصادياً.

صراع غير متكافئ

وفي وقتٍ لا تزال فيه الحركة الاحتجاجية في الشارع اللبناني خجولة جداً مقارنة مع حجم الكارثة الاقتصادية والمعيشية، يشدد الناشط السياسي أيـمن مهـنا، في حديثه مع وكالتنا، على أنّ "الصراع غير متكافئ بين الشعب والسلطة السياسية، باعتبارها لا تكترث لأي ضغطٍ شعبي، وهي دائماً مستعدّة للجوء إلى العنف، ولو أدى ذلك إلى سقوط ضحايا، ولا تلتفت حتى إلى الضغط الدولي، وتقارير المنظمات الحقوقية، التي تتحدث عن الانتهاكات الحاصلة في لبنان من الطبقة السياسية والأجهزة الأمنية بحق الناشطين السلميين، والصحافيين، وأصحاب الكلمة الحرّة، وتستكمل أسلوبها القمعي، والصدامات العنيفة في التظاهرات، والتجارب كثيرة في ذلك، وهذا من أهم الأسباب التي تحول دون تكرار تحركات بحجم انتفاضة 17 أكتوبر، أو نزول الناس إلى الطرقات خوفاً من خسارة حياتهم".

ويقول مهنا إنّ "لبنان يعيش في ظلّ سلطة سياسية مستهترة جدّاً، مجرمة، منفصلة عن أبسط حقوق الناس، وكل ما له علاقة بالإدارة السليمة، ولا تهمها مصلحة الناس ومعيشتهم، أو حتى جريمة مرفأ بيروت، والاغتيالات السياسية، بل كلّ ما تركز عليه وتعمل من أجله هو كيفية تقاسم الحصص في مجلس الوزراء، وفي الدولة".

وأشار إلى أنّ "الطبقة السياسية أثبتت عجزها وفشلها في مختلف الميادين، حتى صحّياً، كانت إدارتها لملف فيروس كورونا كارثية، ومليئة بالشوائب والانتهاكات، والفضائح، وهي لا تقوم بأي إصلاح يقف بوجه ممارساتها وصفقاتها، علماً أنّه مطلب المجتمع الدولي لمنح أي دعم مالي للبنان".

الثورة مستمرة؟

وقال عددٌ من المحتجين في ساحة الشهداء، في العاصمة اللبنانية، أنّهم يقطعون مختلف المداخل والطرق المؤدية إلى بيروت، وهناك مجموعات على مساحة الوطن تنزل إلى الشارع للاحتجاج، حتى في مناطق محسوبة على أحزاب تقليدية، في البقاع وبعلبك والجنوب والشمال، لأنّ الجوع لا يستثني أحداً، والفقر طرق باب جميع المواطنين.

وأكد المحتجون أنهم مستمرون بالاحتجاجات، ويجب أن تشهد الأيام المقبلة تصعيداً يعيد الحشد إلى الساحات، في ظلّ الغلاء المعيشي المرشح للتحليق عالياً مع وصول الدولار إلى سبعة عشر ألف ليرة لبنانية حتى هذه اللحظة، والتقنين القاسي في التيار الكهربائي، وانقطاع الأدوية، وزيادة أسعار المحروقات وتوابعها، وغيرها من الأزمات التي تحاصر اللبنانيين.

الشارع محبط

السخط الشعبي كبير، لكن من دون تحرك فعلي على أرض الواقع، ويكتفي المواطن بتفريغ هذا السخط إما بالكلام، أو من خلال منشور على مواقع التواصل الافتراضي، فيما الطبقة السياسية ما زالت على حالها. لذلك يفترض أن تكون أي دعوة إلى الإضراب أو الاعتصام قادرة على حشد عشرات الآلاف. لكن الإضراب الأخير الذي دعا إليه الاتحاد العمالي العام، أثبت أن الشارع محبط، بشقيه الموالي والمعارض، والأمل بالتغيير مفقود. ولذلك حتى فقدان السلع الأساسية من الأسواق وارتفاع الأسعار وإقفال المختبرات وتقليص الخدمات الصحية وعزوف شركات التأمين عن تغطية تكاليف الحوادث والاستشفاء وانقطاع البنزين والأدوية وحتى حليب الأطفال لا يحرّك الناس. فغياب الإيمان بالقدرة على التغيير يعني أن أقصى مطلب قد يكون توسّل السلطة إيجاد الحلول للأزمات المتفاقمة. وهذا مطلب لا يمكن أن يؤتمن على تلبيته من كان مسؤولاً عن هذه الأزمات.

أمام كل ذلك، تصبح الحرب السياسية المستعرة على الحصص الحكومية وعلى الفيتوات بمنزلة إصرار على قتل أي أمل بإمكانية الخروج من المأزق. هذا من دون الإشارة إلى ما هو واضح: أيّ حكومة لن تكون قادرة على اجتراح المعجزات، حتى لو توفّرت النيّات. لكن مع ذلك، فإن أي حلّ أو أمل بالحل تبقى الحكومة لبنته الأولى.

البلد على نار والحكومة في الثلاجة

تفجّر الغضب الشعبي بعنف "أحياناً" بفعل تدهور قيمة العملة الوطنية، أعاد مشهد ‏الشارع إلى ثورة 17 تشرين الأول 2019 التي يبدو أنها لم تتجدّد بعد، وإن حصل ذلك، قد ‏تكون هذه المرة أكثر عنفاً، في ظل استمرار عجز السلطة عن لجم ‏الانهيار الاقتصادي والمالي والمعيشي الذي بلغ مستويات خطيرة، ‏وتلهّي المنظومة السياسية بنزاع حول حكومة لم تولد بعد.

وبَدا ‏المشهد أنّ البلد على نار ويحترق أو هو على فوهة بركان، فيما ‏الحكومة الموعودة في الثلاجة تنتظر توافقاً يعوقه تضارب المصالح ‏بين المعنيين غير العابئين بما يصيب الناس من جوع ومن فقر طرق ‏أبوابهم بشدّة ما دفعهم للنزول إلى الشارع.

وقد دلّت التحركات ‏الشعبية إلى أنّها ستشهد فصولاً متلاحقة ستغيب معها كلّ ‏الدعوات وكل الشعارات الداعية إلى حلول في الداخل أو من الخارج، ‏خصوصاً أنّ المعنيين أثبتوا بالدليل القاطع أنهم لا يقيمون للبلد ‏ومصيره أي اعتبار، وأنهم مستعدّون للدفاع المستميت عن مصالحهم ‏حتى لو تحوّل البلد رماداً، مُمعنين في التصرف وكأنه في ألف خير؟!‏

الانفجار الأمني ممنوع!

وعلى الرغم من اشتداد الأزمة في لبنان، فإن الأمور لن يُسمح لها بالذهاب إلى الانفجار الأمني، بحسب ما أشارت مصادر سياسية عدة، لأن سقوط لبنان يؤذي العالم ويضعه أمام تحديات خطيرة، إلا أن هذا التحدي بعدم سقوط لبنان لا يعني على الإطلاق القبول باستمرار الوضع على ما هو عليه سياسياً واقتصادياً، ولا يعني تسليماً للطبقة الحاكمة بالاستمرار، لأن التغيير هو المدخل للإصلاح وإعادة بناء المؤسسات، ومن يدمر لا يمكنه أن يعمر.

في المقابل يكتفي الخارج بمراقبة التطورات الدراماتيكية المتسارعة على الساحة اللبنانية، ويواظب على تكرار ذات النصائح التي تتمثل بالآتي:

أولا: تأليف حكومة سريعاً وبلا إبطاء، حكومة مهمة قادرة على تنفيذ برنامج شامل للإنقاذ.

ثانياً: المضي بإقرار المراسيم والقوانين والتشريعات اللازمة لوضع الإصلاحات موضع التنفيذ.

ثالثاً: لا مساعدات بلا إصلاح جدي وحقيقي، وهو المدخل والممر الإلزامي لمساعدة لبنان على الخروج من قعر الأزمة.

رابعاً: الطريق الأسرع للإنقاذ هو الاتفاق مع صندوق النقد الدولي على برنامج للإنقاذ المالي، وهذا الأمر ما كان يجب أن يتوقف مع استقالة الحكومة، لأن حكومة تصريف الأعمال الحالية قادرة على إتمام هذا الاتفاق وعدم التذرع بانتظار تأليف حكومة جديدة.

خامساً: مباشرة التدقيق الجنائي المحاسبي وكشف عمليات تهريب الأموال من لبنان إلى الخارج، والمجتمع الدولي سيساعد لبنان في الكشف عن الأموال المهربة، وهذا الأمر يحتاج إلى إجراءات لبنانية وطلبات لبنانية بهذا الخصوص.

سادساً: على القضاء أن يلعب دوراً حاسماً في مكافحة الفساد، ولا يمكنه البقاء في موقف المتفرج أو العاجز عن القيام بهذا الدور الأساسي المنوط به أصلاً.

(ح)

ANHA